الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا سعيد بن جبير (ت: 95 هـ)
(1)
سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، الوالبي مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفي، "الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر"
(2)
، من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين.
روى عن: ابن عباس -فأكثر وجوَّد- وعن ابن عمر، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري. وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
قرأ القرآن على: ابن عباس.
وقرأ عليه: أبو عمرو بن العلاء، والمنهال بن عمرو، وغيرهم
(3)
.
وحدث عنه: أيوب السختياني، وجعفر بن أبي المغيرة، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وسليمان الأعمش، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
*
مكانته في التفسير وآثاره:
لازم سعيد بن جبير شيخه ابن عباس فأخذ عنه التفسير، وروى عنه حتى فاق أقرانه، قال علي بن المديني:"ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير. قيل: ولا طاووس؟ قال: ولا طاووس، ولا أحد". ومن شدة تعلقه بابن عباس كان يتردد عليه من الكوفة إلى مكة كل سنة، حتى أنه ربما رحل إليه لأجل مسألة واحدة
(4)
. وقد ظهر أثر تلك الملازمة في كثرة رواياته تفسير ابن عباس، حتى كان أكثر أصحابه الملازمين له رواية عنه
(5)
.
(1)
ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال 10/ 364، تاريخ الإسلام 2/ 1100، سير أعلام النبلاء 4/ 423، غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 305، تفسير التابعين: 1/ 137.
(2)
سير أعلام النبلاء 4/ 423.
(3)
غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 305.
(4)
ينظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} 5/ 182. صحيح مسلم 4/ 2317.
(5)
ينظر: تفسير التابعين 1/ 148.
أما تفسيره الاجتهادي فيُعَدُّ من أكثر تلاميذ ابن عباس تفسيرًا بعد مجاهد، وقد بلغت آثاره في الموسوعة (1735) أثرًا، ولعل من أهم أسباب ذلك ما يلي
(1)
:
1 -
ملازمته لابن عباس وكثرة أخذه عنه، كما تقدم.
2 -
كتابته للتفسير سواء أثناء الطلب عن ابن عباس، أو بعد ذلك، كما في الصحيفة التي كتبها لعبد الملك بن مروان بطلب منه، وهذه الصحيفة تُعَدّ من أقدم مدونات التفسير التي تدل على أن التفسير دوَّن في وقت مبكر
(2)
.
3 -
تصدره للناس وتصديه للتفسير وحرصه على نشر علمه، فقد رُوي عنه قوله:"وددت أن الناس أخذوا ما عندي، فإنه مما يهمني". وقال أيضًا: "لأن أنشر علمي، أحب إليَّ من أن أذهب به إلى قبري"
(3)
.
4 -
اعتناؤه بتفسير آيات الأحكام، بخلاف أقرانه المكثرين من تلاميذ ابن عباس كمجاهد وعكرمة.
5 -
كثرة روايته للإسرائيليات، أيضًا بخلاف أقرانه من تلاميذ ابن عباس، ويظهر أنه تأثر بشيخه في ذلك.
6 -
تميزه بالتفسير التحليلي للآية
(4)
. وهو منهج مخالف لطريقة المتقدمين في التفسير التي كانت تقتصر على تفسير ما يحتاج إلى تفسير دون باقي الألفاظ وسائر الآيات.
وفي المقابل هناك أسباب أخرى كان لها الأثر في قصور آثاره التفسيرية عن بلوغ مرتبة الطبقة الأولى والثانية من المكثرين في التفسير، وتقدم بعض مفسري السلف عليه، لعل من أبرزها:
(1)
ينظر: تفسير التابعين 1/ 148.
(2)
يراجع: مبحث مراحل تدوين التفسير، وكذلك الحاشية بعد التالية.
(3)
ينظر: تهذيب الكمال 10/ 367، سير أعلام النبلاء 4/ 326.
