الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1340)، كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، و (1378)، باب: زكاة الورق، و (1390)، باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و (1413)، باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ومسلم (979/ 1 - 5)، في أول كتاب: الزكاة، وأبو داود (1558 - 1559)، كتاب: الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، والنسائي (2445 - 2446)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل، و (2473 - 2476)، باب: زكاة الورق، و (2483)، باب: زكاة التمر، و (2484)، باب: زكاة الحنطة، و (2485)، باب: زكاة الحبوب، و (2486 - 2487)، باب: القدر الذي تجب فيه الصدقة، والترمذي (626)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الزرع والتمر والحبوب، وابن ماجه (1793)، كتاب: الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة من الأموال، و (1799)، باب: صدقة الإبل.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (2/ 13)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 124)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (3/ 120)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (3/ 457)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 10)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 49)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 186)، =
(عن أبي سعيدٍ) سعدِ بنِ مالكِ بنِ سِنان (الخدريِّ رضي الله عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ليسَ فيما دُونَ خمسٍ أواقٍ) -بالتنوين؛ كجوارٍ -، ويقال: أَواقي -بالتشديد والتخفيف- (1)، ويقال: أُوقِيَّة -بضم الهمزة وتشديد الياء-، ووقية، وأنكرها بعضهم.
والأوقيةُ أربعون درهمًا بالاتفاق، فالنصابُ مئتا درهم (2)، فليس فيما دونها من الفضة (صدقةٌ).
ولا شيءَ في المغشوش حتّى يبلغ خالصُه نصابًا، فإن شكَّ هل فيه نصابٌ خالصٌ؟ خُيِّرَ بين سبكهِ وإخراجِ زكاةِ نقدِه إن بلغ نصابًا، وبينَ استظهارِه وإخراجِ قدرِ زكاته بيقين (3).
والاعتبارُ بالدرهم الإسلامي الذي زِنَتُه ستةُ دَوانِقَ، والعشرةُ دراهمَ سبعةُ مثاقيلَ، فالدرهمُ نصفُ مثقال، وخُمُسه، فيكون خمسين حبةَ شعير، وخُمسَ حبة.
وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين:
سوداء وهي البغلية: نسبةً إلى ملك يقال له: رأسُ البغل، الدرهمُ منها ثمانيةُ دوانقَ.
= و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 802)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 167)، و"فتح الباري" لابن حجر (3/ 310)، و"عمدة القاري" للعيني (8/ 256)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 11)، و"سبل السلام" للصنعاني (2/ 131)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (4/ 199).
(1)
يقال في كل جمع إذا كان مفرده مشددًا: إنه يجوز في جمعه الوجهان -يعني: التشديد والتخفيف-. قاله ابن السِّكيت في "إصلاح المنطق"(ص: 178).
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 186).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 344)، و"الإقناع" للحجاوي (1/ 434).
والطبريةُ: نسبةً إلى طبرية الشام، الدرهمُ أربعة دوانق.
فجمعتهما بنو أمية، وجعلوهما درهمين متساويين، كلُّ درهم ستة دوانق، فيردُّ نصابُ زكاة النقدين إلى المثقال والدرهمِ الإسلامي (1).
وملكُ النصاب شرطٌ لوجوب الزكاة، ففي أثمانٍ وعروضٍ تقريبٌ، ولا يضرُّ نقصُ حبة أو حبتين؛ خلافًا لأبي حنيفة والشَّافعي.
وقال الإمام مالك: إن نقص نقصًا يسيرًا يجوز جواز الوازنة، وجبت الزكاة؛ لأنّها تقوم مقام الوازنة، وإن لم تجز، أثر نقصُ درهم، وكذا إن لم تكن مضروبة (2).
وفي الذهب ثلثُ مثقال.
وفي ثمر وزرع: تحديدٌ، وقيل: تقريب، فلا يؤثر نحو رِطلين ومُدَّين، ويؤثران على الأول، وعليهما، فلا اعتبارَ بنقصٍ يتداخل في المكاييل؛ كالأوقية.
وتجب الزكاةُ فيما زاد على النصاب؛ وفاقًا، وقاله أَبو يوسف، ومحمد، ولو لم يبلغ نقدًا أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير؛ خلافًا لأبي حنيفة، إلا السائمةَ، فلا زكاة في وَقْصها (3).
