الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادي عشر
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها، قاَلتْ: لَمَّا اشْتكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ بَعْضُ نِسائِهِ كَنيسَةً رَأَيْنَها بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لَها مارِيةَ، وكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبيبَةَ أَتَتا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتا مِنْ حُسْنِها وَتَصاويرَ فيها، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:"أُولئكَ إذا ماتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوا على قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّه"(1).
(1) * تخريج الأحاديث: رواه البخاري (417)، كتاب: المساجد، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد، و (424)، باب: الصلاة في البيعة، و (1276)، كتاب: الجنائز، باب: بناء المسجد على القبور، واللفظ له، و (3660)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة الحبشة، ومسلم (528/ 16 - 18)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، والنسائي (704)، كتاب: المساجد، باب: النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 450)، و"المفهم للقرطبي"(2/ 127)، و"شرح مسلم" للنووي (5/ 11)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 171)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 783)، و"فتح الباري" لابن رجب (2/ 404، 438)، و"فتح الباري" لابن حجر (1/ 532)، و"عمدة القاري" للعيني (4/ 173)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 153).
(عن عائشة) الصديقة أم المؤمنين (رضي الله عنها، قالت: لما اشتكى) من الشكاة، وهي: المرض (النبي صلى الله عليه وسلم) -بالرفع- فاعل اشتكى، يعني: لما مرض مرضه الذي مات فيه، (ذكر بعض نسائه) صلى الله عليه وسلم (كنيسة) -بفتح الكاف-، وهي: متعبد اليهود، أو النصارى، والكفار (رأينها بأرض الحبشة) لما كُنَّ مهاجرات من مكة إليها (يقال لها)؛ أي: لتلك الكنيسة: (مارية) -بكسر الراء، وتخفيف المثناة التحتية-: علم للكنيسة، (وكانت أم سلمة) -بفتح اللام- أم المؤمنين، واسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، (وأم حبيبة) -بفتح الحاء- أم المؤمنين أيضًا، اسمها: رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما (أتتا أرض الحبشة) مع زوجيهما اللذين كانتا معهما، وهما: أَبو سلمة، وعبد اللَّه بن جحش.
وكان عبد اللَّه بن جحش، قد أسلم، وهاجر بزوجته أم حبيبة رضي الله عنها إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، ومات هناك على النصرانية، فتزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كما مر في قصة النجاشي.
روى عنها: أخواها: معاوية، وعنبسه ابنا أبي سفيان، وغيرهما، روي لها عن رسول صلى الله عليه وسلم خمسة وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى لها الجماعة.
توفيت سنة أربع وأربعين، وقيل: قبل معاوية بسنة، ومعاوية إنما مات في رجب سنة ستين.
وأما أم سلمة: فهي هند بنت أبي أمية، واسمه: سهيل بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم المخزومية أم المؤمنين، ويقال: إن أم سلمة أول ظعينة دخلت المدينه مهاجرة.
وكانت هي وزوجها أَبو سلمة أول من هاجر إلى أرض الحبشة، فولدت
له بها زينب، وولدت له بعد ذلك: سلمة، وعمر، ودرة، ومات أَبو سلمة رضي الله عنه سنة أربع، أو ثلاث، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال من تلك السنة.
وماتت سنة سبع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، وصلى عليها أَبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد، ورد: بأن وفاته كانت سنة إحدى وخمسين، ودفنت بالبقيع، وكان عمرها أربعًا وثمانين سنة، وهي آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم موتًا، وقيل: بل ميمونة.
روي لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مئة حديث، وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها، وللبخاري ثلاثة (1).
(فذكرتا)؛ أي: أم سلمة، وأم حبيبة (من حسنها)؛ أي: الكنيسة المسماة بمارية (وتصاوير) مصورةٍ (فيها، فرفع) رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (رأسه) الشريف (فقال: أولئك) -بكسر الكاف، ويجوز فتحها- (إذا مات) منهم، وفي بعض نسخ البخاري:(فيهم)، ولفظ "جمع الصحيحين" للحافظ عبد الحق:"إن أولئك إذا كان فيهم"(2)(الرجل الصالح) فمات، (بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه)؛ أي: في ذلك المسجد (تلك الصور) جمع صورة.
(1) وانظر ترجمتها في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 96)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1843)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (69/ 130)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (7/ 116)، و"تهذيب الكمال" للمزي (35/ 175)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 218)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 651)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (12/ 448).
(2)
انظر: "الجمع بين الصحيحين" للإشبيلي (1/ 357 - 358)، حديث رقم (735).
قال القرطبي: إنما صور أوائلهم الصور؛ ليتأنسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون اللَّه عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك؛ سدًا للذريعة المؤدية [إلى ذلك](1).
وفي لفظ: "صوروا تلك الصورة"(2) -بالإفراد-، يعني: التي مات صاحبها، فنفَّرَ عليه الصلاة والسلام عن مثل فعلهم، بقوله:(أولئك) -بفتح الكاف وكسرها- (شرار الخلق عند اللَّه)، ومحل القصد من حديث المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء وغيرهم مساجد، ومقتضى الذم والتنفير: التحريم، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": بناء المساجد على القبور محرم، باتفاق الأئمة، ولو بنى عليه غير مسجد، نهي عنه أيضًا باتفاق العلماء، وإنما تنازعوا في تطيينه: فرخص فيه الإمام أحمد، والشافعي، وكرهه أَبو حنيفة، كالتجصيص، قال: والبناء على القبور من المساجد والترب محدث في الإسلام من قريب، انتهى (3).
وقال ابن دقيق العيد في شرح حديث عائشة هذا: فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان؛ لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث
(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (2/ 127 - 128).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1276).
(3)
وانظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (27/ 160).
انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده، لا يساويه في هذا المعنى، ولا يساويه في هذا التشديد.
قال: وهذا باطل قطعًا؛ لأنه ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، وأنه يقال لهم:"أحيوا ما خلقتم"، وهذه علة مخالفة لما قاله مدعي الكراهة، وقد صرح بذلك في قوله عليه السلام "المشبهون بخلق اللَّه"(1)، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زمانًا دون زمان.
قال: وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة، بمعنى خيالي يمكن ألا يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ للتعليل بغيره؛ وهو التشبيه بخلق اللَّه، وقوله عليه السلام:"بنوا على قبره مسجدًا" إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صرح به في الحديث الآخر؛ حيث لعن اليهود والنصارى؛ لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (2).
* * *
(1) رواه البخاري (5610)، كتاب: اللباس، باب: ما وطىء من التصاوير، ومسلم (2107)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان، عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 171 - 172).