الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَخَطَبَهُمْ، ثُمَّ قَالَ:"يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُم: جِئْتَنَا كَذَا وكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بالنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ" (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (4075)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، واللفظ له، ومسلم (1061)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة فلوبهم على الإسلام، وتصبُّر من قوي إيمانه.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (3/ 600)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 106)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 157)، و"شرح =
(عن) أبي محمدٍ (عبدِ اللَّه بنِ زيدِ بن عاصمٍ) المازنيِّ رضي الله عنه تقدّمت ترجمته في الوضوء.
(قال: لمّا أفاء اللَّه) سبحانه وتعالى (على رسوله) محمد (صلى الله عليه وسلم).
قد تكرر ذكرُ الفيء في الأحاديث على اختلاف تصرفه، وهو مما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد.
وأصل الفيء: الرجوعُ، يقال: فاء يَفيء فَيْئَةً وفَيْئًا، كأنّه كان في الأصل لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق (1).
(يوم)؛ أي: زمن غزوة (حنين)، وذلك عام ثمان في شوال بعد فتح مكة المشرفة.
وحنين: اسم موضع بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى أيضًا: غزوةَ هَوازِن؛ لأنّهم الذين أتوا لقتال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (2).
قال في "الهدي": وتسمى أيضًا: غزوة أوطاس (3)، وأوطاسُ: اسم موضع بين مكة والطائف أيضًا، فسميت الغزوة باسم مكانها تارة، وباسم المقاتلين للمسلمين تارة.
وانتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة بعد قُفوله من غزوة الطائف ليلة
= عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 195)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 823)، و"فتح الباري" لابن حجر (8/ 47)، و"عمدة القاري" للعيني (17/ 307)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (6/ 411).
(1)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 482).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (8/ 27).
(3)
انظر: "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم (3/ 465).
الخميس لخمس ليال خَلَوْنَ من ذي العقدة، فأقام بها ثلاثةَ عشرَ يومًا لقسمِ ما قسم، والجعرانة: ما بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، واعتمر في ذي العقدة من الجعرانة، فدخل مكة، فطاف وسعى ماشيًا، وحلق، ورجع إلى الجعرانة من ليلته، كأنّه كان بائتًا بها صلى الله عليه وسلم (1)، ولمّا انصرف من الطائف إلى الجعرانة (قسم) صلى الله عليه وسلم (في النّاس) من الأعراب، و (في المؤلَّفة قلوبهم) من أهل مكة من صناديد قريش، فأوّلُ مَنْ أَعطى صلى الله عليه وسلم من المؤلَّفة [أَبو](2) سفيان بن حرب، أعطاه أربعين أوقية، ومئة من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ ويقال له: يزيد الخير، فأعطاه كذلك، فقال: ابني معاوية؟ فأعطاه كذلك، فأخذ أَبو سفيان وابناه ثلاث مئة من الإبل، ومئة وعشرين أوقية من الفضة، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! لأنتَ كريمٌ في الحرب وفي السلم، لقد حاربتُك فَنِعْمَ المحاربُ كنتَ، ثم سالمتُك فنعمَ المسالم أنت، هذا غايةُ الكرم، جزاك اللَّه خيرًا (3).
وأعطى حكيم بن حزام مئة من الإبل، ثمَّ سأله مئة أخرى، فأعطاه إياها، ثمَّ سأله مئة أخرى، فأعطاه، وقال له:"يا حَكيمُ! هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوة، مَنْ أخذَهُ بسخاوة نفس، بوركَ له فيه، ومن أخذَهُ بإشرافِ نفسٍ، لم يُبارَكْ له فيه، وكانَ كالذي يأكلُ ولا يشبعُ، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى"، فأخذ حكيم المئة الأولى، وترك ما عداها، وقال: يا رسول اللَّه! والذي بعثك بالحق! لا أَرْزَأُ -أي: أنقصُ- أحدًا بعدك شيئًا -أي: من ماله- حتّى أفارق الدنيا، فكان أَبو بكر يدعو حكيمًا ليعطيه العطايا، فيأبى أن
(1) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (2/ 154).
(2)
في الأصل المخطوط: "أبا" والصواب ما أثبت.