وأمّا نصابُ الذهب، فعشرون مثقالًا؛ لحديث علي رضي الله عنه، عن النّبي صلى الله عليه وسلم:"ليسَ في أقلَّ من عشرينَ دينارًا شيءٌ، وفي عشرينَ نصفُ دينارٍ" رواه أَبو داود بإسناد صحيح (4).
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 433 - 434).
(2)
انظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 317 - 318).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 250).
(4)
رواه أَبو داود (1573)، كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة.
والمثقال: درهمٌ، وثلاثة أسباع درهم، ولم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام، وهو ثنتان وسبعون حبةَ شعيرٍ متوسطةً.
وقيل: ثنتان وثمانون حبة، وثلاثةُ أعشار حبة من الشعير المطلق، ولا تنافي بينهما.
وزِنَةُ العشرين مثقالًا بالدراهم ثمانيةٌ وعشرون درهمًا، وأربعةُ أسباع درهم، وبدينار الوقت الآن، الذي زنتهُ درهمٌ وثمنُ درهم، خمسةٌ وعشرون دينارًا، وسُبعا دينار وتُسْعُه (1).
ويُضم أحدُ النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك؛ لاتفاق مقاصدِهما، وزكاتهما، فهما كنوعي الجنس.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه رواية ثانية؛ أنّه لا يُضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب.
قال صاحب "المحرر": يروى أنَّ الإمام أحمد رجع إليها أخيرًا، واختارها أَبو بكر، وقدمها في "الكافي"(2)، و"الرعاية"، وابن تميم؛ وفاقًا للشّافعي؛ للعموم، والمذهبُ الأوّلُ (3).
ويكون الضمُّ بالأجزاء لا بالقيمة، فعشرةُ مثاقيل ذهبًا نصفُ نصاب، ومئةُ درهمٍ نصفٌ، فإذا ضُمَّا، كمل النصاب، وإذا بلغ أحدُهما [نصابًا](4)، ضم إليه ما نقص عن الآخر (5).
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 433).
(2)
انظر: "الكافي" لابن قدامة (1/ 309).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 346).
(4)
في الأصل: "نصيبًا".
(5)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 438).
(ولا فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ) من الإبل (صدقةٌ) مفروضة.
وأنكر ابنُ قتيبة أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب (1)، وكأنّه يرى أن الذودَ ينطلق على الواحد، وغلط في ذلك، لشيوع هذا اللفظ في الحديث الصحيح، وسماعه من العرب؛ كما صرح بذلك أهل اللغة (2).
قال في "المطالع": الذَّوْدُ: من الثلاثِ إلى التسع في الإبل، وإن ذلك يختص بالإناث، قاله أَبو عبيد، وقال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى العشرة، وقال غيره: واحد (3).
ومقتضى لفظ الأحاديث انطلاقُه على الواحد، وليس فيه دليلٌ على ما قالوه، وإنما هو لفظ للجميع؛ كما قالوا: ثلاثة رهط، ونسوة، ونفرٍ، وفسروه، ولم يقولوه لواحد منها.
وذكر ابن عبد البر: أن بعض الشيوخ رواه: في خمسٍ ذودٍ، على البدل، لا على الإضافة (4).
وهذا إن تصور له هنا، فلا يتصور في قوله: أعطانا خمسَ ذود (5).
قال القسطلاني في "شرح البخاري": الذودُ يقع على المذكر والمؤنث، والجمع والمفرد، فلذا أضاف خمس إليه (6).
قال في "الفروع": أقلُّ نصاب الإبل خمسٌ؛ إجماعًا، فتجب فيها شاةٌ؛
(1) انظر: "المسائل والأجوبة" لابن قتيبة (ص: 247).
(2)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (7/ 50)، و"فتح الباري" لابن حجر (3/ 323).
(3)
وانظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 271).
(4)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 126).
(5)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 271).
(6)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 11)، نقلًا عن ابن المنير.
إجماعًا، ويعتبر كون الشاة بصفة الإبل، لا بغالب غنم البلد؛ خلافًا لمالك، ثمَّ في كل خمسٍ شاةٌ إلى خمس وعشرين، ففيها بنتُ مخاضٍ لها سنةُ، وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لبون لها سنتان، وفي ستٍّ وأربعين حُقَّةٌ لها ثلاثُ سنين، وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ لها أربعُ سنين، وفي ستٍّ وسبعين بِنْتا لَبون، وفي إحدى وتسعين حُقَّتان، وفي إحدى وعشرين ومئةٍ ثلاثُ بناتِ لَبون، ثمَّ تستقر الفريضة، ففي كل أربعينَ بنتُ لَبون، وفي كل خمسين حُقَّةٌ (1).
