الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أَوْصَاني خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ (1).
* * *
(عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أوصاني) أوصى ووصَّى بمعنى (خليلي) رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الذي تخلَّلَتْ محبتهُ قلبي، فصارت في خلاله؛ أي: باطنه.
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1124)، كتاب: التطوع، باب: صلاة الضحى في الحضر، و (1180)، كتاب: الصوم، باب: صيام أيام البيض، ومسلم (721)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى، وأبو داود (1432)، كتاب: الصلاة، باب: في الوتر قبل النوم، والنسائي (1677 - 1678)، كتاب: قيام الليل، باب: الحث على الوتر قبل النوم، والترمذي (760)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"المفهم" للقرطبي (2/ 359)، و"شرح مسلم" للنووي (5/ 234)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 241)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 899)، و"فتح الباري" لابن حجر (3/ 57، 4/ 227)، و"عمدة القاري" للعيني (7/ 242)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 409)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 73).
ولا يعارض هذا قولَه صلى الله عليه وسلم: "لو كنتُ مُتَّخذًا خليلًا غيرَ رَبِّي، لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ"(1)؛ لأن الممتنعَ أن يتخذ هو غيره تعالى خليلًا، لا أن غيره يتخذُه هو (2)(بثلاث) متعلق بـ "أوصى"، زاد في رواية:"لا أدعُهن"(3) -بضم العين-؛ أي: لا أتركهن حتى أموت (صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر) بجرِّ "صيام" بدلًا من "ثلاث"، ولم يعين الأيام، بل أطلقها (4).
وقد روى النسائي، وصحَّحه ابنُ حبان عن أبي هريرة رضي الله عنهما، قال: جاء أعرابي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال:"ما منعكَ أنْ تأكل؟ "، قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال:"إن كُنْتَ صائمًا، فَصُمِ الغُرَّ"(5)؛ أي: البِيضَ. وفي لفظ عند النسائي: "إن كنْتَ صائمًا، فَصُم البِيضَ: ثلاثَ عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة"(6).
وفي لفظ غيره من حديث جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"صيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ صيامُ الدَّهر، وأيام البيض: ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ"، وإسناده صحيح (7).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (3/ 57).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1124).
(4)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 410).
(5)
رواه النسائي (2421)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام ثلاثة أيام من الشهر، وابن حبان في "صحيحه"(3650).
(6)
رواه النسائي (2427)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام ثلاثة أيام من الشهر.
(7)
رواه النسائي (2420)، كتاب: الصيام، باب: يصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
وفي رواية: "أيام البيض" -بغير واو- (1).
ففي هذا الحديث: استحبابُ صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وفي "مسلم" عن معاذة العدوية: أنها سألت عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أكان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم (2).
قال في "الفروع": يستحب صومُ ثلاثة أيام من كل شهر، وأيامُ البيض أفضلُ؛ وفاقًا للشافعي، نص على ذلك الإمام أحمد؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، وأنه صومُ الدهر، وفي بعضها: كصوم الدهر (3).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره: مراده: أن من فعل هذا، حصل له أجرُ صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة (4)، وهذا أولى مما قدمناه في شرح حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
والأيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.
قال في "الفروع": سميت بذلك؛ لبياض ليلها، وذكر أَبو الحسن التميمي (5):
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(2499)، وفي "المعجم الأوسط"(7550)، وفي "المعجم الصغير"(913).
(2)
رواه مسلم (1160)، كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 79).
(4)
انظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (22/ 303).
(5)
هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد أَبو الحسن التميمي، حدث عن أبي بكر النيسابوري، ونفطويه، والمحاملي، وغيرهم، وصحب أبا القاسم الخرقي، وصنف كتاب: "البيان على من خالف القرآن، وما جاء فيه من صفات الرحمن، =
أن اللَّه تاب على آدم فيها، وبَيَّضَ صحيفتَه (1).
وفي "الفتح": أن اليوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام؛ لأن ليلَها أبيضُ، ونهارها أبيض (2)، تُعُقِّبَ (3): بأن اليوم الكامل في اللغة: من طلوع الشمس إلى غروبها، وفي الشرع: من طلوع الفجر الصادق، وليس للَّيلة دخلٌ في حدِّ النهار (4).
وعن مالك: يكره صومُ أيام البيض، قال: ما كان ببلدنا.
ويروى عنه: أنه كان يصومها، وكتب إلى الرشيد يحضُّه على صومها (5).
والذي في "الفروع": أنه كره صومها (6)، قال ابن رشد من المالكية: وإنما كرهها؛ لسرعة أخذ الناس بمذهبه، فيظن الجاهل وجوبَها، والمشهورُ من مذهبه استحبابُ صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكراهةُ كونها البيضَ؛ لأنه كان يفرُّ من التحديد.
واستحبَّ بعض العلماء صيام أيام السود: الثامن والعشرين، وتالييه.
وخُصت البيضُ والسود بذلك، لـ[ـتـ]ـعميم البيض بالنور، والسود بالظلمة، فناسب صوم الأولى شكرًا، والثانية لطلب كشف الظلمة، ولأن
= وقامت عليه أدلة البرهان"، توفى سنة (379 هـ). انظر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى الفراء (2/ 139).
(1)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 79).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 226).
(3)
المتعقِّب لكلام الحافظ: هو العيني في "عمدة القاري"(11/ 95).
(4)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 409).
(5)
المرجع السابق، (3/ 411).
(6)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 79).
الشهر ضيفٌ قد أشرف على الرحيل، فناسب تزويدُه بذلك، ولأن الأمور بخواتيمها.
والحاصل من ذلك كله أقوال:
أحدها: استحبابُ ثلاثة أيام من الشهر غير معينة.
الثاني: استحباب الثالث عشر وتالييه، وهو مذهب الشافعي؛ كأحمد، وأحد رأيي أبي حنيفة، وأصحابهم، وابن حبيب من المالكية.
الثالث: استحباب ثلاثة أيام من أول الشهر.
الرابع: السبت والأحد والاثنين من أول كل شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من أول الشهر الذي يليه.
الخامس: استحبابها من آخر الشهر.
السادس: صوم يوم من أول كل عشرة.
وثم أقوال أُخر أضربنا عنها (1).
ومعتمد المذهب: استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل كونها الأيام البيض، واللَّه تعالى الموفق.
(وركعتي الضحى) عطفٌ على السابق؛ أي: قال أَبو هريرة رضي الله عنه: وأوصاني خليلي عليه الصلاة والسلام بصلاة ركعتي الضحى.
وفي لفظ: وصلاة الضحى في كل يوم؛ كما زاده الإمام أحمد (2).
والركعتان أقلُّ صلاة الضحى، ويجزئان عن الصدقة التي تُصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي ثلاث مئة وستون مفصلًا كما في حديث
(1) انظر فيما قاله الشارح رحمه الله: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 411).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 311). وعنده: "بركعتي الضحى كل يوم".
مسلم عن أبي ذر، قال فيه:"ويجزىء من ذلك ركعتا الضحى"(1).
(وَأن أوتر)؛ أي: أوصاني بالوتر (قبل أن أنام)، وليست الوصيةُ خاصة بأبي هريرة؛ فقد وردت وصيته صلى الله عليه وسلم بالثلاث أيضًا لأبي ذر؛ كما عند النسائي (2)، ولأبي الدرداء؛ كما عند مسلم (3)، وقد قيل في تخصيص الثلاثة بالثلاثة؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصاهم بما يليق بهم، وهو الصوم والصلاة، وهما من أشرف العبادات البدنية (4).
وفي لفظ: "ونومٍ" أي: أوصاني بنومٍ "على وترٍ"(5)؛ ليتمرَّن على جنس الصلاة في الضحى؛ كالوتر قبل النوم في المواظبة؛ إذ الليلُ وقتُ الغفلةِ والكسل، فتطلبُ النفسُ فيه الراحة.
وقد روي: أن أبا هريرة كان يختار درسَ الحديث بالليل على التهجُّد، فأمره بالضحى بدلًا من قيام الليل، ولهذا أمره صلى الله عليه وسلم ألا ينام إلا على وتر، ولم يأمر ذلك أبا بكر، ولا عمر، ولا غيرهما من الصحابة، سوى من قدمنا ذكرَهما، وتقدم الكلام على الوتر.
تنبيه:
صلاة الضحى سنة، وأقلها ركعتان؛ اتفاقًا.
ووقتُها من خروج وقت النهي إلى الزوال، والمراد: قبيل الزوال؛
(1) رواه مسلم (720)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى.
(2)
رواه النسائي (2404)، كتاب: الصيام، باب: صيام ثلاثة أيام من الشهر.
(3)
رواه مسلم (722)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة الضحى.
(4)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 411).
(5)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1124).
للنهي، والأفضلُ: إذا اشتد الحر، وأكثرُها ثمان؛ لأن أم هانىء روت: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات يومَ الفتح ضُحًى (1).
واختار الإمام ابنُ القيم: أن الصلاة التي روتها أم هانىء صلاةٌ بسبب الفتح؛ شكرًا للَّه، وأن الأمراء كانوا يصلونها إذا فتح اللَّه عليهم (2).
وقيل: أكثر صلاة الضحى اثنتا عشرة ركعة، جزم به سيدنا الشيخُ عبدُ القادر في "الغنية"، وقال: له فعلُها بعد الزوال، وقال: وإن أخرها حتى صلى الظهر، قضاها ندبًا.
ونص الإمام أحمد: تُفعل غِبًّا.
واستحبَّ الآجريُّ، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وصاحب "المحرر"، وغيرُهم المداومةَ، ونقله موسى بن هارون؛ وفاقًا للشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية لمن لم يقم في ليله (3)، وهو ظاهر حديث أبي هريرة.
وفي الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أوصاني خليلي بثلاثٍ لَسْتُ بتاركِهِنَّ: أَلَّا أنام إلا على وتر، وأَلَّا أدع ركعتي الضحى؛ فإنها صلاة الأوابين، وصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر (4).
(1) رواه البخاري (1052)، كتاب: تقصير الصلاة، باب: من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها، ومسلم (336)، كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب ونحوه.
(2)
انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (1/ 354).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 506).
(4)
رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(1223)، واللفظ له، وتقدم تخريجه عند النسائي والترمذي.
وفي ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من حافظَ على شُفْعَةِ الضُّحى، غُفِرَتْ ذنوبُهُ وإنْ كانَتْ مثلَ زَبَدِ البحرِ"، ورواه الترمذي (1).
وفي ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب، عن أنس مرفوعًا:"مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَة ركعة، بَنَى اللَّه له قَصْرًا في الجنةِ من ذَهَبٍ"(2).
وعن عُقبةَ بن عامرٍ الجهنيِّ رضي الله عنه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللَّه عز وجل يقول: يا بنَ آدم! اكْفني أولَ النَّهارِ بأربعِ رَكَعاتٍ، أَكْفِكَ بِهِنَّ آخِرَ يَوْمِكَ" رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى (3)، ورجال أحدهما رجال الصحيح (4).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من خرجَ من بيته مُتَطَهِّرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ، فأَجْرُهُ كأَجْرِ الحاجِّ المُحْرِمِ، ومن خرجَ إلى تسبيحِ الضُّحى، لا ينصبُهُ إلا إياه، فأجرُهُ كأجرِ المعتمِرِ، وصلاةٌ على إثرِ صلاةٍ لا لغوَ بينهما كتابٌ في عِلِّيين" رواه أَبو داود (5).
وعن أبي الدرادء رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من صَلَّى الضُّحى ركعتين، لم يُكْتب من الغافلين، ومن صلَّى أربعًا، كُتِبَ من العابدين، ومن صَلَّى سِتًا، كُفِيَ ذلكَ اليومَ، ومَنْ صَلَّى ثمانيًا، كتبه اللَّهُ من
(1) رواه الترمذي (476)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وابن ماجة (1382)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى.
(2)
رواه الترمذي (473)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، وابن ماجه (1380)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى.
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 153)، وأبو يعلى في "مسنده"(1757).
(4)
انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (1/ 265).
(5)
رواه أَبو داود (558)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة.
القانتين، ومن صلى ثِنْتَيْ عَشْرَة ركعةً، بنى اللَّهُ له بيتًا في الجنة" الحديث رواه الطبراني في "الكبير"، ورواتُه ثِقات، إلا أن من رواته موسى بن يعقوب الزمعي، فيه خلاف (1)، واللَّه الموفق.
* * *
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" كما نسبه المنذري في "الترغيب والترهيب"(1/ 266)، وعنه نقل الشارح رحمه الله، والهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 237).