(3)
انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 714)، و"تاريخ دمشق"(23/ 462).
يقبل منه شيئًا، وكذلك عمر، فأبى أن يقبل، فقال عمر: يا معشر المسلمين! إني أعرض عليه حقّه الذي قسم اللَّه له من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه (1).
وأعطى صلى الله عليه وسلم جُبير بنَ مطعم، والأخنس بن شريق، والحارثَ بنَ هشامِ بنِ المغيرة المخزوميَّ، وهو أخو أَبو جهل، وأعطى حاطبَ بنَ عبد العزى القرشيَّ العامريَّ، وسهيلَ بن عمرو بن عبد شمس العامريَّ، وأعطى الأقرعَ بنَ حابس التميميَّ، وعُيَيْنَةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ، والعبّاسَ بنَ مِرْداسٍ (2).
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، والبيهقي، عن رافع بن خديج رضي الله عنه: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مئة من الإبل، فذكر الحديث، وفيه: وأعطى العبّاسَ بنَ مرداس دون المئة (3).
وفي "الهدي": أنّها خمسون (4)، فأنشأ العبّاسُ بنُ مرداس يقول:[من المتقارب]
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ
…
ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ
…
يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في المَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِىءٍ مِنْهُمَا
…
وَمَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ
(1) رواه البخاري (1403)، كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة، ومسلم (1035)، كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (8/ 48).
(3)
رواه مسلم (1060)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبُّر من قوي إيمانه، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 17). ولم أقف عليه في "مسند الإمام أحمد"، واللَّه أعلم.
(4)
انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (3/ 473).
فبلغ ذلك رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فدعاه، وقال:"أنتَ القائلُ: أصبحَ نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ "، فقال أَبو بكر الصديق رضي الله عنه: بأبي أنتَ وأمي! واللَّهِ ما كنتَ شاعرًا، ولا ينبغي لك، وما أنت براوية، قال:"فكيف؟ "، فأنشده أَبو بكر، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:"اقْطَعُوا عَنِّي لسانَهُ"، ففزع منها عبّاس، وقالوا: أمر بالعباس بن مرداس أن يمثل به، وإنّما أراد صلى الله عليه وسلم أن يقطعوه بالعطية (1).
قال في "الهدي": فأكملوا له المئة (2).
وأعطى صلى الله عليه وسلم عِكْرِمَةَ بنَ أبي جهلٍ، وصَفْوانَ بنَ أُميةَ، والنُّضَيْرَ -بالضّاد المعجمة والتصغير- بنَ الحارث مئة مئة.
وفي "الصّحيح" عن صفوان رضي الله عنه، قال: ما زال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغضُ الخلق إليَّ حتى ما خلقَ اللَّه تعالى شيئًا أحبَّ إليَّ منه (3).
وفي "صحيح مسلم": أنّه أعطاه مئة من النعم، ثمَّ مئة، ثمَّ مئة (4).
وأعطى صلى الله عليه وسلم جماعةً غيرَ مَنْ ذكرنا، وتركَ خيار النّاس من المسلمين، لم يعطهم صلى الله عليه وسلم، وَكَلَهم إلى حُسْن إسلامهم، (ولم يعط الأنصار) أوسيَّهم وخزرجيَّهم يومئذ من ذلك النفل (شيئًا)، لا كثيرًا، ولا قليلًا، (فكأنّهم)؛
(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(4/ 273)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(26/ 414).
(2)
انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (3/ 473).
(3)
رواه مسلم (2313)، كتاب: الفضائل، باب: ما سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال لا، وكثرة عطائه.
(4)
انظر: تخريج الحديث المتقدم.
أي: الأنصار (وَجَدوا) في أنفسهم، أي: غضبوا.
وفي حديث: "إنّي أسألك فلا تجد عليَّ"(1)، أي: لا تغضب.
يقال: وَجَدَ عليه يَجِدُ وَجْدًا ومَوْجَدَةً (2).
(إذ) تعليلية؛ أي: لأنّه (لم يصبهم) من قسم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (ما أصاب النّاس) من العطاء.