(وليسَ فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ) والوَسْقُ ستون صاعًا، والصاعُ خمسةُ أرطال، وثلثٌ بالعراقي، فيكون النصاب ألفًا وست مئة رطل عراقي، ومئتان وسبعة وخمسون رطلًا،، وسُبعْ رِطْلٍ بالقدسي، وما وافقه (2).
والوسقُ والصاعُ والمدُّ مكاييلُ ضُبطت بالوزن؛ لتحفظ، والمرادُ بالأوسق: من المكيلِ المدَّخَرِ من قوتٍ وغيره، نقله أَبو طالب عن الإمام أحمد.
وكذا نقل صالحٌ، وعبدُ اللَّه: ما كان يُكال ويُدَّخر، ويقع فيه القفيزُ، ففيه العُشْر.
وعند الشّافعيّة: المقتاتُ في حال الاختيار، وهو من الثمار: الرُّطَبُ والعنبُ، ومن الحَبِّ: الحنطةُ، والشعيرُ، والذرة، واللوبيا، والماشُ، والسُّلْتُ، والأرز، والعدس، والحِمِّصُ، والباقِلاء، والدُّخْنُ، والجُلْبانُ، ونحوها، وكذا مذهب الإمام مالك، إلا أنّه زاد: السمسمَ والترمس.
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 277 - 278).
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 184)، و"الفروع" لابن مفلح (2/ 315)، و"المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 129).
وعند أبي حنيفة: تجب في الفواكه، والخضر، والبقول.
وعند أبي يوسف، ومحمد: إنّما تجب في كل ما يبس وبقي من زرعٍ وثمرةٍ، وإن لم يكن مَكيلًا؛ كالتين ونحوه، لا في الخضراوات وبذورها (1).
(صدقةٌ) واجبة؛ لعدم بلوغه النصاب، وفي لفظ:"ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوساقٍ من تمرٍ، ولا حَبٍّ صدقةٌ"(2)، وفي لفظ:"ليسَ في حَبٍّ ولا تَمرٍ صدقةٌ حتّى يبلغَ خمسةَ أوسق"(3)، وفي بعض ألفاظ البخاري:"ليس في أقلَّ من خمسةِ أوسقٍ، ولا في أقلَّ من خمسةٍ من الإبلِ الذودِ صدقةٌ، ولا في أقلَّ من خمسةِ أواقٍ [من الوَرِق] صدقة"(4)، وفي لفظ آخر: وأشار النّبي صلى الله عليه وسلم بكفه بخمسِ أصابعه (5).
وكل هذه ألفاظ حديث أبي سعيد في "الصّحيحين"، أو أحدهما، واللَّه أعلم.
تنبيه:
أجمع العلماء على وجوب الزكاة في أربعة أصناف: المواشي، وجنس الأثمان، وعُروض التجارة، والمكيلِ المدَّخَر من الثمار والزروع بصفات مخصوصة.
فأما المواشي، وجنس المقتات، وعروض التجارة المتفق على وجوب
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 311).
(2)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (979/ 4).
(3)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (979/ 5).
(4)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1413).
(5)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (979/ 2).
الزكاة فيها، فالإبل، والبقر، والغنم، بشرط كونها سائمة.
ولا بدَّ من كمال النصاب، واستقرار الملك، وكمال الحول، وكون المالكِ حرًا مسلمًا.
ومعتمد مذهب الإمام أحمد: وجوبُها حتّى في بقر الوحش وغنمِه؛ لشمول اسمِ البقر والغنم لهما؛ خلافًا للإمام الموفق، وجمعٍ، وصحح الشارح عدمَ الوجوب؛ لمفارقتها الأهليةَ صورةً وحكمًا، والإيجاب من الشارع، ولم يرد عنه نصٌّ، ولا يصحُّ القياس لوجود الفارق، والقولُ بوجوب الزكاة فيهما، وفي المتولد بين ذلك وغيره من المفردات.
وتجب في الخارج من الأرض وما في حكمه من العسل، والأثمان، وعروض التجارة، واللَّه الموفق (1).
* * *
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 387 - 388)، و"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 167).