الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا: أنهم ينقدون ما يقع إليهم من الأشعار، ويتساءلون عن طريق روايتها، فلا يصح في أي أدب أو منطق أن يُعدّ قبولهم لكثير من هذا الشعر عدم توفق إلى الحق، أو أنه ناشئ عن عدم إلمامهم بتاريخ هذه الأمم القديمة إلماماً كافياً.
*
مقارنة بين الأمم الثلاث: العربية، واليونانية، والرومانية:
ثم أخذ المؤلف يذكر الأمة اليونانية، والأمة الرومانية، ويعقد بينهما وبين الأمة العربية ما يشبه المقارنة، وهو أن كلاً من هذه الأمم تحضّر بعد بداوة، وخضع في حياته الداخلية لصروف سياسية مختلفة، وانتهى إلى نوع من التكوين السياسي دفعه إلى تجاوز حدوده الطبيعية، وبسطِ سلطانه على الأرض.
ثم قال في (ص 44): "وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة، إن لم نقل متحدة. ولم لا؟ أليست هذه الإشارة التي قدمناها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم، فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة؟ ".
في استطاعتنا أن نناقش هذه الجمل كما جاءت في غير صراحة، ولكن القلم لا يرغب حين يخوض بحثاً علمياً أن يمتطي المواربة، أو يكلم الناس رمزاً، فلنطو الستار الذي سدله المؤلف، وجلس يتحدث من ورائه، فقد ينزع محارب الحقيقة إلى الكنايات البعيدة، والإيماء الخفي، حتى يحوك مقالُه في بعض النفوس دون أن يجد في طريقه زاجراً، ولا يرضى الذائد عن سبيلها إلا أن يضع الغرض على ظاهر يدك، ويريك المعنى في مرآة نقية،
فإما أن تقبل، وإما أن تأبى.
يذهب المؤلف إلى أن شأن العرب حين فتحوا الممالك، وقاموا على سياسة الأمم، لا يختلف عن شأن الأمتين اليونانية والرومانية في المؤثرات والنتائج، يقول هذا، وهو يقصد إلى أن يجحد ما للإسلام وشريعته من مزية أو أثر في تلك النهضة العربية؛ لأنه يزعم أن مؤثراتها ونتائجها متحدة، أو متقاربة مع مؤثرات ونتائج نهضة لم تقم على أساس شريعة سماوية. وقد تعرض لهذه المؤثرات المشتركة بين الأمم الثلاث، فاذا هي تحضّر بعد بداوة، وصروف سياسية مختلفة، وتكوين سياسي انتهى بها إلى تجاوز الحدود الطبيعية. أما النتائج الواحدة أو المتقاربة، فهي بسط السلطان على الأرض، ثم إن اليونان تركو افلسفة وأدبًا، والرومان تركوا تشريعاً ونظاماً، والعرب تركوا أدباً وعلماً وديناً.
لا نخالف التاريخ في أن الوقائع تقوم على أسباب، ولا نعارضه في أن تكون الأسباب ذاهبة في الغابر كسلسلة لا يعلم مبدأها إلا مبدع الخليقة، والتاريخ أيضاً لا يخالفنا في أن من الأسباب ما يخفى على الباحث، ومن الأسباب ما يلحظه الباحث في صورة لا تنطبق على صورته الثابتة.
فمن المحتمل أن المؤلف لم يدرك بعض أسباب النهضة العربية، أو أنه تخيله في غير صورته الواقعة، ولا سيما بعد أن عرفتم أن إلمامه بجانب من تاريخ اليونان أو الرومان لم يحمه من أن يضع في كتابه رأياً ذا عوج، أو خيالة في ثوب حقيقة.
لا يلتبس على أحد أن هذه الأمم تحضرت بعد بداوة، وأتت عليها صروف سياسية مختلفة، ثم انتهى بها تكوينها السياسي إلى بسط سلطتها
في الأرض. وهل اشتراكها في هذه الأطوار العامة يكفي لتحقيق أن مؤثراتها ونتائجها واحدة أو متقاربة؟.
ذلك ما نريد بحثه في كلمة نفصلها على مقدار ما يذكّرك بانحراف المؤلف عن الواقع، ويريكه كيف يخرج عن نظام البحث؛ ليقضي وطر الدعوة إلى غير هداية القرآن.
يكاد الذين يدرسون تاريخ الأمم لا يختلفون في أن فتح العرب لهذه الممالك كان أمراً عجباً. وشهودُ هذا لا يأخذهم عدّ، وإنما أسوق منهم شاهدين: أحدهما غربي، والآخر شرقي، وكلاهما لا يتهم بأنه تحدث عن عاطفة، أو محاباة للإسلام.