وفي رواية في "المسند"، و"الصّحيحين" من حديث أنس، وعبد اللَّه بن زيد رضي الله عنهما: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لمّا أصاب غنائمَ حنين، وقسم للمؤلَّفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتّى كثرت فيهم القالَةُ، حتّى قال قائلهم: يغفرُ اللَّه لرسوله صلى الله عليه وسلم، إنّ هذا لهو العجب، يعطي قريشًا -وفي لفظ: الطلقاء والمهاجرين-، وتركنا وسيوفُنا تقطر من دمائهم! إذا كانت شديدة، فنحن ندعى، ويعطي الغنيمة غيرنا، ووددنا أنا نعلم ممن كان هذا، فإن كان من أمر اللَّه، صبرنا، وإن كان من رأي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، استعتبناه (3).
وفي حديث أبي سعيد عند الإمام أحمد، وابن إسحاق: فقال رجل من
(1) رواه البخاري (63)، كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 154).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 165)، والبخاري (2978)، كتاب: أبواب الخمس، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ومسلم (1059)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ نحوه.
الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامتِ الأمور، لقد آثرَ عليكم غيرَكم، فردُّوا عليه ردًا عنيفًا (1).
قال أنس كما في "المسند"، و"الصّحيحين" وغيرها: فحُدِّثَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بمقالتهم.
وقال أَبو سعيد: فمشى سعدُ بنُ عبادة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه! إنّ هذا الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، قال:"فيم؟ "، قال: فيما كان من قَسْمك هذه الغنائم، قال:"فأينَ أنتَ من ذلكَ يا سعدُ؟ "، قال: ما أنا إلا امرؤٌ من قومي، قال:"فاجْمَعْ لي قومَكَ في هذه القضية، فإذا اجتمعوا، فأَعْلِمْني"، فخرج سعدٌ يصرخُ فيهم حتّى جمعهم.
وقال أنس: فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أَدَم وهي -بفتح الهمزة المقصورة والدال المهملة فميم-: جلدٌ بلا دبغ، ولم يدع غيرهم، فجاء رجل من المهاجرين، فأذن له فيهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، حتّى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له، أتاه، فقال: يا رسول اللَّه! قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار حيثُ أمرتني بأن أجمعهم، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال:"هل فيكم أحدٌ من غيركم؟ "، قالوا: لا يا رسول اللَّه، إلا ابن أختنا، قال:"ابنُ أخْتِ القومِ مِنْهم"(2)، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (فخطبَهُمْ)، فحمد اللَّه وأثني عليه. بما هو أهله، (ثمَّ قال: يا معشرَ الأنصار!).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 89).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 76)، وتقدم تخريجه عند البخاري ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
قال في "القاموس": المعشر؛ [كمسكن](1): الجماعةُ، وأهلُ الرّجل (2).
والأنصارُ جمعُ ناصر؛ كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير؛ كأشراف وشريف، واللام للعهد، وهم الأوس والخزرج، صار ذلك عليهم عَلَمًا، وقد سماهم اللَّه ورسوله بذلك، وكانوا قبلَ ذلك يعرفون [ببني] (3) قَيْلَة: اسم امرأة -بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة-، وهي الأم التي تجمع القبيلتين -رضوان اللَّه عليهم- (4).
(ألم أجدْكم ضُلَّالًا) المراد به هنا: ضلالُ الشرك والكفر.
وفي الحديث: دليل على إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم (5).
(فهداكم اللَّه بي) هداية تامة موصلَة إلى سعادَتَي المعاش والمعاد، وهي هداية الإيمان، ولا شك أنّ نعمة الإيمان أعظمُ النعم، فلا يوازيها شيء من أمر الدنيا، فلهذا قدَّمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على غيرها، ثمَّ أتبع ذلك بذكر نعمة الألفة، فقال:(وكنتم) يا معشرَ الأنصار (متفرقين) على غاية من التباعُد والتقاطُع والتنافُر حتّى جرت بينهم حروبٌ قبل البعثة، وبعدَها قبل إسلامهم، منها يومُ بعاث الذي قُتل فيه مالكٌ والد أنسِ بنِ مالك (6)،
(1) في الأصل: "كمشكر"، والتصويب من "القاموس".
