الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في هذا الحديث فوائد مهمة متعلقة بهذا المبحث، من ذلك:
1 -
أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتفهمون ما نزل من القرآن بمقتضى لغتهم، ويُعملون أذهانهم في معرفة معناه، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن التفسير الاجتهادي (بالرأي) وجد منذ ذلك العهد
(1)
.
2 -
أن هناك تدارس لآيات القرآن كان يقع بين الصحابة، فإن أشكل عليهم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما احتاجوا إليه
(2)
.
3 -
أن تلك المدارسات قد تكون منذ العهد المكي، فسورتا الأنعام ولقمان من السور المكية
(3)
.
ومع هذا فتبقى مثل تلك الآيات التي أشكلت على الصحابة قليلة؛ مقارنة بما فهموه من تلقاء أنفسهم، ومن هنا كانت الآيات التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرًا صريحًا قليلة، والأحاديث النبوية في التفسير الصريح المباشر معدودة
(4)
، ولو تتبعت المقبول من تلك الأحاديث فهو قليل جدًّا، وبالتالي لا يسلم لك من الآيات التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرًا صريحًا إلا القليل المعدود
(5)
. واللَّه أعلم
*
أنواع التفسير النبوي:
تبيَّن لنا مما سبق أنه لم تكن هناك حاجة لأن يفسر النبي صلى الله عليه وسلم كل آيات القرآن وألفاظه؛ لوضوح عموم معانيه غالبًا إلا ما أشكل على الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهو ما يوصف بالتفسير الصريح.
إلا أن هناك جزءًا آخر من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وهو المتمثل في سُنَّته القولية والفعلية والتقريرية، فهي في عمومها تفسر القرآن، وهو ما يسمى بالتفسير غير
(1)
ينظر: شرح مقدمة في أصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار ص 43.
(2)
ينظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.
(3)
وقد وردت آثار تؤكد تدارس الصحابة للقرآن آنذاك، كحديث ابن مسعود رضي الله عنه:"كنا إذا تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آياتٍ من القرآن لم نتعلم العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها"، وقصة إسلام عمر، واجتماع المسلمين بدار الأرقم. ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص 48.
(4)
وقد جَمَعت هذه الموسوعة أحاديث التفسير النبوي الصريح وشبه الصريح؛ المكرر منها وغير المكرر، والصحيح والضعيف والمنكر والمرسل والمقطوع بل والموضوع فبلغت (2475) حديثًا، فسّرت (953) آية فقط من مجموع آي القرآن البالغ (6236)؛ أي: ما نسبته حوالي 15 % من آي القرآن.
(5)
مع ملاحظة أن أغلب هذه الآثار تفسير جزئي للآية وليس لكل الآية.
المباشر، أو التفسير غير الصريح، وهو المراد من قول الشافعي (ت: 204) رحمه الله: "جميع السُّنَّة شرح للقرآن"
(1)
، وهي أكثر بكثير من التفسير الصريح المباشر، ويلاحظ أن السيوطي رحمه الله ألمح إلى النوعين تطبيقًا، ففي كتابه الإتقان لما ختمه بمبحث طبقات المفسرين قال:"وإذ قد انتهى بنا القول فيما أردناه من هذا الكتاب فلنختمه بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفاسير المصرح برفعها إليه غير ما ورد من أسباب النزول لتستفاد فإنها من المهمات"
(2)
. ثم أورد حوالي 239 حديثًا مرفوعًا، وختم هذا المبحث بقوله:"فهذا ما حضرني من التفاسير المرفوعة المصرح برفعها صحيحها وحسنها، ضعيفها ومرسلها ومعضلها، ولم أعول على الموضوعات والأباطيل"
(3)
. وقصد بذلك التفسير النبوي الصريح، لكن لما جاء إلى تفسيره الدر المنثور حشد آلاف الأحاديث المرفوعة، متضمنة الأحاديث السابقة، فناهزت ثلث الكتاب، مما يدل أنه أراد أن يستقصي تفسير القرآن بكل ما ورد في السُّنَّة من تفسير نبوي صريح أو غير صريح
(4)
، فيتضمن ذلك ما يجتهد المفسر في وصل حديث بتفسير آية لما يلمح بينهما من صلة معينة، أو لما تتضمنه الأحاديث من فضائل ومواعظ متصلة بموضوع الآية، ولا شك أن هذا باب واسع جدًّا، ويصعب استيعابه، إضافة إلى اختلاف أنظار المفسرين فيه؛ فمن مكثر كابن مردويه والسيوطي في الدر المنثور، ومن مقلٍّ كابن جرير، ومن متوسط بين ذلك كابن أبي حاتم وابن كثير
(5)
.
(1)
ينظر: الرهان في علوم القرآن 1/ 6، الإتقان في علوم القرآن 4/ 28، ط. المجمع 5/ 1906، وينظر في تعضيد ذلك: مجموع فتاوى ابن تيمية 17/ 431 - 432، الموافقات للشاطبي 3/ 230، ت: مشهور سلمان.
(2)
الإتقان، ط. المجمع 6/ 2347.
(3)
الإتقان، ط. المجمع 6/ 2451.
(4)
سبقه في هذا المقصد الحافظ ابن مردويه في تفسيره المفقود، والذي خالف نظراءه من نقلة التفسير المأثور -كابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم- في التوسع فيه والعناية به دون العناية بآثار الصحابة، بينما ندرت لديه آثار التابعين، ولا تكاد تجد شيئا عن أتباعهم، وقد تقدم ذلك عند الحديث عنه في مصادر الموسوعة، وينظر: الإمام ابن مردويه ومنهجه في تفسيره، د. محمد بن عبد اللَّه الخضيري، مجلة الدراسات القرآنية، ع 3، ص 42.
وقد أفاد ابن كثير والسيوطي كثيرًا من تفسيره في هذا الباب.
(5)
ومن هنا لم ننهج استقصاء هذا الباب في هذه الموسوعة واستيعابه، وحاولنا التوسط فهذبنا كثيرا مما أورده السيوطي مما رأينا أن صلته بتفسير الآية بعيدة. ينظر: منهج الموسوعة (اللجنة الإشرافية بالموسوعة).