الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد نبّه على أن تعدد الطرق وتوافقها على الإخبار عن المعنى طريق للجزم بثبوت هذا المعنى وصحته، وإن كان كل طريق منها ضعيفًا باستقلاله، ومثل هذا التعدد لا تضبط به الألفاظ والدقائق فهذا شأنه شأن آخر، وأما ما كان النظر فيه للمعنى المنقول دون مجرد اللفظ كالتفسير، فإنَّ تعدُّدَ الطرق الضعيفة ضعفًا محتملًا في مثله كافٍ لإثبات المعنى المنقول والجزم به عن السلف؛ وإن لم يمكن الجزم بنسبته لآحادهم.
*
القرينة الرابعة: ليس كل اختلاف في الموقوفات اضطراب:
يقول الطريفي: "ينبغي أن لا تعامل مرويات التفسير المترددة بين الوقف على صحابي والقطع على تابعي من أصحابه، كما تعامل المرويات الأخرى المترددة بين الرفع والوقف للفرق في ذلك، فكثيرًا ما تتداخل مرويات التفسير بين ابن عباس وأصحابه، فيظن بعض من لا عناية له أن هذا علة اضطراب، تارة يوقف وتارة يقطع
(1)
، وهذا غير صواب؛ فالمفسرون من التابعين كثيرًا ما يقولون بقول شيوخهم من الصحابة ولا يرفعون إليهم
(2)
، بل قد ينسب تابع التابعي الرواية للتابعي ولا ينسبها للصحابة، وإنما يفعلون ذلك لأغراض منها:
1 -
ظهور المعنى وجلاؤه، وكون المعنى المحكي محل تسليم عند السامع فيستثقلون إسناده إليهم
(3)
.
2 -
خشية الخطأ في حكاية تفسير الصحابي؛ ومن ذلك مثلًا ما ذكره ابن أبي حاتم قال: "سألت أبا زرعة عن حديث رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الثوري، عن نسير بن ذعلوق، عن كردوس: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]؟ قال: بشِركٍ؛ قال أبو زرعة: إنما هو عن كردوس، عن حذيفة؛ وابن أبي زائدة قصَّر به"
(4)
ومراده أنه وقف الحديث على التابعي ولم ينسبه للصحابي
(5)
.
ولا شك أن الاختلاف بين الوقف والقطع لا يكون كله بحسب ما تقدم من
(1)
التقرير في أسانيد التفسير ص 53.
(2)
التقرير في أسانيد التفسير ص 39.
(3)
ينظر: التقرير في أسانيد التفسير ص 45، 67.
(4)
علل الحديث، لابن أبي حاتم 4/ 592.
(5)
ينظر في بيان معنى القصر عند المحدثين: بحث بعنوان "الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول" د. علي بن عبد اللَّه الصياح. ومن العجيب أن أمثال تلك العلل تغفل عنها كثير من الدراسات المعاصرة، وتصم من لا ينسب الكلام لقائله بالسرقة العلمية!!!
استثقال نسبة ما هو معلوم للصحابي أو من احتياط التابعي في نسبته شيئًا للصحابي بل يدخل الخطأ في ذلك أيضًا، ولا يتيسر تمييز ذلك بعضه من بعض إِلا لمن سبر الروايات والمرويات وكانت لديه الخبرة والملكة التي بها يميز بين ذلك.
فهذا أبو زرعة يحكم بخطأ نسبة أثر لغير قائله مرة ببيان خطأ نسبته لصحابي، ومرة ببيان خطأ نسبته لتابعي؛ فقد ذكر رواية "وكيع عن حماد بن زيد، عن عمرو ابن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله عز وجل: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]، قال: لكفور"، ثم قال:"هذا وهم؛ وهم فيه وكيع، إنما هو: عن أبي الجوزاء فقط". وذكر نفس الأثر وأَعَلَّ نسبته لتابعي، وصحح نسبته لتابعي آخر؛ فقد ذكر أثرًا رواه ابن نمير، عن يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]؛ قال: "لكفور"، ثم قال: هذا خطأ، إنما هو منصور عن مجاهد"
(1)
.
وإذا تأملت هذا المثال وجدت أن التفسير لم يختلف من رواية إلى رواية؛ بل ورد بنفس اللفظة المفسرة، وهو أيضًا تفسير لغوي؛ ورغم هذا حكم أبو زرعة بخطأ نسبته لابن عباس، وبخطأ نسبته لإبراهيم كذلك، لأن نسبة القول لقائل تستلزم ثبوته عنه.
بل الأعجب من هذا قول ابن أبي حاتم: "وسألت أبا زرعة عن حديث رواه موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات: 1] قال: الخيل. ورواه زياد البكائي عن ليث عن عطاء عن ابن عباس، فقلت لأبي زرعة: أيهما أصح؟ فقال: موسى بن أعين أحفظ"
(2)
.
وإذا تأملت هذا المثال وجدت أن كلا الطريقين ينسب التفسير لابن عباس، وكلاهما من رواية تلاميذه وأخصائه المعروفين بالسماع منه عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر، لكن هذا لم يمنع ابن أبي حاتم من السؤال عن الأثر، ولم يمنع أبا زرعة من البيان؛ لأن المدار هنا على إصابة الراوي في حكاية الإسناد أو خطأه، فحيث ثبت خطؤه فلا سبيل إلى اعتجاره، بل هو مسقط ملغى إذ المنكر أبدًا منكر.
(1)
علل الحديث 4/ 593، 594.
(2)
علل الحديث 4/ 593.