الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرغم من سخطهم، إنما هي آراء الطعن والغمز، وأما ما هو عائد إلى الأدب وتاريخه، فقد سبقه إليه أو إلى أمثاله كتّاب آخرون، ولم يروا أنفسهم في حاجة إلى التبجح باحتمال الأذى في سبيل إعلان الرأي، ولا إلى اتهام الناس بأنهم يسخطون لتحقيق المباحث الأدبية، ومن الناس من تلقّى مؤلفاتهم بالرضا، ومنهم من ناقشها في سكينة ونفَس مستريض.
*
الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين:
قال المؤلف في (ص 7): "وإذن، فلأعتمد على الله، ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتّاب، ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة، وشيء من الاحتياط كثير".
كأني بالمؤلف يبتسم لقوله: فلأعتمد على الله، وكأني بك تبتسم لقوله: ولأحدثك في صدق وأمانة، ونحن نبتسم لقوله: ولأحدثك في صراحة، وادعائه أنه اجتنب طرق المهرة من الكتّاب حيث يدخلون على الناس ما لم يألفوا في رفق واحتياط، والواقع أنه سطا حول القرآن ومقام النبوة بلسان غليظ، وأبى قلمه أن يسلو حرفة الغمز، فسلك في كثير من المواضع طرق المهرة من الكتّاب في صوغ عبارات ظاهرها البحث في الشعر الجاهلي، وباطنها الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين، ولو صح أن تعصر هذه العبارات، لتقاطر من خلالها قذف فاحش، وفسوق كثير.
*
نظرية الشك في الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 7): "وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث: هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي، وألححت في الشك، أو قل:
ألحَّ عليّ الشك، فأخذت أبحث وأفكر، وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقيناً، فهو قريب من اليقين، ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء".
كان الدكتور (مرغليوث) قد ادعى أن الشعر الجاهلي مزوّر ومصنوع، وتعرض لهذا البحث في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية سنة 1916 م (ص 397)، وفي مادة "محمد" من "دائرة معارف الأديان والعقائد"، وفي كتابه "محمد" المطبوع سنة 1905 م (ص 6). وممن تصدى للرد عليه السر (تشارلس جيمس ليل) في مقدمة ترجمة "المفضليات" المطبوعة سنة 1918 م.
ثم عاد الدكتور (مرغليوث)، وكتب في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية الصادرة سنة 1925 م مقالاً مسهباً أتى فيه على الشُّبه التي جرّت إلى نظرية الشك في الشعر الجاهلي، فابتدأه بقوله:"بدأ المسلمون في حوالي نهاية العصر الأموي يدّعون وجود شعر جاهلي عربي، ولم يكتفوا بذلك حتى زعموا أنهم جمعوا الجزء الأعظم منه". وأنهاه بقوله: "أما الجواب عن الشعر الجاهلي: هل هو يرجع إلى عهد عتيق، أو أنه إسلامي؟ فخير ما يسلك الإحجام عنه؛ لأن الأدلة الموجودة أمامنا موقعة في حيرة".
فالمؤلف أغار على نظرية الشك في الشعر الجاهلي، ولم يفترق عن (مرغليوث) إلا في تسليمه بأن هناك شعراً جاهلياً، فأخذ أصل النظرية، وأقوى الشُّبه التي استند إليها (مرغليوث)، وجعل يقول لك: هو أني شككت في الشعر الجاهلي، ويداعبك بقوله: ألححت في الشك، أو قل: ألحّ علي الشك. والحديث في صدق وأمانة خير من هذه المداعبة.