الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني أهمية تفسير التابعين وأتباعهم
هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لأن بعض الباحثين لا يعتبر هذا المصدر، ويقع عنده تشكيك في اعتماده، فضلًا عن أهميته، ويمكن إجمال القول في هذا الأمر من خلال النقاط الآتية:
الأولى: أن التابعين وأتباعهم وعاءٌ لتفسيرات الصحابة.
التابعون وأتباعهم طريق إلى تفسير الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وقد كانوا وعاءً لتفسيراتهم، وحملوها لمن بعدهم.
ومن خَبَر الروايات، ووازن بينها، فإنه سيجد اتفاقات كثيرة بين تفسيرات التابعين وأتباعهم وتفسيرات الصحابة، وإن لم ينسبوها للصحابة.
وأقوال بعض التابعين في هذا المقام تدلُّ على ذلك، منها:
1 -
قال الترمذي (ت: 279 هـ): "وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا، أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم.
حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: ما في القرآن آية إِلا وقد سمعت فيها شيئًا"
(1)
.
2 -
وروى الطبري (ت: 310 هـ) بسنده عن الشعبي، قال:"واللَّه ما من آية إِلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن اللَّه"
(2)
.
الثانية: وهي ناشئة عن الأولى: أن المنهج الذي سلكه الصحابة في التفسير، والمصادر التي اعتمدوها لم تتغير عند التابعين وأتباعهم، فلم يبدلوا أو يزيدوا في
(1)
سنن الترمذي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، نشر: دار الغرب 5/ 50.
(2)
تفسير الطبري، ط. هجر 1/ 81.
ذلك، ولم يظهر عندهم مصادر أخرى غير التي كانت عند الصحابة، وهذا مما يُعزِّز أقوالهم في التفسير، ويقوِّي قبولها.
الثالثة: أن عدم اعتماد أقوالهم (اجتهادهم) يلزم منه انقطاع حلقة من حلقات التفسير، وهذا الانقطاع يلزم منه أنَّ فهم القرآن قد انقطع على الأمة، فيكون العصر الذي عاشه هؤلاء حلقة فرغ فيها علم التفسير، ولم يكن له من يتصدى له.
وهذا مع كونه خلاف الواقع؛ إذ المتصدون للتفسير في هاتين الطبقتين كثيرون إِلا أننا نجد من يهوّن من تفسير علماء هاتين الطبقتين، ويرى أنه غير ملزمٍ بأقوالهم
(1)
.
الرابعة: أن العلماء الذين دؤَنوا التفسير المأثور عن السلف
(2)
قد اعتمدوا النقل عن هذه الطبقات الثلاث، وتتابعهم على هذا الفعل إيناسٌ بحجيَّة هاتين الطبقتين مع الصحابة، واللَّه أعلم.
الخامسة: أن التابعين وأتباعهم في عصر الاحتجاج اللغوي، وكثير من التابعين ممن يُحتجُّ بكلامهم في اللغة، والآخرون منهم لم تُعهد عليهم عُجمة في الفهم العربي للقرآن، وأقلُّ أحوالهم -خصوصًا أتباع التابعين- أنهم نقلة للغة كحال كثير من اللغويين الذين اعتنوا بجمع اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175 هـ) وصنيعُه في كتاب "العين"، فهم مشاركون للغويين في سماع اللغة من العرب، وفي نقلهم لها من خلال تفسيراتهم اللغوية.
* * *
(1)
الحديث هنا عن النظر إلى التزام تفسير هاتين الطبقتين من حيث الجملة، ولا يعني أن قول الواحد منهم ملزمٌ، إِلا إذا لم يوجد له مخالف في عصره.
(2)
مثل الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ، وغيرهم.