الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما
(1)
، إِلَّا أن هذا المسلك تلاشى أو قلَّ عند من جاء بعدهم من صغار التابعين أو أتباعهم كما سيأتي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن اختلاف مسلك الكوفيين عن مسلك المكيين في طريقة التفسير أدى إلى اجتهاد بعض المعاصرين إلى عزو ذلك إلى مدارس تفسيرية عند السلف مختلفة المنهج، ومتباينة المسلك، ينتسب كل منها إلى مصر من أمصار المسلمين، ولكل مشايخ وتلاميذ اقتفوا أثرهم، وساروا على نهجهم، وربما حاد البعض عن نهج أهل بلده واقتفى نهج غيرهم، ولعله يحسن البحث عن حقيقة ذلك في المسألة التالية، لتعلقه بتاريخ التفسير تعلقًا كبيرًا.
*
هل وُجدت مدارس تفسيرية عند السلف
؟
شاع لدى المعاصرين وفي المؤلفات الحديثة في تاريخ التفسير وجود مدارس تفسيرية ظهرت في عهد الصحابة، أسس كل مدرسة منها أحد كبار مفسري الصحابة، وتخرج فيها تلاميذه من التابعين، فنصروا منهجه، وأشاعوا خصائص مدرستهم
(2)
، وهي ثلاث مدارس:
الأولى: المدرسة المدنية (أو مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ بالمدينة)، وأشهر تلاميذها: أبو العالية (ت: 93 هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: 117 هـ)، وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ).
الثانية: المدرسة المكية (أو مدرسة ابن عباس بِمَكَّة)، وأشهر تلاميذها: سعيد بن جبير (ت: 95 هـ)، ومجاهد (ت: 102 هـ)، وعكرمة (ت: 105 هـ)، وطاووس (ت: 106 هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت: 114 هـ).
الثالثة: المدرسة الكوفية (أو مدرسةُ ابن مسعود في العراق)، وأشهر تلاميذها:
(1)
فعن عبيد اللَّه بن عمر، قال:"لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع". تفسير ابن جرير 1/ 79.
(2)
ينظر: كتاب التفسير والمفسرون 1/ 110، للدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله، ولعله من أوائل من استعمل هذا المصطلح في تاريخ التفسير، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين، وقد استظهر هذا التصنيف من قول ابن تيمية:"وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن وهب".
علقمة بن قيس (ت: 62 هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: 63 هـ)، والشعبي (ت: 105 هـ)، والحسن البصري (ت: 110 هـ)، وقتادة (ت: 117 هـ).
وقد عارض هذا المصطلح بعض المتخصصين
(1)
، ورأى البعض ألا مشاحة في الاصطلاح
(2)
، وأكثر المعاصرين على الأخذ به، بل إن منهم من زاد عليه وفزع أحكامًا ومناهج خُصَّت بها كل مدرسة، على نحو المذاهب الفقهية، ثم أورد مفارقات بين بعض من ينتمي إلى هذه المدارس ويخالفها إلى منهج مدرسة أخرى، وبدل أن يدرس أصل المصطلح ويناقشه أخذ يعلل لمخالفة ذلك الشخص لمنهج مدرسته، بكونه رحل أو احتك بالمدرسة الأخرى.
وفي أصل هذا التقسيم ملاحظات أودت إلى نحو تلك المفارقات، ولعلنا نناقش ذلك في النقاط التالية:
1 -
من المعلوم أن المدارس أو المذاهب تمتد لأجيال وقرون كما هو الحال في مدرستي النحو، أو المذاهب الفقهية، لكن بالنظر إلى ما عُرف بمدارس التفسير نجد أن امتدادها لا يتجاوز طبقتين من طبقات التابعين، فما عُرف بالمدرسة الكوفية وتهيبها من التفسير كان في طبقة كبار التابعين وبعض أواسطهم، ثم اضمحل ذلك المنهج في الطبقات التي تلتهم كأبي صالح والسدي، وكذا أتباعهم كالكلبي، وهكذا الحال فيما يعرف بالمدرسة المدنية فقد جاء في أواخر عهد التابعين منهم من توسع في التفسير واجتهد فيه كمحمد بن كعب القرظي (ت: 117 هـ)، وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ)، ثم كان ذلك ظاهرًا في طبقة أتباع التابعين خصوصا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: 182 هـ).
2 -
لم يتضح مؤسس مدرسة المدينة ولا تلاميذها
(3)
.
