المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: بَعَثَ رسول - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٣

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الوتر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب بالذكر عقب الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌باب العيدين

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب صلاة الكسوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب صلاة الاستسقاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب صلة الخوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الجنائز

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌كتاب الزكاة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الصيام

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌[كتاب] الصوم في السفر وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌باب أفضل الصيام

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

الفصل: ‌ ‌الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: بَعَثَ رسول

‌الحديث الخامس

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: بَعَثَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عُمَرَ رضي الله عنه عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وخَالِدُ بْنُ الوليدِ، والْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وأمّا خالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وأَعْتَادَهُ في سَبِيل اللَّهِ، وأَمَّا العَبَّاسُ، فَهِيَ عَلَيَّ وِمثْلُها"، ثُمَّ قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:"يا عُمَرُ! أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ "(1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (1399)، كتاب: الزكاة، باب: قول اللَّه تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} إلى قوله {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60]، ومسلم (983)، كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها، واللفظ له، وأبو داود (1623)، كتاب: الزكاة، باب: في تعجيل الزكاة، والنسائي (2464)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء السيد المال بغير اختيار المصدق، والترمذي (3761)، كتاب: المناقب، باب: مناقب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه مختصرًا.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (2/ 53)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (3/ 471)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 15)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 56)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 191)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 814)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 169)، و"فتح الباري" لابن حجر (3/ 332)، و"عمدة القاري" للعيني (9/ 5)، =

ص: 428

(عن أبي هريرةَ) أيضًا (رضي الله عنه، قال: بعثَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم) الإمامَ (عمرَ) بنَ الخطّاب (رضي الله عنه) عاملًا (على الصدقة)، وهذا لفظ مسلم.

وفي رواية له أيضًا: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عمرَ ساعيًا على الصدقة (1)، وأما لفظ البخاري، فقال: أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالصدقة.

فزعم بعضُهم أنها صدقةُ تطوُّع، ورجَّحه بعض المحققين؛ تحسينًا للظن بالصّحابة؛ إذ لا يظن بهم منعُ الواجب، وعلى هذا، فعذرُ خالدٍ واضح؛ لأنّه أخرج ماله في سبيل اللَّه، فما بقي له مال يحتمل المواساة، وتُعقب بأنّهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا، فالظاهر أنّها الصدقة الواجبة؛ لتعريف الصدقة باللام العهدية.

وقال الإمام النّووي: إنّه الصحيح المشهور (2).

ويؤيده رواية مسلم المذكورة؛ فإنّها مُشعرة بأنّها صدقةُ الفرض؛ لأنَّ صدقة التطوع لا تُبعث عليها السعاة (3).

= و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 57)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 65)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (4/ 212).

(1)

قلت: كذا نقله الشارح رحمه الله عن الحافظ ابن حجر في "الفتح"(3/ 332): أن مسلمًا رواه بهذا اللفظ من طريق ورقاء، عن أبي الزناد، به. وليس هذا اللفظ الذي ذكره الحافظ من رواية مسلم، إنما لفظه فيه ما قد ساقه المصنف رحمه الله هنا وهو:"بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عمر ساعيًا على الصدقة". نعم رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(2330)، والدارقطني في "سننه"(2/ 123)، وغيرهما من طريق ورقاء، عن أبي الزناد، باللفظ الذي ذكره الحافظ، وعنه نقله الشارح رحمه الله.

(2)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (7/ 57).

(3)

انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 57 - 58).

ص: 429

(فقيل) القائل عمر رضي الله عنه؛ لأنّه المرسَل: (منعَ ابنُ جميل) أن يعطي الزكاةَ؛ كما في رواية أبي عبيد في آخر الحديث: أن يعطوا (1)، وهو مقدر، ولا بد؛ لأنَّ "منع" يستدعي مفعولًا، وقوله في الرواية:"أن يعطوا" في محل نصب على المفعولية، وكلمة "أن" مصدرية، أي: منع هؤلاء الإعطاء (2).

وابن جميل:-بفتح الجيم وكسر الميم-.

قال ابن مندَهْ: لم يُعرف اسمُه، ومنهم من سماه: حميدًا، وقيل: عبد اللَّه، وذكره الذهبي فيمن عُرف بأبيه ولم يُسَمَّ (3).

وقال ابن الجوزي: في الصّحابة جماعةٌ لا يعرفون إلا بآبائهم، منهم ابنُ جميل (4).

وفي كتاب "رجال العمدة" لعبد القادر من المتأخرين: أنّه رأى في كتاب "شرح الأمثال" لأبي عبيد البكري: أنَّـ[ـه]، أَبو جهم بن جميل، وشكَّ هل رأى: أَبو جهم، أو أَبو جهيم (5)؟

وقد قيل: إنّه كان منافقًا، ثمَّ تاب بعد؛ كما حكاه المهلَّب، قيل: وفيه نزل قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا} الآية في قوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} [التوبة: 74]، فقال: استتابني اللَّه، فتاب، وصلح حاله، والمشهور في

(1) رواه أَبو عبيد في "الأموال"(ص: 705)، ووقع عنده:"يتصدقوا". بدل "يعطوا".