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 566)، (مادة: عشر).
(3)
في الأصل: "با بني".
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 63).
(5)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 195).
(6)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(فألفكم اللَّه بي) بعدَ تلك المقاطعة والفرقة، فصرتم تتعاطفون وتتواصلون، يعطف بعضكم على بعض، ويرحم بعضُكم بعضًا، ويصل بعضكم بعضًا، (و) كنتم يا معشر الأنصار (عالَةً) جمعُ عائل، وهو الفقير؛ أي: كنتم فقراء، (فأغناكم اللَّه بي)، أتبع صلى الله عليه وسلم تعداد نعمة الألفة بتعداد نعمة المال؛ لأنّ نعمة الألفة أعظمُ؛ إذ تُبذل الأموالُ في تحصيل الألفة واتحاد الكلمة، فختم صلى الله عليه وسلم بتعداد نعمة الغنى والمال، وكان صلى الله عليه وسلم (كلما قال) لهم (شيئًا) مما عدَّده عليهم من النعم، (قالوا) مجيبين بالاعتراف:(اللَّه ورسوله أَمَنُّ)؛ أي: أكثر مَنًّا وأعظمُ إحسانًا، وفي أسمائه تعالى المنَّانُ، وهو المنعِمُ المعطي؛ من المن، وهو العطاء، لا من المِنَّة، وكثيرًا ما يرد المنُّ في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه، والمنَّانُ من أبنية المبالغة، كالسَّفّاك والوهَّاب.
وفي الحديث: أنّه صلى الله عليه وسلم قال: "ما أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَينا من ابنِ أَبِي قُحافَة"(1)؛ أي: ما أحدٌ أجودَ بماله وذاتِ يده من الصدِّيقِ الأعظمِ أبي بكر -رضوان اللَّه عليه- (2).
وفي جوابهم -رضوان اللَّه عليهم- بما أجابوا استعمالُ الأدب، والاعترافُ بالحق (3).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 478)، بهذا اللفظ، من حديث أبي المعلى رضي الله عنه. ورواه البخاري (455)، كتاب: أبواب المساجد، باب: الخوخة والممر في المسجد، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ورواه مسلم (2382)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ نحوه.
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 365).
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 195).
ثمَّ إنّه صلى الله عليه وسلم (قال) لهم: (ما يمنعُكم أن تُجيبوا رسولَ اللَّه؟) أيُّ شيء يمنعكم من إجابته صلى الله عليه وسلم؟ (قالوا) -رضوان اللَّه عليهم-: (اللَّه ورسوله أَمَنُّ).
وفي رواية: قالوا: وما نقول يا رسول اللَّه؟ وبماذا نجيبك؟ المنُّ للَّه تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم (1).
(قال) صلى الله عليه وسلم لهم: (لو شئتُم لقلتُم: جئْتَنا كذا وكذا)، وفي لفظ: أنه قال: "واللَّهِ! لو شئتمُ لقلتُمْ فصدقْتُمْ وصُدِّقتُمْ، جئتَنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناكَ، وخائفًا فآمناكَ، ومخذولًا فنصرناك، ومكذَّبًا فصدَّقْناك"(2)، وهو الذي كنى عنه الراوي بكذا وكذا؛ تأدبًا، وفي ذلك جبرٌ للأنصار، وتواضعٌ وحسنُ مخاطبة ومعاشرة منه صلى الله عليه وسلم (3)، فقولهم: المنُّ للَّه ورسوله تمامُ الأدب -رضوان اللَّه عليهم-.
ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: "ما حديثٌ بَلَغَني عنكم؟ "، فقال فقهاءُ الأنصار: أمّا رؤساؤنا، فلم يقولوا شيئًا، وأمّا أناسٌ مِنَّا حَديثةٌ أسنانُهم، قالوا: يغفرُ اللَّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشًا ويتركُنا وسيوفُنا تقطُرُ من دمائهم، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إنّي لأُعطي رجالًا حَديثي عهدٍ بكفرٍ فأُؤَلفهم"(4).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 76)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
تقدم بعضه في الحديث السابق، من رواية أبي سعيد رضي الله عنه، ورواه أيضًا: الإمام أحمد في "المسند"(3/ 104، 253)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 196).