(1)
ينظر: حول مصطلح "مدارس التفسير"، للدكتور مساعد الطيار، ضسن كتابه: مقالاتٌ في علوم القرآن وأصول التفسير ص 295، استدراكات السلف في التفسير، للدكتور نايف الزهراني، ص 451.
(2)
ينظر: جواب عاجل حول "مدارس التفسير"، للدكتور عبد الرحمن الشهري على موقع أهل التفسير، تحت الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir 1430/#.U 3 H 7 XIGqnwI
وينظر المناقشات حول مجث "موقف مفسري مدرسة مكة من الروايات الإسرائيلية"، للدكتور أحمد العمراني، على الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir 21440/#post 116069
(3)
قال د. الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون 1/ 86: "إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَي بن كعب، الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره في التفسير، وكثرة ما نُقل لنا عنه في ذلك". لكن عند الخظر فيما وصلنا من آثاره نجد أنه لم يرد لأُبَيّ إِلا القليل من آثار =
3 -
أورد أغلب القائلين بمدارس التفسير المدرسة الثالثة بمسمى مدرسة العراق وأنها نشأت على يد ابن مسعود رضي الله عنه، دون التفريق بين مدينتي الكوفة والبصرة، بل ربما ضموا مفسري المدينتين تحت مدرسة ابن مسعود رضي الله عنه
(1)
، مع أنه عند الموازنة بين مفسري كلا المدينتين نجد أنه لا علاقة مباشرة بينهم من حيث الأثر والتأثير -مع قرب المدينتين من بعضهما! -، إذ إن أشهر مفسريها أبا العالية والحسن وقتادة لم يتتلمذوا على ابن مسعود أو يكون لتلاميذه أثر واضح فيهم، وعليه لا يصح إلحاق البصرة بمدرسة ابن مسعود، علمًا أن مفسري البصرة أكثر مفسري الأمصار نتاجًا في التفسير بعد أهل مكة لمشابهة طريقتهم للمكيين، مما يرجح الرأي بإفرادها كمدرسة مستقلة
(2)
، لكن يأتي السؤال: مَن شيخ هذه المدرسة من الصحابة؟ وأين طلابه بعد ذلك؟ !
4 -
نقل د. الذهبي أن ابن مسعود هو مؤسس طريقة الكوفيين في الاعتداد بالرأي حيث لا يوجد النص، وأن أهل العراق امتازوا بأنهم أهل الرأي بناء على أن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال لمسائل الخلاف، وتوارثها عنه علماء العراق، ثم ذكر أن تلك الطريقة أثَّرت في مدرسة التفسير بالكوفة، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية نتيجة من نتائج إعمال الرأي في فهم نصوص القرآن والسُّنَّة
(3)
، لكن هذا يناقض ما اشتهر عن كبارهم من التورع عن التفسير، ومن هنا صحح آخرون القضية فأثبتوا لأهل الكوفة منهج التورع عن التفسير، وهو أيضًا يناقض ما عُرف عن الكوفيين من إعمال الرأي في مسائل الخلاف والأحكام ووضع أصوله التي كانت اللبنة الأولى لمذهب الأحناف، فكيف يجمع بين الأمرين؟ !
= التفسير أو المتعلقة بأصوله -وهذا لا يقلل من مكانته في العلم وعلو كعبه في علوم القرآن مما هو معروف عنه- ولا نجد من روى عنه إِلا أبا العالية البصري، المدني الأصل، فأين تلاميذ هذه المدرسة؛ نعم ذكروا -إضافة إلى أبي العالية- محمد بن كعب القرظي (ت: 117 هـ)، وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ) لكنهما لم يدركا أُبي بن كعب ولم يأخذا عنه! فإن قيل: بينهم واسطة! نوقش: من هي تلك الواسطة؟
وربما لاحظ بعضهم هذا الإشكال فجعل زيد بن ثابت رضي الله عنه رأس هذه المدرسة، مع أنه أيضًا من أقل الصحابة آثارًا في التفسير كما سيأتي في خاتمة مبحث "مفسرو السلف ومقدار تفسيرهم". ينظر: تفسير التابعين 1/ 505 - 510.
(1)
ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 88.
(2)
وهو الذي قرره مصنف كتاب تفسير التابعين، ورأى أنها نتيجة مهمة، لم يوردها من قبله، ينظر: 1/ 22.
(3)
ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 64، 89.