(2)

انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 58).

(3)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(4)

انظر: "تلقيح فهوم أهل الأثر" لابن الجوزي (ص: 283).

(5)

وانظر: "عمدة القاري" للعيني (9/ 46).

ص: 430

الآية أنّها نزلت في غير ذلك، كما في "شرح الزهر البسام" للبرماوي (1).

(و) منع (خالدُ بنُ الوليدِ) بنِ المغيرة بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ بنِ مخزومِ بنِ يقظةَ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيٍّ، القرشيُّ المخزوميُّ، يكنى: أبا سليمان، وأمّه لُبابةُ الصغرى -بضم اللام وتخفيف الموحدة بعدها ألف ثمَّ موحدة-، وأمّا أختها لبابة الكبرى، فامرأةُ العبّاس أمُّ عبدِ اللَّه بنِ عبّاس وإخوته، وكلاهما بنتُ الحارثِ، أختُ ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم-.

وخالدٌ أحدُ أشراف قريش، قال الزبير: كانت له العقبةُ، وأعِنَّةُ الخيل، أمّا العقبة، فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش، وأمّا الأعنة، فإنه كان يكون المقدَّمَ على خيول قريش في الحرب، ولم يزل يولِّيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَعِنَّةَ الخيل، فيكون في مقدَّمها في محاربة العرب، هاجر بعد الحديبية، وكانت في ذي العقدة سنة ست، والمشهور أنّه إنّما هاجر سنة ثمان مع عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وسماه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة: سيفَ اللَّه، ولا يصحُّ له مشهدٌ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة، ولمّا عزله عمر رضي الله عنه عن حِمْصَ، لم يُر مرابطًا بها إلى أن مات رضي الله عنه سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين، وقبره مشهور هناك على نحو ميل من حمص -رضي اللَّه تعالى عنه-.

روي له عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر حديثًا، اتفقا منها على حديث واحد، واللَّه أعلم (2).

(1) قلت: في "غريب الحديث" لأبي عبيد (3/ 193): منع أَبو جهم وخالد بن الوليد والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم. قال الزركشي في "النكت على العمدة"(ص: 170): وقد يؤخذ من ذلك: أن كنيته ابن جميل، واسمه أَبو جهم.

(2)

انظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (7/ 394)، و"التاريخ الكبير" =

ص: 431

(و) منع (العبّاسُ) بنُ عبدِ المطلبِ بنِ هاشم رضي الله عنه (عَمُّ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم)، كنيتهُ: أَبو الفضل، وكان أَسَنَّ من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بسنتين، وقيل: بثلاث، وأمُّه امرأةٌ من النَّمِرِ بنِ قاسطٍ، اسمها نُتَيْلَة -بضم النون وفتح المثناة فوق-، وهي أوّل عربية ألبست الكعبةَ الحريرَ والديباجَ وأصنافَ الكسوة، وذلك أنَّ العبّاس ضلّ وهو صبيٌّ، فنذرت إن وجدته، لتكسوَنَّ البيتَ الحرام، فوجدته، ففعلت ذلك.

وكان العبّاس رئيسًا في الجاهلية، وإليه كانت عِمارةُ المسجد الحرام وسقايتُه، وحضر بيعةَ العقبة يسدِّدُ العقدَ مع الأنصار للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أسلم حينئذ، وكان أنصرَ النّاس لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد أبي طالب، وكان جوادًا، وَصولًا للرحم، وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يكرمه، ويُجِلُّه، وكان له من الولد: الفضلُ، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وعبد الرحمن، وقُثَم، ومَعْبَد، وكلهم من أُمِّ الفضل، وفيهم يقولُ الشاعر (1):[من الرجز]

مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ

كَسِتَّةٍ مِنْ بَطْنِ أُمِّ الفَضْلِ

أَكْرِمْ بِهَا مِنْ كَهْلَةٍ وَكَهْلِ

= للبخاري (3/ 136)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (3/ 356)، والثقات "لابن حبان"(3/ 101)، و"المستدرك" للحاكم (3/ 336)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1453)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (16/ 216)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (2/ 140)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 174)، و"تهذيب الكمال" للمزي (8/ 187)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (1/ 366)، و"الإصابة في تمييز الصحابة"(2/ 251)، و"تهذيب التهذيب" كلاهما لابن حجر (3/ 107).

(1)

هو عبد اللَّه بن يزيد الهلالي، كما في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 277 - 278)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(33/ 384)، وغيرهما.