(4)
رواه البخاري (4076)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، ومسلم (1059/ 132) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وفي رواية: "إنَّ قريشًا حديثو عهدٍ بجاهليةٍ ومُصيبةٍ، وإنّي أردتُ أن أجبرَهُم وأتَأَلَّفَهُمْ"(1)، "أَوَجَدْتُم يا معشرَ الأنصار في نفوسِكم في لُعَاعة"، وهي -بضم اللام وبعينين مهملتين-: بقْلةٌ خضراء ناعمة شُبهت بها زهرةُ الدنيا ونعيمُها؛ في قلة بقائِها من الدنيا (2)"تألَّفْتُ بها قومًا ليسلموا، ووَكَلْتُكُم إلى ما قَسَمَ اللَّه لكم من الإسلام؟! "(3)، (ألا) وفي لفظ:"أفلا"(4) -بزيادة الفاء- (ترضون) يا معشرَ الأنصار (أن يذهبَ النّاسُ بالشاةِ والبعيرِ، وتذهبون بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟).
وفي رواية: "يذهب النّاس بالشاة والبعير إلى رحالهم"(5).
وفي لفظ: "بالدنيا، وتذهبون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (إلى رحالكم) تحوزونه إلى بيوتكم؟ فواللَّهِ! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به"(6)، (لولا الهجرة) وفضيلتُها، (لكنت امرأً من الأنصار)؛ أي: في الأحكام والأعداد، ولا يجوز أن يكون المراد النسب قطعًا (7)، (ولو سلكَ النّاسُ) غيرُ الأنصار
(1) رواه البخاري (4079)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، ومسلم (1059/ 133)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2)
انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (1/ 306).
(3)
تقدم تخريجه عند الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1059/ 132).
(5)
لم أقف على هذه الرواية.
(6)
رواه البخاري (2978)، كتاب: الخمس، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، وتقدم تخريجه عند مسلم برقم (1059/ 132)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(7)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 196).
(واديًا)، وهو مفرجٌ بين جبال أو تلال أوآكام، والجمع أَوداءٌ وأودية (1)، (وشِعْبًا) -بكسر الشين المعجمة-: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين (2)، ومن ثم في بعض الروايات في "الصحيحين" الاقتصار على ذكر الشِّعب، وفي بعضها الاقتصارُ على ذكر الوادي، وفي بعضها الجمعُ بينهما، والعطف بأو، وفي بعضها العطف بالواو كما ذكر المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، (لسلكتُ واديَ الأنصار وشِعْبَها) الذي سلكَتْه دون وادي غيرها وشعبها، (الأنصارُ)، وفي رواية:"أنتم"(3)(شعار)، وهو -بكسر الشين المعجمة-: الثوب الذي يلي الجسد (4)، (والناسُ) غيرُكم (دِثار) -بكسر الدال المهملة والثاء المثلثة المفتوحة-، وهو الثوب الذي فوق الشعار (5)، واستعمال اللفظتين مجاز عن قربهم منه صلى الله عليه وسلم، واختصاصهم به، وتمييزهم عن غيرهم في ذلك (6)، يعني: أنَّ الأنصار بطانته صلى الله عليه وسلم وخاصَّتُه، وأنّهم أحقُّ به وأقربُ إليه من غيرهم، وهو تشبيه بليغ (7).
ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: "الأنصارُ كرشي وعيبتي"(8)، قال في "النهاية": أراد أنّهم
(1) انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1729)، (ما دة: ودي).
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 130)، (مادة: شعب).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(32352)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(1720)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 255).
(5)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 480).
(6)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 196).
(7)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (6/ 412).
(8)
رواه البخاري (3588)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم"، ومسلم (2510)، كتاب: فضائل =
بطانتُه وموضعُ سره وأمانته، والذين يعقد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعَيْبَة: لذلك؛ لأنَّ المجترَّ يجمع علفَه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عَيْبته.
وقيل: أراد بالكرش: الجماعة؛ أي: جماعتي وصحابتي، يقال: عليه كرش من النّاس؛ أي: جماعة (1)، قال: والعربُ تكني عن القلوب والصدور بالعِياب؛ لأنّها مستودَعُ السرائر؛ كما أنّ العِيابَ مستودعُ الثياب (2)، والعَيْبَة: -بفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة فهاء تأنيث-.
ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ ارْحَمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ، وأبناءَ أبناءِ الأنصار"، فبكى القوم حتّى أَخْضلوا لِحاهُم؛ أي: بَلُّوها، وقالوا: رضينا باللَّه ورسوله حَظًّا وقسمًا (3).
وذكر محمد بن عمر الواقديُّ: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أراد حينئذْ دعاهم أن يكتب بالبحرين لهم خاصة بعدَه دون النّاس، وهي يومئذ أفضلُ ما فُتح عليه من الأرض، فأبوا، وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا بعدَك (4).
قلت: وهو عند البخاري من حديث أنس بغير تقييده بيومئذ، ففي "صحيح البخاري" عن أنس رضي الله عنه، قال: دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الأنصار ليكتبَ لهم بالبحرين، فقالوا: لا واللَّهِ حتّى تكتبَ لإخواننا من
= الصحابة، باب: من فضائل الأنصار رضي الله عنهم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(1)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 163 - 164).
(2)
المرجع السابق، (3/ 327).
(3)
تقدم تخريجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند الإمام أحمد.
(4)
وانظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (6/ 413).
قريش بمثلِها، فقال:"ذلك لهم ما شاء اللَّه"، كل ذلك يقولون له (1)، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:(إنكم ستلقَوْنَ بعدي أَثَرَةً).
وفي رواية: "سَتَجدونَ بعدي أثرةً شديدةً"(2)، وهي -بفتح الهمزة والثاء المثلثة وبضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسرُ أوّله مع إسكان ثانيه-؛ أي: يُستأثر عليكم بما لَكُم فيه اشتراكٌ في الاستحقاق (3).
(فاصبروا) على ذلك، ولا تجزعُنَّ، ولا تَنازعوا (حتّى تلقوني) يوم الحشر والنشور في الموقف بين يدي اللَّه عز وجل (على الحوض) المورود؛ يعني: الكوثر الذي وعده اللَّه به، فتشربون منه والنّاسُ عطاشٌ.
وفي إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك عَلَم من أعلام النبوة، ودلائل رسالته؛ إذ هو خبر عن مستقبل وقع على وَفْق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم (4).
وفي الحديث دلالة على فضائل الأنصار، ومزاياهم على غيرهم، وهم جديرون بكل فضيلة، وحَرِيُّون بكل مَنْقَبة.
وفي "البخاري": أنّ غيلانَ بنَ جرير قال: قلتُ لأنس بن مالك رضي الله عنه: أرأيتم اسمَ الأنصار أكنتم تُسمون به، أم سماكم اللَّه -تعالى وتبارك- به؟ قال: بل سمانا اللَّه عز وجل (5).
(1) رواه البخاري (2992)، كتاب: الجزية والموادعة، باب: ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين، وما وعد من مال البحرين والجزية، ولمن يقسم الفيء والجزية.
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 165)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 18).
(4)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 196).
(5)
رواه البخاري (3565)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الأنصار.
وفي "البخاري" أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال أَبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "لو أَنَّ الأنصارَ سلكوا واديًا أو شِعْبًا، لَسلكْتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ، لكنتُ امرأً منَ الأنصارِ"، فقال أَبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آووه ونصروه، وكلمة أخرى (1).
وأخرج البخاري، ومسلم، والتّرمذي، وغيرهم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول في الأنصار: "لا يُحِبُّهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافقٌ، فمَنْ أحبَّهم، أَحَبَّه اللَّه، ومن أبغضهم، أبغضه اللَّه"(2).
وروى البخاري، ومسلم، والنّسائيّ، وغيرهم من حديث أنس رضي الله عنه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار، وآيةُ النفاقِ بغضُ الأنصار"(3).
وفي رواية: "آيةُ المنافقِ بغضُ الأنصار، وآيةُ المؤمن حُبُّ الأنصار"(4).
(1) رواه البخاري (3568)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبى صلى الله عليه وسلم: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار".
