الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(328)
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا
…
عزيز وجار الأكثرين ذليل
ولا عيب فينا غير أنّ سيوفنا
…
بها من قراع الدّارعين فلول
وهذا البيت بعينه في شعر الأعشى أيضا ولا مغيّر فيه غير القافية، وهو:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
…
بهنّ فلول من قراع الكتائب
قلت: ومن نقد البيتين وجد بيت السّموأل أتمّ، لقوله: من قراع الدّارعين؛ فإنّ الفلول لا تكن في السيوف إلاّ من مقارعة كلّ ذي درع، الكتائب: تجمع الدارعين وغيرهم. ولعلّ هذا كما وقع في نفسي، والله أعلم.
ذكر عبيد بن الأبرص، جاهليّ
هو عبيد بن الأبرص، من بني أسد بن خزيمة، وهو الذي ساقته رجلاه إلى حتفه. قتله النّعمان بن المنذر في يوم بؤسه. . . ذلك أنّ النّعمان بن المنذر كان له في كلّ سنة يومان، سمّى أحدهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس، فأوّل من يطلع عليه يوم نعيمه يمنيه ما يحبّ فيعطيه أمنيته. وقيل: بل ينعم عليه بمائة من الإبل موقورة من كلّ خير. وأوّل من يطلع عليه يوم بؤسه يأمر به فيذبح لوقته، ولو كان ولده. فاتّفق لحين عبيد ابن الأبرص أنّه أشرف عليه يوم بؤسه، فقال: هلاّ كان الذّبح لغيرك يا عبيد؟ فقال: أرسل حائر رجلاه. فأرسلها مثلا.
ثمّ قال له النّعمان: أنشدني قبل مفارقة الدّنيا، فقد كان شعرك يعجبني. فقال عبيد: حال الجريض دون القريض. فأرسلها مثلا. فقال النّعمان: أسمعني ويحك! فقال: المنايا على الحوايا. فأرسلها مثلا. فقال بعض القوم:. . . أمك! أنشد الملك. فقال عبيد: نام الخليّ عن بكاء الشّجيّ. فأرسلها مثلا. فقال النّعمان: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك.
فقال عبيد: من عزّ بزّ. فأرسلها مثلا. فقال النّعمان: أنشدني «أقفر من أهله ملحوب» . (329) فقال عبيد (من البسيط):
أقفر من أهله عبيد
…
فاليوم لا مبدي ولا يعيد
عنّت له <عنّة> ركود
…
وحان منها له ورود
فقال له النّعمان: إنّه لا بدّ من الموت! ولو أنّ المنذر عرض لي يوم بؤسي لذبحته. فاختر: إن شئت من الأكحل، وإن شئت من الأبجل وإن شئت من الوريد، فخبّرني أيّهم تريد؟ فقال عبيد: ثلاث خصال عواد، واردها شرّ وراد، وحاديها شرّ حاد، ومعادها شرّ معاد، ولا خير لمرتاد، فإن كنت ولا بدّ قاتلي فاسقني الخمر، حتّى إذا ماتت لها مفاصلي، وذهلت لها ذواهلي، فشأنك وما تريد. فأمر له النّعمان بحاجته، حتّى أخذت منه وطابت نفسه، دعا به النّعمان ليقتله، فأنشأ يقول عند ذلك (من الطويل):
وخيّرني ذو البؤس في يوم بأسه
…
خصالا أرى في كلّها الموت قد برق
كما خيّرت عاد من الدّهر مرّة
…
سحائب ما فيها لذي خيرة أنق
سحائب ريح لم توكّل ببلدة
…
فتتركها إلاّ كما ليلة الطّلق
ثمّ أمر به ففصد حتّى مات. قيل: ولم يزل النّعمان على هذه السّنّة حتّى مرّ به رجل من طيء يقال له حنظلة بن عفراء في يوم بؤسه، فلمّا همّ بقتله، قال: أبيت اللّعن، والله إنّي أتيتك زائرا، ولأهلي من خيرك مائرا، فلا تكن ميرتهم منك قتلي! فقال النّعمان: لا بدّ من ذلك. فسألني حاجة أقضيها لك. قال: تؤجّلني سنة أرجع فيها إلى أهلى، وأوصي بما أريد، ثمّ أصير إليك تنفّذ فيّ حكمك. قال: ومن يكفلك حتّى تعود؟
قال: فنظر في وجوه جلسائه، ثمّ أشار إلى رجل يقال له: شريك (330) بن عمرو. فقال: هذا يكفيني. فوثب شريك وقال: أبيت اللّعن! دمي بدمه إلى أن يعود. قال: فأطلقه النّعمان ومضى في شأنه.
فلمّا كان في قابل جلس النّعمان في مجلسه حنظلة، فأبطأ عليه وتقوّض النهار، فأمر النّعمان بشريك، فتقدّم للقتل، فلمّا همّ بذبحه، وإذا براكب قد طلع، فتأمّلوه القوم، فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفّنا متحنّطا، ومعه نادبة تندبه، وقد قامت نادبة شريك تندبه، فلمّا رآه النّعمان على تلك الحالة عجب من حسن وفائهما وكرمهما، وأطلقهما جميعا، وقال: لا كنتما أكثر وفاء ولا كرما منّي! وأنعم عليهما إنعاما ظاهرا، وأبطل تلك السّنّة منذ ذلك اليوم.
ومن جيّد شعر عبيد بن الأبرص قوله (من البسيط):
طاف الخيال علينا ليلة الوادي
…
من أمّ عمرو ولم يلمم بميعاد
إنّي اهتديت لركب طال حبسهم
…
في سبسب بين دكداك وأعقاد
إذهب إليك فإنّي من بني أسد
…
أهل القيان وأهل الجود والنّادي
لا أعرفنّك قبل الموت تندبني
…
وفي حياتي ما زوّدتني زاد
فانظر إلى ظلّ ملك أنت تاركه
…
هل ينفعنّك يوما نغمة الحادي