الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا جدوا في الاتصال به، فإنما يجدّون في الاتصال بالفضيلة، ولكن المؤلف لا ينظر إلى الفضيلة وآداب الإنسانية الراقية بعين تقدرها.
فما كان للمؤلف أن يرمي العرب بهذه العبارة المطلقة الشائنة، وما كان له أن يخيل إلى قراء كتابه أن العرب لم يجدّوا في اتصالهم بالإسلام إلا رغبة في الظهور، وحرصًا على السلطان، فإن في الإسلام حجة وحكمة تأخذان ذوي الفطر السليمة والعقول السامية إلى أن يتصلوا به ويرضوه، ولو نسلت عليهم الخطوب من كل حدب، أو سخط عليهم أمثال هؤلاء الذين أخذت عقليتهم "منذ عشرات من السنين تتغير، وتصبح غربية".
*
الدين والسياسة عند العرب:
قال المؤلف في (ص 48): "فخليق بالمؤرخ السياسي أو الأدبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسًا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ. وسترى عندما نتعمق بك قليلاً في هذا الموضوع أننا لسنا غلاة، ولا مخطئين".
لم يوضح المؤلف وجه التأثر بالسياسة حتى يعلم القارئ أن هذا المعنى يختص بالعرب، أو هو شأن كل جماعة تساس بسلطان، وإذا كان دأب العرب خاصة، فهل هو عارض لهم في بعض أطوارهم السياسية، أم هو مظهر لم ينفكوا عنه منذ قامت لهم الدولة في الإسلام؟ ومن شأن المخلص في بحثه ألا يؤذي تاريخ أمة بحديث يبهمه، وكلام يلوي رأسه على ذنبه.
تتأثر الأمة بالسياسة على معنى أن يكثر فيها الطامحون إلى الرياسة؛ كالملك والوزارة وقيادة الجيش ونحوها، وذلك ما يبعث على التنافس، وبذل المستطاع في سبيل الوصول إليها، وتختلف الطرق التي يسلكها هؤلاء
المتنافسون في كونها مشروعة أو غير مشروعة، والأخذ في نيلها بالطرق المشروعة خصلة مالوفة، وسعي لا بأس به، وفي العرب من وضعت مقاليد السياسة في يده دون أن يبذل في سبيلها درهما، أو ينتضي حسامًا، وذلك شأن الخلفاء الراشدين، فإن أردت أن تجعل لأبي بكر الصديق، أو علي بن أبي طالب سيفًا مسلولًا، فإنما هو الدفاع عن نظام الأمة، أو عن تلك الرياسة التي تدير شؤونها بحكمة وعدالة، والواقع أن هذا الضرب من التأثر بالسياسة لم يكن له في عهد الخلافة الرشيدة مظهر، وهو العهد الذي يمثل روح الإسلام، وينطبق على مبادئه من كل ناحية.
تتأثر الأمة بالسياسة على معنى: أن يبالغ القابضون على سياستها في التعرض لشؤون الأفراد، واستعمالهم فيما يعود على ولايتهم بالبقاء، ولو بغير حق، ومن طبيعة السياسة المستبدة أن يتزلف لها الناس بالملق رهبة من بطشتها، أو رغبة في أن ينالهم قسط من سرفها. وهذا المعنى لا يستطيع المؤلف أن يصف به العرب لعهد الخلفاء الراشدين، أو من ساروا على مبادئ الإسلام بإطلاق؛ كعمر بن عبد العزيز. وقد وجد هذا الضرب من التأثر بالسياسة في كثير من الدول التي تجعل دينها الرسمي الإسلام، عرباً كانوا أو غير عرب، كما يوجد في غير المسلمين، حتى الأمم التي يملأ المؤلف قلبه بإجلالها، فإننا نرى سياستها تستعمل أقلامًا في تغيير تاريخ بعض الأمم، وفك عرا وحدتها، وقلب أخلاقها وجميع مميزاتها إلى ما يجعلها تحت تلك السياسة كالأنعام أو أضلّ سبيلاً.
أما تأثر العرب بالدين، فلأن الإسلام عقيدة وآداب، وشريعة وسياسة، وقد أخذ العرب في يقينهم صحة تلك العقائد، ووضاعة تلك الآداب، وعدالة