(2)
رواه البخاري (3572)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: حب الأنصار من الإيمان، ومسلم (75)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان، والترمذي (3900)، كتاب: المناقب، باب: في فضل الأنصار وقريش.
(3)
رواه البخاري (17)، كتاب: الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار، ومسلم (74)، (1/ 85)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان، والنسائي (5019)، كتاب: الإيمان، باب: علامة الإيمان.
(4)
رواه مسلم (74)، (1/ 85)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب =
وأخرج التّرمذي من حديث ابن عبّاس: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُبغضُ الأنصارَ أحدٌ يؤمن باللَّه واليومِ الآخر"، وقال: حديث حسن صحيح (1).
ورواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما (2).
وفي "الصحيحين" وغيرِهما من حديث أنس، واللفظ للبخاري: مرّ أَبو بكر الصديقُ، والعبّاسُ رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقالوا: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النّبيّ صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبره، قال: فخرج النّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقد عصبَ على رأسه حاشيةَ بُرْد، قال: فصعِد صلى الله عليه وسلم المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمِدَ اللَّه وأثنى عليه، ثمَّ قال:"أُوصيكُم بالأنصار؛ فإنّهم كرشي وعَيْبَتي، وقد قَضَوُا الذي عليهم، وبقيَ الذي لهم، فاقبلوا من محسنِهم، وتجاوزوا عن مُسيئِهم"(3).
ومناقبهم -رضي اللَّه تعالى عنهم- كثيرة، ومآثرهم غزيرة، كيف لا وهم كتيبةُ الإسلام، وأنصار النّبيّ صلى الله عليه وسلم؟!
تنبيهات:
* الأوّل: ليس في هذا الحديث تعلُّق بكتاب الزكاة، وغايةُ ما فيه
= الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان.
(1)
رواه الترمذي (3906)، كتاب: المناقب، باب: في فضل الأنصار وقريش.
(2)
رواه مسلم (76 - 77)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان.
(3)
تقدم تخريجه.
أنّه صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلَّفة قلوبُهم من الغنائم، فلا مدخلَ لذلك في الزكاة، إلا أن يُقاس إعطاؤهم من الزكاة على إعطائهم من الفيء والخُمس (1).
* الثّاني: المؤلَّفة قلوبُهم: هم رؤساء قومهم ممن يُرجى إسلامه، أو كَفُّ شَرِّه، ومسلمٌ يرجى بعطيته قوةُ إيمانه، أو إسلامُ نظيره، أو نصحُه في الجهاد، أو ذَبُّه عن الدين، أو قوة أخذ الزكاة من مانعها، أو كَفُّ شره، ويقبل قوله في ضعف إسلامه، لا أنه مطاع، إلا ببينة، ويعطى الغنيُّ منهم والفقير ما يرى الإمام، والأصح: ما يحصل به التأليف؛ لأنّه المقصود، ولا يزاد على ذلك لعدم الحاجة.
ومعتمد المذهب: بقاءُ حكم المؤلَّفة قلوبهم إلى الآن.
وعنه: أنّ حكمهم قد نُسخ، وهو مذهب أبي حنيفة (2).
وقال الشّافعيّ: هم ضربان: كفار، ومسلمون، فمؤلَّف الكفار ضربان: ضربٌ يرجى خيره، وضرب يكف شره (3).
وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعطيهم، فهل يعطون بعده؟ على قولين:
أحدهما: يعطون، ولكن من غير الزكاة.
والآخر: لا يعطون من الزكاة، ولا من غيرها.
فعلى القول الذي يعطون، من أين يعطون؟
إنّما يعطون من سهم المصالح، لا من الزكاة.
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 195).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 462 - 463)، و"الإقناع" للحجاوي (1/ 471).
(3)
انظر: "المهذب" للشيرازي (1/ 172).
ومؤلفة الإسلام على أربعة أضرب:
قوم مسلمون شرفاء يُعطون ليرغب نظراؤهم في الإسلام.
وآخرون نيتهم ضعيفة في الإسلام يُعطون لتقوى نياتهم في الإسلام.
وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعطيهم، وهل يعطون بعده؟
فيه قولان:
أحدهما: يعطون من الزكاة.
