الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيها إنما يرجع فيه إلى الأدلة النظرية، وإما أن تكون من قبيل الرواية، وهذا هو الذي يمكن أن يُرجح فيه جانب الكثرة على جانب القلة.
وقد رأيت المؤلف كيف خلط في حديثه بين الرواية والرأي، وحشر كثرة الآراء في المجالس النيابية، ونظرية كروية الأرض في موضع الكلام عن الترجيح بالكثرة فيما لا يمكن الوصول إليه إلا من طريق الرواية.
*
امرؤ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث:
أراد المؤلف أن يضع قصة امرئ القيس في معمل فلسفته الممتازة، فحام على تاريخ كندة في الإسلام، ووقع على أسرة الأشعث بن قيس، وأخذ يقص كيف وفد من كندة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسه الأشعث، وكيف ارتدت كندة، وكيف تاب الأشعث، واشترك في فتح الشام، وفتح الفرس، وتولى عملاً لعثمان، وظاهر علياً على معاوية، ثم انتقل إلى الحديث عن ابنه محمد بن الأشعث، وذكر اعتماد زياد عليه في أخذ حجر بن عدّي الكندي، وعرج على قتل معاوية لحجر بن عدّي هذا في نفر من أصحابه، وانتقل إلى سيرة عبد الرحمن بن الأشعث، وثورته بالحجّاج، وخلعه لعبد الملك، ووقوعه في يد عامل الحجّاج، وانتهاء واقعته بقتل نفسه.
عقد المؤلف مشابهة بين امرئ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث، وزعم أن عبد الرحمن ثار منتقماً لحجر بن عدّي، كما أن امرأ القيس قام مطالباً بثأر أبيه، وذكر في وجه الشبه: أن كلاً منهما طامع في الملك، متنقل في البلاد، مستعين بملك: امرؤ القيس بقيصر، وعبد الرحمن بملك الترك، وأن كلاً منهما غدر به الملك الذي التجأ إليه، ويتشابهان في أن كلاً منهما مات في طريقه عائداً من بلاد الملك الذي التجأ إليه.
ثم قال في (ص 137): "أليس من اليسير أن نفترض، بل أن نرجح: أن حياة امرئ القيس كما يتحدث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه القصّاص إرضاء لهوى الشعوب اليمانية في العراق، واستعاروا له اسم الملك الضلّيل اتقاء لعمال بني أمية من ناحية، واستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كانت تعرف عن هذا الملك الضلّيل من ناحية أخرى؟ ".
ونحن نلقي عليك واقعة عبد الرحمن بن الأشعث في تلخيص وإيجاز، لتعلم أن بينها ويين قصة امرئ القيس من الفرق ما لا يجتمعان به إلا في مخيلة تتراكم فيها صور الأشياء على غير نظام.
يذكرون أن الحجّاج كان يبغض عبد الرحمن بن الأشعث، ويقول: ما رأيته قط، إلا أردت قتله، وكان عبد الرحمن يعرف هذه السريرة من الحجّاج، ويقول: أنا أزيله عن سلطانه.
كان الحجّاج والياً على العراق وخراسان وسجستان، فجهز جيشاً لفتح بلاد (رتبيل) ملك الترك، وبعثه تحت راية عبد الرحمن.
سار عبد الرحمن بالجيش حتى دخل في طرف من بلاد (رتبيل)، ثم عقد الرأي مع الجيش على أن يرجئوا التوغل في البلاد إلى العام المقبل، وبلغ الحجّاج ما عزم عليه عبد الرحمن من هذه الهدنة، فأمره بالمضي في سبيل الفتح، وهدده بالعزل إذا هو لم يفعل، فائتمر عبد الرحمن والجيش الذي تحت قيادته بخلع الحجّاج، ثم نادوا بخلع عبد الملك، وبايعوا عبد الرحمن، وأقبلوا إلى العراق.
دارت حروب بين عبد الرحمن والحجّاج كانت عاقبتها أن انقلب
عبد الرحمن منهزماً إلى سجستان. لحق بكرمان، فلقي من عامله بها نزلاً مهيَّأً، ثم رحل إلى "زرنج"(1) فتنكر له عامله هنالك، وأغلق باب المدينة دونه، فانصرف إلى "بست"، وكان عامله عليها عياض بن هيمان، فاستقبله، ثم أوثقه في غفلة من قومه؛ لينال به عند الحجّاج قرباً وسلاماً، وكان (رتبيل) قد ركب لاستقبال عبد الرحمن، فنزل على "بست"، وهدد عياضاً، فأطلق سبيله، وحمله إلى بلاده، وأنزله في جواره.
تتابعت كتب الحجّاج إلى (رتبيل) في أن يبعث إليه عبد الرحمن، وكان من أثر هذه الكتب، وما تحمله من ترغيب وترهيب: أن بعث (رتبيل) بعبد الرحمن مقيداً إلى عمارة بن تميم؛ ليضعه في يد الحجّاج، فرمى عبد الرحمن بنفسه من سطح قصر، فهلك، وأرسل عمارة برأسه إلى الحجّاج.
نرى عرض هذه القصة على وجهها التاريخي كافياً لنقض ما يزعمه المؤلف من المشابهة بينها وبين قصة امرئ القيس، ومن أن قصة امرئ القيس موضوعة رمزاً لها.
وأول ما يخطر لك: أن عبد الرحمن بن الأشعث لم يقم للأخذ بثأر حجر بن عدّي، وتستبعد هذا الذي يدعيه المؤلف من جهة أن القرابة بين عبد الرحمن وحجر لم تكن من الشدة بحيث تحمل على الخوض في محاربة دولة ذات شوكة انتقاماً لها؛ فإن عبد الرحمن إنما يلتقي بحجر في الأب الخامس، وهو معاوية بن جبلة، ويضاف إلى هذا: أن القاتل لحجر معاوية ابن أبي سفيان، وصاحب الدولة يوم ثورة عبد الرحمن عبد الملك بن مروان، ويزاد على هذا: أن قتل معاوية لحجر كان في سنة 51 هـ، وثورة عبد الرحمن
(1) مدينة سجستان.