الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
خير العلم ما حمل عن أهله:
قال المؤلف في (ص 116): "ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب، فأيسر وسائلها الكذب. كانت الشعوبية تنتحل من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم".
لا نفتح باب البحث مع المؤلف في قوله: إن الخصومة إذا اشتدت بين الأحزاب فأيسر وسائلها الكذب، فقد كان قلم المؤلف مستعملاً في هذا السبيل، وليس الذي يحدثك عن شيء أجهدَ فيه خياله كمن ينظر إليه بمكان بعيد، "وخير العلم ما حمل عن أهله". وإنما نشك في أن الشعوبية انتحلت من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم، ويزداد شكّنا حينما نقرأ هذا الفصل المعد لهذا الغرض، ولا نجد لانتحال الشعوبية مثلاً قائماً، ولو كان تحت يد المؤلف أمثال قريبة، لما تجاسر على أبيات أبي الصلت، أو أمية بن أبي الصلت، وحاول إلحاقها بإسماعيل بن يسار.
*
انفراد الجاحظ بالرواية:
قال المؤلف في (ص 116): "إن الخصومة بين العرب والعجم دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو، أو لا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة، فإذا عرضوا لشيء مما في هذه العلوم الأجنبية، فلا بد من أن يثبتوا أن العرب قد عرفوه، أو ألموا به، أو كادوا يعرفونه ويلمون به. ومن هنا لا تكاد تجد شيئاً من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب "الحيوان" إلا وقد قالت العرب فيه شيئاً قليلاً أو كثيراً، طويلاً أو قصيراً، واضحاً أو غامضاً، يجب أن يكون للعرب قول في كل شيء، وسابقة في كل شيء".
نعْرض هذه الجمل على أنظار القراء؛ ليزدادوا خبرة بأن قلم المؤلف يقع في مبالغات يغبطه عليها الشعراء.
للعرب في الجاهلية نصيب من العلم، ومبلغ من الحكمة، ولا نرى في هذا الشعر الذي يعزى إليهم شيئاً فوق ما يسعه علمهم، أو تبلغه حكمتهم، ولا تحسبوا المؤلف وقف على أشعار تضاف إلى الجاهلية، وهي تشتمل على معان من هذه العلوم المحدثة، ولعلكم تنثلون كنانته، فلا تجدون فيها سوى أن الجاحظ يقول في كتاب "الحيوان" (1):
"وكل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريباً منه في أشعار العرب والأعراب، ومن أهل لغتنا وملتنا، ولولا أن يطول الكتاب، لذكرت لك الجميع".
فهذا هو الذي يحوم عليه المؤلف -فيما أحسب- وقد رأيتم أن كلام الجاحظ يختص بباب معرفة الحيوان، ويتناول الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها، وقلنا فيما سلف: إن أهل العلم لا يعدون الجاحظ فيمن يوثق بما انفردوا بروايته.
ذهب المؤلف في أوائل كتابه إلى أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين يمثلهم في جهل وغباوة، وغلظة وخشونة، ويقول: إنهم كانوا أصحاب علم وذكاء، وأصحاب عواطف رقيقة، وعيش فيه لين ونعمة. وقال: إنهم كانوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية. وإذا كانوا أصحاب
(1)(ج 3 ص 83).
علم وذكاء، وكانوا أمة متحضرة راقية، فلماذا ينكر شعراً يضيفه إليهم بعض الرواة، ويرده بعلّة أنه ينبئ عن علم وذكاء، وحضارة راقية؟ وما الذي يعوقهم عن أن يعرفوا من أحوال الحيوان قريباً مما سمعه الجاحظ من الفلاسفة أو قرأه في كتب الأطباء؟!.