(4)
وهذا بارز في النسخة التي يرويها عنه عطاء بن دينار، وعطاء لم يسمع من سعيد مباشرة، وانما وجد في الديوان بدمشق صحيفة التفسير التي كتبها سعيد بن جبير لعبد الملك بن مروان بطلب منه، فروى منها. ينظر: الجرح والتعديل 3/ 331. وقد اعتنى ابن أبي حاتم برواية عطاء عن سعيد، ويظهر أن ما يرويه هو من تلك الصحيفة، ولو وصلنا تفسير ابن أبي حاتم كاملًا لأمكن جمع هذه الصحيفة كلها أو جلها! وقد أورد ابن أبي حاتم عشرات الروايات من هذه الطريق -كما سترى في الموسوعة-، بينما لم يورد ابن جرير منها إِلا في ثلاثة مواضع فقط! ولعل هذا كان سببًا في كون آثار سعيد بن جبير التفسيرية عند ابن أبي حاتم أكثر منها عند ابن جرير. ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص 320.
1 -
عدم استفراغ علمه للتفسير كما كان مجاهد وعكرمة ومقاتل بن سليمان، بل كان رحمه الله مشاركًا في القراءات والفقه والحديث رأسًا في كل منها. لذا وصفه الذهبي بأنه، "الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر"
(1)
.
2 -
كثرة اشتغاله برواية تفسير شيخه ابن عباس، وهذا بخلاف مجاهد رحمه الله.
3 -
دخوله في فتنة ابن الأشعث الذي خرج على الحجاج بن يوسف عام 82 هـ، ثم بعد انكسارهم ظل سعيد متخفيًا من الحجاج متواريًا عنه، ومتنقلًا في مختلف البلاد قال الذهبي:"خرَج مع ابن الأشعَث على الحجَّاج، ثُمَّ إنَّه اختَفَى وتَنَقَل في النَّوَاحِي اثنَتَيْ عَشْرة سنةً"
(2)
. ولا شك أن لذلك تأثيرًا كبيرًا في قلة تصديه لنشر العلم والتصدر للناس.
4 -
قِصر عمره مقارنة بأقرانه من تلاميذ ابن عباس، حيث قبض الحجاج عليه وقتله صبرًا وظلمًا عام 95 هـ
(3)
.
5 -
عدم وجود تلاميذ اختصوا بنقل آثاره ورواياتها، وإن كان عطاء بن السائب من أكثرهم، لكن لا تبلغ عنايته بمرويات شيخه كعناية ابن أبي نجيح بتفسير مجاهد، أو سعيد بن أبي عروبة بتفسير قتادة، واللَّه أعلم.
(1)
سير أعلام النبلاء 4/ 423. وينظر في ترجمته: تهذيب الكمال 10/ 364، تاريخ الإسلام 2/ 1100.
(2)
تاريخ الإسلام 2/ 1101.
(3)
اشتهر أن عُمر سعيد حين قتل كان 49 عامًا -ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 275، وغيرها- ولكن هذا أمر مستبعد! لأنه على هذا القول سيكون مولده عام 46 هـ، وسيكون عمره عند وفاة ابن عباس (ت: 68 هـ) 22 سنة! فأين طول ملازمته لابن عباس وكثرة ترحله إليه وإفتاؤه بين يديه، وتوجيه ابن عباس الناس لسؤاله في مثل هذه السن؟ ! ! أيضًا على هذه السن إذا ما قورن سعيد بأصحاب ابن عباس الآخرين يكون أصغر منهم بما يقارب العقدين! فكيف يُقرن بهم؛ وهو دونهم بكثير! ! ومن هنا لما ذكر الذهبي هذا القول ردَّه فقال: ". . . ومن زعم أنه عاش تسعًا وأربعين سنة لم يصنع شيئًا، وقد مر قوله لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين. فعلى هذا يكون مولده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ينظر: سير أعلام النبلاء 4/ 341، تاريخ الإسلام 2/ 1102؛ أي: أنه ولد في حدود عام 38 هـ، واللَّه أعلم.