الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أو قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا"(1).
وفي روايةٍ: "وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ"(2).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1206)، كتاب: الجنائز، باب: الكفن في ثوبين، و (1207)، باب: الحنوط للميت، و (1742)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، و (1751 - 1752)، باب: المحرم يموت بعرفة، و (1753)، باب: سُنَّة المحرم إذا مات، و (1754)، باب: الحج والنذور عن الميت، والرجل يحج عن المرأة، ومسلم (1206/ 93 - 97، 99 - 103)، كتاب: الجنائز، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات؟، وأبو داود (3238 - 3241)، كتاب: الجنائز، باب: المحرم يموت كيف يصنع به؟، والنسائي (1904)، كتاب: الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم إذا مات؟، و (2853)، كتاب: مناسك الحج، باب: غسل المحرم بالسدر إذا مات؟ و (2855 - 2856)، باب: النهي عن أن يحنط المحرم إذا مات، و (2858)، باب: النهي عن تخمير رأس المحرم إذا مات، والترمذي (951)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في المحرم يموت في إحرامه.
(2)
رواه مسلم (1206/ 98)، كتاب: الجنائز، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات، والنسائي (2714)، كتاب: مناسك الحج، باب: تخمير المحرم وجهه ورأسه، =
الوَقْصُ: كَسْرُ العُنقُ.
* * *
(عن) حبر الأمة (عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما، قال: بينما) -بالميم-، وأصله "بين"، ثم زيد فيه الألف والميم: ظرف زمان يضاف إلى جملة (رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه (1)، وكذلك البرماوي لم يبينه في "مبهمات العمدة"(واقف بعرفة) للحج عند الصخرات، وليس المراد: خصوصَ الوقوف المقابل للقعود؛ لأنه كان راكبًا ناقته، ففيه إطلاق لفظ الواقف على الراكب (2) (إذ وقع عن راحلته)؛ أي: ناقته التي صلحت للرحل، والجملة جواب "بينما"، (فوقصته، أو قال: فأوقصته) شك الراوي أيَّ اللفظين قال. والمعروف عند أهل اللغة بدون الهمز، فالثاني شاذ؛ أي: كسرت عنقه، والضمير المرفوع في "فوقصته" للراحلة، والمنصوب للرجل (3).
= و (2854)، كتاب: باب، في كم يكفن المحرم إذا مات؟، و (2857)، باب: النهي عن أن يخمر وجه المحرم ورأسه إذا مات، وابن ماجه (3084)، كتاب: المناسك، باب: المحرم يموت.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"عارضة الأحوذي" لابن العربي (4/ 175)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 221)، و"شرح مسلم" للنووي (8/ 126)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 166)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 774)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 160)، و"فتح الباري" لابن حجر (3/ 136)، و"عمدة القاري" للعيني (8/ 48)، و"سبل السلام" للصنعاني (2/ 92)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (4/ 75).
(1)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (3/ 136).
(2)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(3)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
قال في "القاموس": وقص عنقه؛ كوعد: كسرها، فوقصت لازم ومتعد، ووقصت به راحلته تقصه (1)، ونحوه في "النهاية"(2).
(فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين) يحتمل إرادة ثوبين غير ثوبيه اللذين عليه، فربما استدل به على إبدال ثياب المحرم.
قال في "الفتح": وليس بشيء؛ لأنه جاء في عدة ألفاظ في "الصحيحين"، وغيرهما:"في ثوبيه"(3) وللنسائي: "في ثوبيه اللذين أحرم فيهما"(4).
وإنما لم يزده ثالثًا؛ مكرمة له، كما في الشهيد، حيث قال:"زملوهم بدمائهم"(5).
واستدل به على جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين.
(ولا تحنطوه) -بتشديد النون المكسورة-؛ أي: لا تجعلوا في شيء من غسلاته، أو في كفنه حنوطًا.
قال القاضي عياض: والحَنوط -بفتح الحاء المهملة-: ما يطيب به
(1) انظر: " القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 818)، (مادة: وقص).
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 213).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1753)، وعند مسلم برقم (1206/ 93، 98، 99).
(4)
تقدم تخريجه عند النسائي برقم (1904).
(5)
رواه النسائي (2002)، كتاب: الجنائز، باب: مواراة الشهيد في دمه، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 431)، عن عبد اللَّه بن ثعلبة رضي الله عنه. وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (3/ 136).
الميت من طيب يخلط، وهو الحناط، والكسر أكثر (1).
وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحنط؛ لكونه محرمًا، وإلا، فالحنوط سنة.
قال في "الفروع": يستحب تبخير الأكفان، بعد رشها بماء ورد وغيره، ليعلق ويبسط بعضها فوق بعض، ويجعل أحسنها أعلاها؛ ليظهر للناس كعادة الحي، ويذرّ بينها حنوطًا، وهو أخلاط من طيب، لا ظاهر العليا؛ اتفاقًا، ولا على الثوب الذي على النعش، نقله الجماعة؛ لكراهة السلف، ويطيب مواضع سجوده، ومغابنه، نص عليه الإمام أحمد، وإن طيب كله، فحسن، نعم يكره داخل عينيه، وفاقًا، وكره ورس وزعفران في حنوط، قال صاحب "المحرر": لأجل لونه، فربما ظهر على الكفن.
