الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخبار رجالهم، لا يستطيع قريش أن يخلقوا رجلاً غير شاعر، وينحلوه شعراً لم يقله؛ إذ لا بدّ أن يكون هذا الشعر المنتحل معزوًا إلى رجال عرفوا بنظم الشعر؛ كعبد الله بن الزبعرى، وأبي عزة الجمحي، ونحوهما، والأشعار التي تنسب إلى من له شعر متداول يسهل على الحاذق في صناعة نقد الشعر تمييز حقها من مصنوعها، ثم إن ابن سلام نفسه يكاد يجعل ما انتحلته قريش في معنى مباراة الأنصار وحسان، فقد قال في "الطبقات" (1):"وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار، والرد على حسان".
وإذا كان المنتحل من شعر قربش يعود بجملته أو بمعظمه إلى مفاخرة الأنصار ومهاجاتهم، فإن ابن هشام قد نبَّه في "السيرة" على قسم كبير منه، ويحكي أن أهل العلم بنقد الشعر أنكروه، ووصفوه بالاصطناع. وإذا ثبت أن العلماء بنقد الشعر قد وضعوا شعر قريش تحت أنظارهم، وقلبوا فيه أذواقهم، وقاسوه بما عرفوا من أسلوب الشاعر، وما يناسب حال بلاغته، فالذي يغلب على الظن أن الباقي من شعر قريش بعد المطروح في "سيرة ابن هشام" وغيرها من كتب الأدب هو شعر ثابت النسبة إلى من يعزى إليهم، ونستمر على هذا الظن حتى يعمد المؤلف أو غيره إلى شعر بعينه، وينفيه عن صاحبه ببينة.
*
رواية ابن إسحق:
حكى المؤلف ما يراه ابن سلام من أن الرواة المصححين لم يحفظوا لطرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص إلا قصائد بقدر عشر، وأنه حُمل عليهما شعر كثير.
(1)(ص 62).
ثم قال في (ص 66): "ولكن ابن سلام لا يقف عند هذا الحد، بل هو ينقد ما كان يرويه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير في الشعر يضيفونه إلى عاد وثمود، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق. وأي دليل على ذلك أوضح من هذه النصوص القرآنية التي تثبت أن الله قد أباد عاداً وثمود، ولم يبق منهم باقية؟! ".
هذه شواهد يسوقها المؤلف على أن القدماء من علماء الأدب بذلوا مجهودهم في نقد الشعر الجاهلي، وأنهم ذهبوا في نقده مذاهب شتى، ألا ترى ابن سلام كيف جعل في الرواة مصححين، وهم الذين ينقدون ما يعزى إلى الشعراء من نظم، فيحفظون ما صحت نسبته إليهم، وينفضون أيديهم مما عداه؟ أو لا ترى الرواة كيف كشفوا عن حال ما يرويه ابن إسحاق، وأسقطوا جزءاً كبيراً من هذه الأشعار المنتحلة؟! قال ابن سلام: "وممن هجّن الشعر وأفسده، وحمل كل غثاء: محمد بن إسحاق مولى آل مخرمة ابن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به، فأحمله، ولم يكن له ذلك عذراً، فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر، ومن رواه منذ ألوف من السنين؟ والله يقول:{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} [النجم: 50 - 51].
وقال في عاد: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8].
وقال ابن النديم في وصف ابن إسحاق أيضاً: "ويقال: كان يُعمل له