ص: 432

وله منها بنت يقال لها: أم حبيبة، ومن غيرها جماعة؛ كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي في "منتخب المنتخب".

ولد قبل سنة الفيل، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالبقيع، وعليه القبةُ الكبيرةُ الشهيرة، وصلّى عليه عثمانُ بن عفان.

وكان العبّاس رضي الله عنه أسلمَ قديمًا، وكتمَ إسلامه، وخرج مع المشركين يومَ بدر مُكْرَهًا، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَقِيَ العَبَّاسَ، فَلَا يَقْتُلْهُ؛ فإنَّه خرجَ مُكْرَهًا"(1)، فأسره أَبو اليَسَر -بفتح المثناة تحت وفتح السين المهملة- كعبُ بنُ عمرو، ففادى نفسه، ورجع إلى مكة، ثمَّ أقبل إلى المدينة مهاجرًا.

رُوي له عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، ولمسلم ثلاثة أحاديثَ، وللبخاري حديثٌ، ومناقبُه ومآثره كثيرة جدًا رضي الله عنه، وعن بنيه الطاهرين- (2).

(فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم) بيان لوجه الامتناع، ومن ثمَّ عبر بالفاء: (ما يَنْقِمُ ابنُ

(1) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(347)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى"(4/ 10) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2)

وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (4/ 5)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (7/ 2)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 288)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (6/ 210)، و"المستدرك" للحاكم (3/ 358)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 810)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (26/ 273)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (3/ 163)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 78)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (3/ 631).

ص: 433

جميل) -بكسر القاف مضارع نَقَم بالفتح-؛ أي: ما يكره، وَيُنْكِرُ (1).

وفي "النهاية": أي: ما ينقم شيئًا من منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة (2)، ومن ثمَّ قال:(إلا أنّه)؛ أي: ابن جميل (كان فقيرًا، فأغناه اللَّه)، زاد في رواية البخاري:"ورسوله"؛ أي: من فضله بما أفاء اللَّه على رسوله، وأباح لأمته من الغنائم ببركته عليه الصلاة والسلام، والاستثناء مفرغ، فمحلُّ "أن" وصلتها نصبٌ على المفعول به، أو على أنّه مفعولٌ لأجله، والمفعولُ به حينئذ محذوف، ومعنى الحديث كما قاله غير واحد: أنه ليس ثَمَّ شيء ينقم ابنُ جميل، فلا موجبَ للمنع، وهذا مما يقصد العرب في مثله تأكيدَ النفي والمبالغةَ فيه بإثبات شيء، وذلك الشيء لا يقتضي إثباته، فهو منتف أبدًا، ويسمى مثل ذلك عند البيانيين: تأكيدَ المدح بما يشبه الذم، وبالعكس:

فمن الأوّل: قول الشاعر (3): [من الطويل]

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ

بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ

ومن الثّاني: هذا الحديثُ وشبهُه؛ أي: ما ينبغي لابن جميل أن ينقم شيئًا إلا هذا، وهذا لا يوجب له أن ينقم شيئًا، فليس له ثَمَّ شيء ينقمه، فينبغي أن يعطي مما أعطاه اللَّه، ولا يكفر بأنعمه، فكأن غناه أدّاه إلى كفر نعمة اللَّه تعالى (4).

(1) انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 58).

(2)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 110).

(3)

هو النابغة الذبياني، كما في "ديوانه" (ص: 60)، (ق 4: 19). وقد جاء في الأصل المخطوط: "قروع" بدل "قراع"، والصواب ما أثبت.

(4)

انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 58).

ص: 434

(وأمّا خالدٌ، فإنَّكُم تظلمونَ خالدًا) عبر بالظاهر دون أن يقول: تظلمونه، مع أنّ المقام إضمارُه؛ تفخيمًا لشأنه، وتعظيمًا لأمره؛ نحو:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 3]، ونظائره، والمعنى: تظلمونه بطلبكم منه زكاةَ ما عندَه (1)، (و) الحال أنّه (قدِ احتبسَ)؛ أي: وقفَ قبل الحول (أدراعَه) جمعُ دِرْع -بكسر الدال المهملة وسكون الراء فعين مؤنثة، وقد تذكَّر-: الزردية من الحديد (2).

(وأعتاده)، وفي رواية:"وأَعْتُدَهُ"(3)، وهو جمع قلة للعتاد، وهو ما أعدَّه الرّجل من السلاح والدوابِّ وآلة الحرب (4)(في سبيل اللَّه)، فلا زكاة عليه فيها، وتاء "أَعْتُدَهُ " مضمومة، جمع عَتَد -بفتحتين-.

قال الدارقطني: قال الإمام أحمد رضي الله عنه: قال علي بن حفص: "وأعتاده"، وأخطأ فيه وصَحَّفَ، وإنّما هو:"وأعتده"(5).