والثّاني: من خمس الخمس.
والثالث: قوم مسلمون بينهم قوم من الكفار إن أُعطوا، قاتلوهم.
والرابع: قوم مسلمون بينهم قوم من أهل الصدقات، فإن أُعطوا، جَبَوا الصدقاتِ منهم، ففي هؤلاء أربعة أقوال:
أحدها: يعطون من سهم المصالح.
الثّاني: من الزكاة.
الثالث: من سهم الغزاة من الزكاة.
الرابع: وهو الذي عليه أصحابهُ: أنّهم يُعطون من سهم الغزاة، وسهم المؤلفة قلوبهم.
وقال الإمام مالك: ليس للمؤلفة سهمٌ؛ لغناء المسلمين عنهم، وهذا المشهور عنه.
وعنه رواية أخرى: أنّهم إن احتاج إليهم بلد من البلدان، أو ثغر من الثغور، يتألفهم الإمام لوجود القلة، قال ذلك أَبو المظفر صدرُ الوزراء ابنُ هبيرة في "اختلاف الأئمة"(1).
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (1/ 225).
وفي "الفروع": عدُّ المؤلفةِ من أصناف أهل الزكاة هو الأصحُّ للمالكية؛ يعني: كمذهبنا (1).
قال في "الفروع": وهل يحلُّ للمؤلَّف ما يأخذه؟ يتوجه: إن أعطى المسلم ليكفَّ ظلمه، لم يحل؛ كقولنا في الهدية للعامل ليكف ظلمه، وإلا حل، انتهى (2).
* الثالث: قال الحافظ ابنُ سيد النّاس في "عيون الأثر": ما أعطاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للمؤلفين من الخمس، فهو أثبت الأقاويل عندنا، انتهى (3).
وفي "سيرة الحلبي": أنّه من خُمس الخُمس الذي هو سهمُه، لا من أربعة أخماس الغنيمة، وإلا، لاستأذن الغانمين في ذلك؛ لأنّهم ملكوها بحوزهم لها، انتهى (4).
ولا يخفى أن خُمس الخُمس دونَ ما أعطاه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بكثير، كيف وقد قالوا: إنَّ الإبل أربعة وعشرون ألفًا، فخمسُها أربعة آلاف وثمان مئة، وخمسُ خمِسها تسع مئة وستون، والواقع أن الذي أعطاه أضعاف ذلك.
وظاهر كلام الشّمس الشامي: أن إعطاءه صلى الله عليه وسلم من نفس الغنيمة، لا من الخمس؛ فإنّه قال: اقتضت حكمة اللَّه تعالى أنّ غنائم الكفار لما حصلت، قُسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه؛ لما بقي من الطبع البشري من محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئنَّ قلوبهم، وتجتمع على محبّته؛ لأنّها جُبلت على حُبِّ مَنْ أحسنَ إليها، ومنعَ أهلَ الجهاد من أكابر المهاجرين
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 462).
(2)
المرجع السابق، (2/ 463).
(3)
انظر: "عيون الأثر" لابن سيد الناس (2/ 260).
(4)
انظر: "السيرة الحلبية" للحلبي (3/ 94).
ورؤساء الأنضار مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنّه لو قسم ذلك فيهم، لكان مقصورًا عليهم، بخلاف قسمه على المؤلفة؛ لأنّ فيه استجلابَ قلوبِ أتباعهم الذين كانوا يرضَوْن إذا رضي رئيسُهم، ويغضبون إذا غضب، فلما كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام، ولتقوية قلب مَنْ دخل إليه قبل، تبعهم من دونهم في الدخول، فكان ذلك مصلحة عظيمة، انتهى. وهو مأخوذ من كلام صاحب "الهدي"(1).
قلت: وهذا يؤيد ما ذهب إليه مالك من أنّ خمس الركاز والغنائم والجزية، وما أُخذ من تجار أهل الذمة، وما صولح عليه الكفار، ووظائف الأرضين، كل ذلك يجتهد الإمام في مصارفه على قدر ما يراه من المصلحة (2).
* * *
(1) انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (3/ 484).
(2)
انظر: "المدونة الكبرى" لابن القاسم (2/ 300).