الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلك الشريعة، وحكمة تلك السياسة، فلا بدع أن يكون للإسلام تأثير في آدابهم ومعاملاتهم، وأخلاقهم وسياستهم، ولا سيما بعد أن أبصروا بأعينهم يد النائم في المسجد تتناول تاج كسرى، وتضرب به بين لابتي يثرب، وتطوي سلطان قيصر عن ممالك بعيدة ما بين المناكب. فاجعل مسألة الدين عند العرب يوم أدهشوا العالم أساسًا للبحث عن الفرع الذي تريد أن تبحث عنه من فروع التاريخ، ولا تكن كمؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي" من المغالين أو المخطئين.
*
الإسلام عقيدة وشريعة ونظام:
ذكر المؤلف أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا بمكة مستضعفين، وأن الجهاد بينهم وبين قريش وأوليائهم كان جدليًا خالصاً، وأن النبي عليه السلام كاد يقوم بهذا الجهاد الجدلي وحده، وكان كلما بلغ حظاً من إفحام قريش، انتصر له فريق من قومه حتى تكؤن له حزب ذو خطر، ولم يكن هذا الحزب سياسياً يطمع في ملك، ولا تغلب، ولا قهر، أو لم يكن ذلك في دعوته، وانتهى به الحديث إلى الهجرة.
ثم قال في (ص 49): "ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعاً جديداً، جعلت الخلاف سياسياً يعتمد في حَلِّه على القوة والسيف، بعد أن كان من قبل دينياً يعتمد على الجدل والنضال بالحجة ليس غير". وقال: "فليس من شك إذن أن الجهاد بين النيي وقريش قد كان دينياً خالصاً ما أقام النبي في مكة. فلما انتقل إلى المدينة، أصبح هذا الجهاد دينياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصوراً على أن الإسلام حق أو غير حق،
بل هو يتناول الأمة العربية، أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن، والطرق التجارية لمن تخضع".
نشأ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في بيئة تعبد الأصنام نشأة رشد وصدق وعفاف، وقد آمن بنبوته رجال من كبار قومه يعرفونه كيف ولد، وكيف شبّ، وأين يذهب، ومن أين يجيء، ولو لم يعرفوه رشيداً صادقاً عفيفًا، لذكروا ما يعرفونه له من هفوة أو هفوات، وكانت هذه الذكرى عرضة في سبيل إيمانهم، وسلاحاً يقفون به في وجه دعوته، فإيمان كثير من عظماء عشيرته الذين هم على كثب من سيرته يرقبونها بكرة وأصيلاً، يشهد بأن محمداً صلى الله عليه وسلم شبّ في طهر واستقامة، وصدق لهجة وأناة.
قضى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أربعين حجة في سيرة تلألأ صدقاً ووفاء وتؤدة، فإذا هو بعد الأربعين يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة، لا يهاب جبارًا، ولا يحابي قريباً، ولا يبالي أن يتهكم به غير حليم.
أبصر أولئك القومُ الذين يعترف المؤلف بذكائهم ودهائهم واستنارتهم تلك الآيات المحكمات حقاً، فكانوا كلما استطاعت طائفة منهم أن تخلص من أهوائها، وما وجدت عليه آباءها، اطمأنت إلى دعوته، وانتصرت لما آمنت به، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
لم يدخر المشركون وسعاً في أذى المؤمنين، حتى ألجؤوا فريقاً منهم إلى الهجرة، وأخذوا يأتمرون في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد تعرض القرآن لهذه المؤامرة، وحكى الآراء التي دارت بين المؤتمرين فقال:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
خرج عليه الصلاة والسلام على حين غفلة من أولئك الملأ الذين ائتمروا به، خرج ولا رفيق له من أصحابه سوى أبي بكر، وتواريا في غار ثور حذراً من أن تقع عليهما عين مشرك، وكذلك رسل الله يأمنون ويحذرون، وقد أتى القرآن على هذه الواقعة في آية:{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
وإسناد الإخراج في الآية إلى الذين كفروا؛ لأنهم تصدوا إلى ما يقتضي خروجه، وهو إذايتهم له بأشد مما كانوا يصنعون.
نزل الرسول - صلوات الله عليه - المدينة، وحوله حزب استيقن أن هذه الدعوة حق، ووطّد نفسه لكل ما يلاقيه في سبيلها من خطوب، ولم يكن يخفى على الرسول عليه السلام أن أشد الناس عداوة لهذه الدعوة، وأجمعهم قوة على محاربتها: مشركو قريش، وإذا كان عبدة الأوثان في مكة هم أشد الناس داعية إلى محاربة دين الحق، بل كانوا أول من بسطوا أيديهم إلى أوليائه بالسوء والأذى، كان من مصلحة هذه الدعوة أن تبتدئ بعمل الوسائل لإخلاء مكة وبناء إبراهيم وإسماعيل من رؤوس تسجد للّلات والعزّى، وقلوب لا تضمر لحماة هذه الدعوة إلا شراً.
فالرسول عليه السلام وحزبه الطامح إلى السعادة الخالدة، لم ينتضوا سيفاً، أو يهزوا أسلاً، أو يرموا نبلاً؛ ليظفروا بملك، أو ليستأثروا بسلطة، كما يحاول المؤلف أن يصوره لقراء كتابه. والحق أن الإسلام عقيدة وشريعة ونظام، ولا بد لهذه الحقائق من حماية، ولا حماية إلا بقوة وسلطان.
وإذا كان من مقاصد الإسلام إنشاء دولة تجري على قانون شريعته،