ورواه بعض رواة البخاري: "وأعبده" -بالموحدة- جمع عبد، حكاه عياض وغيرُه (6)، وهو موافق لراوية:"واحتبس رقيقه"(7).

قال في "النهاية": وفي معنى هذا الحديث قولان:

أحدهما: أنّه كان طولب بالزكاة عن أثمان الدروع والأعتُد على معنى:

(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.

(2)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 114).

(3)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1399).

(4)

قاله الأزهري في "تهذيب اللغة"(2/ 195)، (مادة: عتد).

(5)

انظر: "تصحيفات المحدثين" للعسكري (ص: 138)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 176).

(6)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (3/ 471).

(7)

انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 59).

ص: 435

أنّها كانت عنده للتجارة، فأخبرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه لا زكاة عليه فيها، وأنّه قد جعلها حبسًا في سبيل اللَّه.

والثّاني: أنّه اعتذار لخالد، ودفعٌ عنه، يقول: إذا كان خالدٌ قد جعل أدراعه وأعتُده في سبيل اللَّه تبرعًا وتقربًا إلى اللَّه، وهو غير واجب عليه، فكيف يستجيز منعَ الصدقةِ الواجبةِ عليه (1)؟!

(وأمّا العبّاسُ) زاد البخاري: بنُ عبدِ المطلب عمُّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فصرَّحَ بوصفه بأنّه عمُّه، تنبيه على تفخيمه واستحقاق إكرامه، ودخول اللام على عبّاس مع كونه علمًا؛ للَمْحِ الصفة (2)، (فهي)؛ أي: الصدقة المطلوبة منه (عليَّ ومثلُها) معها.

في معنى ذلك وجهان:

أحدهما: أن تكون هذه اللفظة صيغة إنشاء لالتزام ما لزم العبّاس، ويؤيد ذلك قوله:(ثمَّ قال)؛ يعني: (النّبيّ صلى الله عليه وسلم: يا عمرُ! أما شعرتَ)؛ أي: علمتَ وفطنتَ (أنَّ عمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبيه)، وفي رواية:"العبّاسُ صِنْوُ أبي"(3)، والصنوُ -بالفتح، ويضم-: المِثْل، وأصلُه أن يطلع نخلتان من عِرْقٍ واحدٍ، يريد صلى الله عليه وسلم: أنّ أصلَ العبّاس وأصلي واحدٌ، وهو مثلُ أبي، أو مثلي، وجمعُه صِنْوانٌ (4)؛ فإنّ هذه اللفظة تُشعر بما ذكر؛ فإنّ كونَه صنوَ أبيه يناسب تحمُّلَ ما عليه.

الثّاني: أن يكون إخبارًا عن أمر وقع ومضى، وهو تسلُّفُ صدقةِ عامين

(1) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 177).

(2)

انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 59).

(3)

رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(4/ 27)، عن أبي مجلز.

(4)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 57).

ص: 436

من العبّاس، وقد ورد ذلك صريحًا من حديث علي -رضى اللَّه عنه- عند التّرمذي (1)، ومن حديث ابن عبّاس عند الدارقطني، وفي إسنادهما ضعف، ولفظه: بعثَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عمرَ ساعيًا، فأتى العبَّاسَ، فأغلظَ له، فأخبر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"إنَّ العبَّاس قد أسلفَنا زكاةَ مالِه العامَ والعامَ المقبلَ"(2)، هذا على رواية مسلم، وأمّا لفظ البخاري:"فهي عليه صدقةٌ ومثلُها معَها"، ويحتمل ذلك وجهين:

أحدهما: أنّها عليه ثابتة سيتصدق بها، ومثلها معها يضيفه إليها كرمًا منه، فيكون النّبيُّ صلى الله عليه وسلم ألزمَه بتضعيف صدقته؛ ليكون ذلك أرفعَ لقدره، وأنبهَ لذكره، وأنفى للذبِّ عنه.

الثّاني: أنّها مِنَّا عليه صدقة؛ أي: إن زكاة ماله كالصدقة عليه؛ لأنّه استدان في مفاداة نفسه وعقيل يومَ بدر، فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاةُ.

وهذا التأويل استبعده البيهقي (3)؛ لأنَّ العباس من بني هاشم، فتحرم عليهم الصدقة.

وحمله بعضُهم على أن ذلك كان قبل تحريم الصدقة على بني هاشم.

وما اعتمده الحافظ من الراوية أدلُّ على المطلوب، وأبعدُ عن هذه التكلفات، واللَّه أعلم (4).

* * *

(1) رواه الترمذي (678)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في تعجيل الزكاة.

(2)

رواه الدارقطني في "سننه"(2/ 124)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 111). وانظر:"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 194).

(3)

انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (4/ 111).

(4)

انظر: "عمدة القاري" للعيني (9/ 47)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 59).

ص: 437