الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومما يجدر ذكره أن في خلافته علا نجم ابن عباس في علم التفسير، بتصديه له في مجامع جديدة كالكوفة والبصرة، خصوصًا بعد مناظرته الخوارج وإقناع أغلبهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين.
*
معالم التفسير في عهد كبار الصحابة:
من خلال ما سبق من دراسة تاريخية للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين يمكننا تجلية أبرز معالم التفسير في ذلك العهد الراشد، وذلك في النقاط التالية:
أولًا: ظهور مجالس التفسير، وما يمكن وصفه بالتعليم المنظم، حيث كان لبعض الصحابة مجالس خاصة للتفسير، كعمر وابن مسعود رضي الله عنهما
(1)
. وترتب على ذلك آثار من أهمها: أن التفسير صار علمًا مستقلًّا قائمًا بذاته.
ثانيًا: بروز بعض مصادر التفسير: ويتجلى ذلك فيما يلي:
1 -
بروز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، وبروز القول بالرأي المحمود، بل والتشجيع على الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس رضي الله عنهم.
2 -
بروز بدايات التفسير اللغوي ووضع أسسه، كما تقدم في توجيهات عمر رضي الله عنه.
3 -
ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير، وهذا من خلال سؤالات الصحابة لبعض أهل الكتاب ومن أسلم منهم، كسؤالات ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما لكعب الأحبار، ومن خلال رجوع بعضهم لكتب أهل الكتاب، كما وقع من عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ولكن كان هذا قليلًا بالنسبة للعصور التالية.
4 -
مما سبق يمكن القول: إن للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين مصدرين رئيسين: السُّنَّة، والاجتهاد، وكل منهما مصدر كلي، سواء في تفسير آي الأحكام أو الأخبار. ومصدر ثالث جزئي متعلق بآي الأخبار؛ وهو الإسرائيليات.
ثالثًا: الاشارة إلى مسائل متعلقة بالخلاف في التفسير وضوابط القبول والترجيح فيه: من ذلك:
1 -
بروز الاستدراك على القول الضعيف أو المرجوح في التفسير، كما تقدم في تنبيه أبي بكر رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، وفي استدراك عليٍّ رضي الله عنه على ابن عباس في تفسير العاديات.
(1)
وسيأتي مزيد أمثلة وإيضاح في مسألة طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف.
2 -
بروز الاحتمالات المتعددة للنص القرآني، واختلاف التنوع في تفسيراتهم، كما رأينا في تفسير العاديات بين علي وابن عباس رضي الله عنهما، بل والتنبيه على أهمية معرفة ذلك، يتضح ذلك في قول أبي الدرداء رضي الله عنه:"إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا"
(1)
.
3 -
ظهور مبادئ الترجيح، باعتماد الأحوال المتعلقة بالتنزيل، كما في قصة تفسير العاديات.
4 -
التنبيه على ضابط قبول أخبار أهل الكتب السابقة عن أمور الغيب، كما يتضح من رد عليٍّ رضي الله عنه على جواب اليهودي حين سأله: أين جهنم؟
رابعًا: بيان بعض آداب المفسر والعلوم التي يحتاجها: من ذلك:
1 -
التحذير من الخوض في تفسير القرآن بغير علم، مع تطبيق ذلك واقعيًّا، يتضح ذلك من قول أبي بكر رضي الله عنه:"أيّ أرضٍ تقلني، وأيّ سماءٍ تظلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم"، وموقف عمر رضي الله عنه عندما قال في قوله تعالى:{وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 28 - 31] كل هذا قد علمناه، فما الأب؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب. قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه
(2)
.
2 -
التنبيه على أهمية إلمام المتصدي للتفسير ببعض علوم القرآن كالناسخ والمنسوخ، كما يتضح ذلك من موقف علي مع الرجل القاص.
خامسًا: ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد عمر، والتوسع في ذلك في عهد علي، من خلال تجرؤ بعض أهل الأهواء، بسبب الظروف والأحوال التي اكتنفت مدة خلافته.
سادسًا: ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد، ومن ثَمَّ بداية وقوع الانحراف في التفسير، وذلك في أواخر خلافة علي رضي الله عنه
(3)
.
(1)
طبقات ابن سعد 2/ 357، وفي تفسير البغوي 1/ 46:"قال حمادٌ: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء رضي الله عنه؟ فجعل يتفكر فقلت: هو أن ترى له وجوهًا فتهاب الإقدام عليه فقال: هو ذلك، هو ذاك".
(2)
تفسير ابن جرير 24/ 123.
(3)
سيأتي مزيد تفصيل وأمثلة لذلك في مبحث "أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف".
سابعًا: كان التفسير قائمًا على الرواية الشفهية كسائر علوم الشريعة، ثم دوّن ضمن ما دوّن من السُّنَّة، ومن هنا لم يظهر تدوين خاصٌ بالتفسير.
ثامنًا: تدرج التوسع في التفسير وتطوره حسب حاجة الناس إلى ذلك، وكلما بعد الزمان والمكان عن عهد النبوة ومنازل الوحي كانت الحاجة أشد، يظهر ذلك جليَّا من خلال الموازنة بين عهد أبي بكر رضي الله عنه، وعهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي تصدى للتفسير بعد انتقاله إلى الكوفة، وبادر إلى توضيح بعض معاني القرآن، عندما رأى حاجة الناس إلى ذلك.