بسط في دواعي العجب من ذلك الانقلاب البديم (لوثروب ستودارد) في"حاضر العالم الإسلامي"(1)؛ حيث قال: "كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الذي دوّن في تاريخ الأعصار، ظهر الإسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطة الشأن، فلم يمض على ظهوره عشرة عقود، حتى انتشر في نصف الأرض ممزقاً ممالك عالية الذرا، مترامية الأطراف، وهادمًا أديانًا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيراً ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانياً عالماً متراصَّ الأركان، هو عالم الإسلام".
وقال: "كلما زدنا استقصاءً باحثين في سر تقدم الإسلام وتعاليه، زادنا ذلك العجب العجاب بهرًا، وارتددنا عنه بأطراف حاسرة".
(1)(ج 1 ص 1) تعريب عجاج أفندي نويهض.
وتعرض جرجي زيدان في كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي" لما أخذ الناس من العجب لهذه النهضة العربية الاسلامية حين قال: "للكتّاب وأهل النقد بحث طويل، وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على فتح بلاد الروم والفرس، وقهر القياصرة والأكاسرة برجال يكاد عددهم لا يزيد على عدد حامية مدينة من مدن أولئك، مع ما كان عليه العرب يومئذ من سذاجة المعيشة، وقلة الدربة في فنون الحرب، وضيق ذات اليد، وضعف العدة، والروم والفرس أعظم دول الأرض يومئذ، وعندهما العدة والرجال، والحصون والمعاقل، وزد على ذلك: أن العرب - فضلاً عن قلتهم وسذاجة أحوالهم -، فقد جاؤوا مهاجمين في بلاد لا يعرفونها، ولا نصير لهم، وأغرب من ذلك كله: أنهم فتحوا المملكتين جميعاً في مدة لا تتجاوز بضع عشرة سنة".
هؤلاء الذين عجبوا لمظهر الأمة العربية في صدر الإسلام قد درسوا تاريخ اليونان والرومان، ولو كانت المؤثرات والنتائج في هذه الأمم واحدة أو متقاربة، لما تلقوا نبأ الحركة العربية بعجب وانبهار، ولما جرى للكتّاب وأهل النقد بحث طويل وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على قهر القياصرة والأكاسرة.
ثم إن هؤلاء الكتّاب قد بعثوا أنظارهم في البحث عن أسباب هذه النهضة العربية، ولم يستطيعوا إلا أن يحوموا حول المؤثر الأكبر، وهو الروح الذي بثه الإسلام في صدور العرب، والنُّظُم التي أخذ بها أعمالهم - قال (ستودارد): "كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق عوامل ساعدت عليه، أكبرها: أخلاق العرب، وماهية تعاليم صاحب الرسالة وشريعته، والحالة العامة
التي كان عليها الشرق المعاصر لذلك العهد".
وقال جرجي زيدان: "إن العرب أصبحوا بعد الإسلام غير ما كانوا عليه قبله، كانوا قبائل مشتتة مبعثرة، فأصبحوا أمة واحدة بقلب رجل واحد". وذكر أسباباً أخرى من جملتها: اعتقادهم بالقضاء والقدر، وعدل المسلمين ورفقهم وزهدهم، ثم قال:"وكان لتلك المناقب تأثير عظيم، ومن هذا القبيل التسوية بين طبقات الناس رفيعهم ووضيعهم"، وعطف على هذا استبقاء الناس على أحوالهم، وقال:"كان العرب إذا فتحوا بلدًا، أقروا أهله على ما كانوا عليه من قبل، لا يتعرضون لهم في شيء من دينهم أو معاملاتهم، أو أحكامهم المدنية أو القضائية، أو سائر أحوالهم".
فالواقع ينفي أن تكون المؤثرات في حياة الأمم الثلاث واحدة أو متقارية. وليس التحضر بعد البداوة، وصروف السياسات المختلفة، والتكوين السياسي الدافع إلى فتح البلاد إلا أطوارًا عامة، ولا بد من البحث في سبب التحضر بعد البداوة، وفي أساليب تلك السياسات المختلفة، وفي كنه هذا التكوين السياسي؛ فإن الأمم إذا اختلفت في سبب تحضرها، أو في صروف سياستها، أو في شخصية تكوينها السياسي، لا تكون نتائج حياتها واحدة أو متقاربة.
ولعل القارئ يفهم رجحان حياة العرب على حياة اليونان والرومان من تسوية المؤلف بينهما في المؤثرات والنتائج؛ فإن ما يحمله للأمة العربية المسلمة، يدعوه إلى أن يغير تاريخها، ولو في أذهان طلابه في الجامعة، فإذا جعل نتائج حياة العرب مماثلة لنتائج حياة اليونان والرومان، فذلك الشاهد على أن فضل حياة العرب واضح، وأنه لو وجد كفة العرب تساوي