وقال أَبو المعالي: لاستعماله غذاء وزينة، ولا يعتاد التطيب به، ويكره طليه بِصَبِر ليمسكه، وبغيره ما لم ينقل (2).
(ولا تخمروا) -بالخاء المعجمة-؛ أي: لا تغطوا (رأسه)، بل أبقوا له أثر إحرامه؛ من منع ستر رأس الرجل، ومنعه المخيط، ووجه المرأة، ومنع أخذ شيء من ظفر، وشعر؛ (فإنه) الفاء تعليلية؛ أي: لأنه (يبعث يوم القيامة ملبيًا)؛ أي: بصفة الملبين، بنسكه الذي مات فيه من حج، أو عمرة، أو هما، قائلًا:"لبيك اللهم لبيك".
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام (3).
قال شمس الدين في "شرح المقنع": إذا مات المحرم، لم يبطل حكم
(1) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 203).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 178 - 179).
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 166).
إحرامه بموته، ويجنب ما يجنبه المحرم؛ من الطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، وقطع الشعر، روي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق.
وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة: يبطل إحرامه بموته، ويصنع به ما يصنع بالحلال، وروي ذلك عن: عائشة، وابن عمر رضي الله عنهم، وروي عن طاوس؛ قالوا: لأنها عبادة شرعية بطلت بالموت (1)؛ لانقطاع العبادة لزوال محل التكليف، وهو الحياة، لكن اتبع من أبقى حكمه الحديث، وهو مقدم على القياس (2).
قال ابن دقيق العيد: خالف في ذلك -أي: بقاء حكم الإحرام بعد الموت-: مالك، وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث؛ ما قيل: إنه صلى الله عليه وسلم علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي صلى الله عليه وسلم، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته، وغير هؤلاء يرى أن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام؛ فتعم كل محرم، انتهى (3).
قال في "شرح المقنع": فإن قيل: هذا خاص له؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، قلنا: حكم النبي صلى الله عليه وسلم في واحد حكمه في مثله، إلا أن يرد تخصيصه؛ ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد في سائر الشهداء (4).
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (2/ 332).
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 166).
(3)
المرجع السابق، (2/ 166 - 167).
(4)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (2/ 332).
(وفي رواية) لمسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه)(1). وفي لفظ آخر: "ولا تغطوا وجهه؛ فإنه يبعث يلبي"(2).
قال في "شرح المقنع": اختلف عن الإمام أحمد في تغطية الوجه: فعنه: لا يغطى، نقلها عنه إسماعيل بن سعيد، وعنه: لا بأس بتغطية وجهه، نقلها عنه سائر أصحابه.
(1) قلت: فات الشارح رحمه الله التنبيهُ على أمرين: أولهما: أن لفظ مسلم فيه تقديم وتأخير؛ إذ قال فيه: "ولا تخمروا رأسه ولا وجهه". ثانيهما: قال البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 393): وهو -أي: ذكر الوجه- وهمٌ من بعض رواته في الإسناد والمتن جميعًا، والصحيح:"لا تغطوا رأسه" كما أخرجه البخاري، وذكر "الوجه" فيه غريب. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/ 54): وفي كل ذلك نظر، فإن الحديث ظاهره الصحة، ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل، عن منصور وأبي الزبير كلاهما، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر الحديث، قال منصور:"ولا تغطوا وجهه"، وقال أَبو الزبير:"ولا تكشفوا وجهه"، وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ:"ولا تخمروا وجهه ولا رأسه". وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير بلفظ:"ولا يمس طيبًا خارج رأسه". قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك فقال: خارج رأسه ووجهه، انتهى. وهذه الرواية تتعلق بالتطيب، لا بالكشف والتغطية، وشعبة أحفظ من كل من روى هذا الحديث، فلعل بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية. وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحي تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم الذي يموت، عملًا بالظاهر في الموضعين. وقال آخرون: هي واقعة عين لا عموم فيها؛ لأنه علل ذلك بقوله: "لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره، فيكون خاصًا بذلك الرجل، ولو استمر بقاؤه على إحرامه، لأمر بقضاء مناسكه
…
إلى آخر كلام الحافظ رحمه الله.
(2)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1206/ 103).
نعم، لا يغطى وجه المحرم، واللَّه أعلم (1).
قال الحافظ رحمه الله: (الوقص: كسر العنق)، وقد وردت هذه اللفظة بعدة ألفاظ، تقدم منها: فوقصته، وأوقصته، وفي لفظ آخر:"فأقصعته"(2) -بصاد، فعين مهملتين-، وقال:"فأقعصته"(3) -بتقديم العين على الصاد-؛ أي: قتلته سريعًا.
* * *
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (2/ 322).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1207، 1259).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1207، 1751)، وعند مسلم برقم (1206/ 94، 101).