الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"وسمي يعرب بن قحطان؛ لأنه أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية".
وقال ابن خلدون في "تاريخه": "وليس بين الناس خلاف في أن قحطان أبو اليمن كلهم، ويقال: إنه
أول من تكلم بالعربية
، ومعناه من أهل هذا الجيل الذين هم العرب المستعربة، اليمنية، وإلا، فقد كان للعرب جيل آخر، وهم العرب العاربة، ومنهم تعلّم قحطان تلك اللغة العربية ضرورة، ولا يمكن أن يتكلم بها من ذات نفسه".
وإذا كان من الرواة من يذهب إلى أن القحطانية كالعدنانية من ولد إسماعيل، ومنهم من يقول: إن يعرب بن قحطان أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية، ومنهم من يقول: إن أول من تكلم بالعربية قحطان نفسه، فأين اتفاقهم على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله؟!.
* أول من تكلم بالعربية:
قال المؤلف في (ص 25): "وهم يروون حديثاً يتخذونه أساسًا لكل هذه النظرية، خلاصته: أن أول من تكلم بالعربية، ونسي لغة أبيه: إسماعيل ابن إبراهيم".
هذا الخبر رواه ابن سلام الجمحي في "طبقات الشعراء"، مع التردد في أن راويه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم لا. وأول ما يخطر بالبال: أن مراد المؤلف من النظرية التي اتخذوا هذا الخبر أساسًا لها، قوله فيما يعزوه إلى الرواة:"إن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتساباً، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة، فمحيت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة".
وأنت قد قرأت هذا الخبر المرويّ في "طبقات الشعراء"، وهو لا يدل إلا على أن إسماعيل نسي لغة أبيه إبراهيم، ومقتضاه: أن العدنانية الذين هم من ذريته قد خلقوا ينطقون بالعربية، وليسواهم الذين "محيت لغتهم الأولى من صدصرهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة".
فإن قال المؤلف في تأويل حديثه: إن هذا من قبيل وصف القبائل بما جرى لآبائهم، قلنا له: أنت إذن تريد من النظرية التي جعلت هذا الخبر أساسًا لها: أن إسماعيل عليه السلام عرف من لغة العرب ما لم يكن يعرف، فنشأ أبناؤه العدنانيون على النطق باللغة العربية، ولكونهم نبتوا من أصل غير عربي سموا مستعربة.
وتنحل هذه النظرية إلى أن نسب العدنانية متصل بإسماعيل، وأن إسماعيل أول من تكلم بالعربية من آبائهم. والشطر الأول من النظرية قائم على أساس أوثق من هذا الخبر الذي لا يعرفه المحدثون، وهو مجموع الآيات والأحاديث، أو ما استفاض على ألسنة العرب قبل الإسلام. أما الشطر الثاني منها، وهو أن إسماعيل أول من تكلم بالعربية، فهو جار على طبيعة اتصاله بقبيلة عربية، وإقامته بين ظهرانيهم، ومن الأحاديث الواردة في هذا المعنى (1) حديث:"أول من فُتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل"، والمراد بالعربية المبينة: هذه اللهجة الفصحى التي نزل بها القرآن، لا اللغة العربية. ومتى صح الحديث، لم يمانع من أن تكون هذه اللغة المبينة تمشت بعد عهد إسماعيل على سنّة الرقي، واتسعت حسب تجدد المعاني واختلاف الأذواق، فيما تستحسنه من صوغ الجمل وابتدل الأساليب.
(1) أخرجه الطبراني، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن.