الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا قتادة بن دعامة (ت: 117 هـ)
(1)
قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي، البصري، الضرير، الأكمه. مولده في سنة ستين
(2)
، وعداده في صغار التابعين.
روى عن عبد اللَّه بن سرجس، وأنس بن مالك، وأبي الطفيل رضي الله عنهم، كما روى عن أبي العالية، وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي، ومطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، والشعبي، والحسن البصري.
*
مكانته في العلم والتفسير:
كان قتادة من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو رأسٌ في الحديث والتفسير والخلاف، فعن أحمد بن حنبل أنه ذكر قتادة فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، وغير ذلك، وجعل يقول:"عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء"؛ ووصفه بالحفظ والفقه
(3)
، وقال الذهبي عنه:"حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين"
(4)
. وقال أيضًا: "وكان قتادة أيضًا رأسًا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها"
(5)
. ولا شك أن لهذه الأمور أثرًا في كثرة تفسيره، خصوصًا أنه سمع الكثير في التفسير حتى قال عن نفسه:"ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا"
(6)
.
*
مقدار تفسير قتادة وأسباب كثرته:
بلغت آثاره التفسيرية في الموسوعة (5726) أثرًا، فكان أكثر التابعين تفسيرًا
(1)
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد 7/ 229، تهذيب الكمال 23/ 498، تاريخ الإسلام 3/ 301، سير أعلام النبلاء 5/ 269، تهذيب التهذيب 8/ 351، تفسير التابعين: 1/ 252.
(2)
سير أعلام النبلاء 5/ 269.
(3)
تهذيب الكمال 23/ 515.
(4)
سير أعلام النبلاء 5/ 269.
(5)
تاريخ الإسلام 3/ 303.
(6)
تهذيب الكمال 23/ 511، تاريخ الإسلام 3/ 302.
لآيات القرآن على الإطلاق
(1)
، مع أنه ليس بأشهرهم لأسباب عدة، نوجز أبرزها فما يلي:
1 -
ما تقدم من قوة حافظته، وكثرة ما سمع في التفسير. وهذا يعلل كثرة مروياته في التفسير، ونزول الآيات، والنسخ، واستشهاده بالسُّنَّة وأقوال المتقدمين أثناء تفسيره، حتى فاق أقرانه من التابعين.
2 -
تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، فقد أخذ عن أهل بلده بالبصرة، خصوصًا أنس بن مالك رضي الله عنه، وكذلك الحسن البصري الذي لازمه ثنتي عشرة سنة
(2)
، حتى تأثر به في طرح التفسير بأسلوب وعظي ومنهج تربوي مؤثر. كذلك رحل خارج البصرة فأخذ عن سعيد بن المسيب بالمدينة فكان مِن أكثر مَن روى تفسيره.
3 -
عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم سعيد بن أبي عروبة (ت: 156 هـ)، الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (2938) رواية، يليه معمر بن راشد (ت: 153 هـ) الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (1464) رواية.
4 -
عدم دخوله في الفتن، مع أنه من أهل العراق الذي كان مصدرًا للفتن والقلاقل آنذاك، والتي كان من أشدها فتنة ابن الأشعث، فلم يشارك قتادة في مثل تلك الفتن بل كان على منهج شيخه الحسن البصري، في البعد عنها والسلامة منها.
5 -
تقدمه في اللغة، وعلومها، ومن هنا تميز تفسيره بالاستشهاد بالشعر وبيان اشتقاق الألفاظ ومعاني لغات العرب، كما تميز أسلوبه بجزالة الألفاظ، وجمال العبارة، وبلاغة القول.
في المقابل كانت هناك أمور يتوقع أن تؤثر في تفسير قتادة لكن لم يحصل شيء من ذلك
(3)
! من أبرزها:
1 -
قوله بالقدَر: قال ابن سعد عن قتادة: "كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث،
(1)
المشهور في كتب تاريخ التفسير والتراجم أن مجاهدًا هو أكثر التابعين آثارًا في التفسير، وهذا صحيح من جهة كثرة روايات تفسيره وطرقه المختلفة؛ خصوصًا عند ابن جرير، لكن بالنظر إلى كثرة الآيات المفسَّرة وكثرة الأقوال المختلفة في التفسير فقد كشفت الموسوعة أن قتادة يفوقه في ذلك، والناظر في تفسير كثير من الآيات في هذه الموسوعة لا يكاد يجد لمجاهد قول فيها، بينما ينفرد قتادة عنه بتفسيرها، واللَّه أعلم.
(2)
تهذيب الكمال 23/ 514.
(3)
وهذا يستدعي دراسةً وافيةً لبيان أسباب عدم تأثر قتادة بذلك، بينما في المقابل تأثر غير قتادة بمثل تلك الأسباب -كعكرمة ومقاتل بن سليمان والكلبي وغيرهم- بقلة ما روي عنه في التفسير مع شهرتهم فيه.
وكان يقول بشيء من القدر"
(1)
، وقال العجلي:"كان يقول بشيء من القدر، وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه"
(2)
، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس الذي كان إذا أتاه قتادة فرَّ منه
(3)
؛ لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال الذهبي عنه:"وكان يرى القدر -نسأل اللَّه العفو-، ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل اللَّه يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، واللَّه حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغفر له زلله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"
(4)
. وهذا الذي قاله الذهبي هو موقف الأئمة تجاه تفسير قتادة ومروياته، فقد تناقله نقلة التفسير وسُوِّدَت بمروياته كتب التفسير المأثور فكان من أكثر التابعين آثارًا في التفسير.
ومع كل ما قيل فقد جاء عنه روايات في التفسير تخالف هذا المعتقد مما يدل على رجوعه عن ذلك، واللَّه أعلم.
2 -
عدم التفرغ للتفسير، فقد كان رحمه الله رأسًا في علوم عدة كما تقدم.
3 -
لم يُعمَّر طويلًا! مقارنة بمفسري التابعين المكثرين الآخرين. قال الذهبي: "ومات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة بواسط، وله سبع وخمسون سنة رحمه الله"
(5)
.
4 -
الجمع بين الرواية والدراية، فقد روى كثيرًا من تفسير الحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقبلهم تفسير ابن مسعود رضي الله عنه
(6)
.
5 -
قلة الاجتهاد والقول بالرأي، ومن هنا جاء عنه قوله:"ما أفتيت بشيء من رأيي منذ عشرين سنة"
(7)
.
(1)
الطبقات الكبرى 7/ 229.
(2)
الثقات للعجلي ص 389.
(3)
شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة 4/ 704.
(4)
سير أعلام النبلاء 5/ 271.
(5)
تاريخ الإسلام 3/ 302. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام 117 هـ.
(6)
ينظر: تفسير التابعين 1/ 282.
(7)
تاريخ الإسلام 3/ 302. وفي رواية أخرى: ما أفتيت برأيي منذ ثلاثين سنة. وعن أبي هلال قال: سألت قتادة عن مسألة، فقال: لا أدري. فقلت: قل برأيك. قال: ما أفتيت برأيي منذ أربعين سنة. ينظر: تهذيب الكمال 23/ 509.