الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثانى القرائن المختصة بمرويات التفسير وأثرها
لما كانت الرواية نشاطًا إنسانيًّا لم يكن من الممكن إخضاعها لمقاييس مادية ومعادلات رياضية، ولذا فإن قواعدها العامة وأطرها الكلية هي الشيء الثابت الوحيد الذي تنتظم كل الجزئيات في فلكه، وتدور في إطاره وتبقى هذه الجزئيات داخل هذا الفلك متفاوتة في صعودها ونزولها وشدتها وضعفها، كما سبق التأكيد على ذلك، وهذا التفاوت منشؤه وسببه القرائن المحتفة بالرواية والراوي، وهذه القرائن هي التي تكون دقة الحكم النقدي بالصحة أو الضعف مؤسسة عليها؛ فهي بمثابة ميزان الذهب البالغ أعلى درجات الدقة في وزن ذرات الذهب الصغيرة قبل أجزائه الكبيرة، ولذا من أغفل هذه القرائن ولم ينتبه إليها ولم يستعملها في محلها؛ فلن يفهم منهج النقاد فضلًا عن أن يطبقه. وبعض ما يأتي من قرائن يؤثر في الحكم بالثبوت، أو يبيّن طريقة وآلية الحكم بالثبوت، أو يبين الثبوت عن مجموع السلف لا عن فرد منهم بعينه، أو يبين كون الخطأ المخوف منه مندفع عن معنى الرواية، فيثبت به صحة مضمونها وإن كنا لا نستطيع الحكم بثبوتها.
وهذه القرائن في الجملة؛ منها ما يكون مشتركًا بين المرويات كافة، ومنها يختص بعلم دون علم أو برواية دون رواية أو براوٍ دون راوٍ، وسيعرج البحث على بعض ما يتعلق بمرويات التفسير منها وإن كان بعضها قد يتعلق به وبغيره:
*
القرينة الأولى: الاختصاص:
والمقصود به اختصاص الشخص بعلم ما أو براوٍ معين أو بمرويات بلد معين، وهذه سُنَّة جارية في عموم الخلق بحكم العجز البشري عن بلوغ الغاية وتحصيل البراعة في كل الفنون والعلوم، فقد نقل الذهبي كلام النقاد في عاصم بن أبي النجود ثم قال: "كان عاصم ثبتًا في القراءة، صدوقًا في الحديث، وقد وثقه: أبو زرعة،
وجماعة، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال الدارقطني: في حفظه شيء -يعني: للحديث لا للحروف- وما زال في كل وقت يكون العالم إمامًا في فن مقصرًا في فنون. وكذلك كان صاحبه حفص بن سليمان ثبتًا في القراءة، واهيًا في الحديث، وكان الأعمش بخلافه، كان ثبتًا في الحديث، لينًا في الحروف؛ فإن للأعمش قراءة منقولة في كتاب "المنهج" وغيره، لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر"
(1)
.
وهو كلام محرر جمع فيه الذهبي بين أكثر من شخص بلغ من الثقة والقوة في فنٍّ وصار عمدة فيه ولم يبلغ تلك المنزلة في الفن الآخر.
واختصاص الراوي بعِلْمٍ ما وكثرة اشتغاله به، أو بشيخ ما وكثرة ملازمته له قرينة من أهم القرائن التي يسلط النقاد عليها أنظارهم ويبنون أحكامهم؛ ذلك أن اختصاص الراوي دافع للخطأ المظنون من قِبَله، ومسوغ لقبول روايته الحاصل فيها الاختصاص وتصحيحها بل للاحتجاج بها، لأن الضعف المجروح من قبله الراوي إنما هو حكم عام على مروياته في الجملة، يستثنى منه المرويات التي قوّت القرائن المساندة لها صحتها وعدم تسلل ما عند الراوي من خلل إليها.
وهذه القرينة كما هو واضح لا تقتصر على الاختصاص بمرويات التفسير فحسب؛ بل تشملها وتشمل غيرها، وإنما ننبه على التفسير من ذلك خاصة لخصوصية البحث.
وقد نصَّ الخطيب البغدادي على أثر هذه القرينة في التفسير، فقال:"إِلا أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير، فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات؛ لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه"
(2)
.
فقد بيَّن الخطيب أن سوء الحفظ المجروح به الراوي لا ينسحب على كل مروياته، بل يستثنى منها ما كثر اشتغال الراوي به وطال اختصاصه به، لكون طول الاختصاص وكثرة الاشتغال دافعة للخطأ المخوف من قبل سوء الحفظ غالبًا.
قال الطريفي: "فينبغي على المتعلم لهذا الباب أن يعلم أن بعض الرواة في التفسير لا يكون له عناية إِلا بشخص واحد، فعليه المدار، سواء ممَّا لا ينسبه من
(1)
سير أعلام النبلاء 5/ 260.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي 2/ 194.