الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يطلق حول كل مبحث بخاراً، ويثير فوق كل صحيفة غباراً.
*
دراسة الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 3): "بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها، وننتهي فيها إلى الحق، فأما أنصار القديم، فالطريق أمامهم واضحة معبدة، والأمر عليهم سهل يسير. أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام، وقالت كثيراً من الشعر؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس، ولا يكادون يختلفون فيها؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقداراً من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس، حتى جاء عصر التدوين، فدوّن في الكتب، وبقي منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا؟ وإذا كان العلماء قد أجمعوا على هذا كله، فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها، ونقلوا إِلينا آثار الشعراء وفسروها، فلم يبق إلا أن نأخذ ما قالوا راضين به، مطمئنين إليه. فإذا لم يكن لأحدنا بد من أن يبحث وينقد ويحقق، فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم".
لا مراء في أن للأمة الجاهلية قسطاً من الشعر، فإن الشعراء الذين اعتنقوا الإسلام؛ كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة، ومتمم بن نويرة، والنابغة الجعدي، ولبيد، وكعب بن زهير، لم يبتدعوا هذا المنظوم ابتداعاً، بل اقتدوا فيه على أثر رجال سبقوهم بحين من الدهر، وكان هؤلاء الرجال على طبقات لا يزال الشعر ينتقل فيها من طبقة إلى
أخرى حتى بلغ المنزلة التي ظهر بها شعر هؤلاء الإسلاميين.
ومما لا يحسن النزاع فيه أن يكون لأولئك الشعراء أسماء معروفة لدى قبائلهم وغير قبائلهم؛ إذ لا يقف شعر الشاعر البليغ عند حدود قبيلته، بل الشأن أن يتجاوزها إلى قبائل أخرى، فيسير الشعرُ، ولا يكاد اسم قائله يتأخر عنه إلا قليلاً.
ومن الثابت أن العرب في الجاهلية كانوا يفرغون عنايتهم في حفظ الأشعار وإنشادها، ويرفعون مقام الشاعر إلى ما ليس بعده مرتقى. وهذا ما يقتضي أن يبقى من قصائد أولئك الشعراء ومقطوعاتهم مقدار تحفظه الرواة، وتتناقله عنهم الناس؛ حرصاً على ما فيه من حكمة وبلاغة.
وإذا كان للجاهلية شعر، وكان لشعرائهم أسماء، وكانت عناية العرب بالشعر تستدعي حفظه وتداوله على ألسنة الرواة طبقة بعد أخرى، لم يبق إلا النظر في نسبة الشعر إلى شعراء بأعينهم، وفي مبلغ الثقة بهذه النسبة، وذلك ما نخوض في بحثه عندما يقع المؤلف في الحديث عنه.
يدّعي المؤلف أن هاهنا فريقاً يقال لهم: أنصار القديم، وعزا إليهم مذهباً قال عليه: إنه رسم للأدب دائرة، وحجر على الباحث مجاوزتها. ونحن لا ندري ما هذا المذهب، ومن هؤلاء الأنصار، ولا نفهم إلا أن الرهط الذي وضع يده في يد المؤلف عرف أن بيانه يضيق عن قضاء ما في نفسه من مآرب، فالتجأ إلى اختراع ألقاب يحسبها كافية في استدراج أبناء الشرق إلى تلك المآرب، فقال:"قديم"، و"جديد"، و"أنصار القديم"، و"أنصار الجديد"، حتى سمّوا الداعي إلى العفاف:"رجعيا"، وسمّوا الخلاعة:"تجدداً".