الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
39 -
أبواب الكفالة
أبواب الكفالة
1 - بابُ الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا
(باب الكَفالَة في القَرْض والدُّيون)، أي: دُيون المعاملات ونحوها، أو هو مِن عطْف العامِّ على الخاصِّ.
2290 -
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن حَمْزَةَ بن عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُل عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ، وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ في الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ، وَكَفِّلْهُمْ. فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بنفْسٍ، فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَكَمُ: يَضْمَنُ.
2291 -
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ
ابن رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن هُرْمُزَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم:"أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بني إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بني إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ: كَفَى بِالله شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِالله كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ في الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا، يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللهمَّ! إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَتَي دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِالله كَفِيلًا، فَرَضيَ بِكَ، وَسَألَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِالله شَهِيدًا، فَرَضيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا، أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا. فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهْوَ في ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا، يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَالله مَا زِلْتُ جَاهِدًا في طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ. قَالَ: أُخْبرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإنَّ الله قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا".
(مصدقًا) بتخفيف الدال، أي: آخذًا للصدقة عاملًا فيها.
(فصدقهم) جوَّز فيه (ك) ثلاثة أوجهِ:
أحدها: أنه بالتَّخفيف، والمعنى: أن الرَّجل الذي وقَع على جاريةِ امرأته اعتَرف بما وقَع عليه منه، لكن اعتذَر بجهله بحُرمة ذلك ظنًّا أنَّ جاريتَها كجارية نفسه، أو كزوجته، أو أنها التَبستْ عليه بزوجته، أو جاريةِ نفسه.
ثانيها: أنه بالتَّشديد، وأن المراد: فصدَّق عُمر الكُفَلاء فيما كانوا يَدَّعونه أنه قد جُلِد مرَّةً لذلك، وعلى هذا اقتصر (ش)، وأنَّ البخاري اختصَره مما في "الموطَّأ" -روايةِ ابن وَهْبٍ- عن عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه قال: حدَّثني حمزة بن عَمْرو الأَسْلَمي، عن أبيه حمزة: أنَّ عُمرَ بعثَه مُصدِّقًا علي بني سَعْد بن هُذَيْم، فأتى حمزة بمال ليصدقه، قال: فإذا رجل يقول لامرأة: صدِّقي مال مولاك، وإذا امرأة تقول له: أنت أدِّ صدقة مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرها؟ فأخبر أن الرجل زوج المرأة، وأنه وقع على جارية لها، فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، فهذا المال لابنه من جاريتها، وقال حمزة: لأرجمنك كجاريتك، فقال له أهل المال: أصلحك الله إن أمره رفع إلى عُمرَ فجلده مائة، ولم يرَ عليه رجمًا. قال: فأخذ حمزة بالرجل كُفلاء، حتى قدم على عُمرَ فسأله عما ذكر أهل المال فصدقهم عُمر، وإنما درأ عنه الرَّجْم؛ لأنه عذره بالجهالة، انتهى.
وهذا يحتمل أن يكونوا هم الكفُلاء، حتى يوافق من قال:
فصدق الكفُلاء.
ثالثها: أن معنى فصدَّقهم: أكرمهم، كما في:{مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر:55]، أي: كريم، والمعنى: إكرام عُمر الكُفلاء، وعُذْر الرجل بجَهالة الحُرمة أو الاشتباه، لكنْ يُشكِل جَلْد عمر إيَّاه حينئذٍ، فيُجاب إما بأنَّ ذلك كان قبْل الإحصان بإصابته الزَّوجة، أو أنه اقتضَى اجتهادُه جلد الجاهِل بالحُرمة.
(وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ)؛ أي: ضمَّنَهم.
واعلم أنَّ أخذ حمزة، وتَكفيل التائبين من الرِّدَّة المراد به التَّعهُّد والضَّبْط، وإلا فمَن احتمل أنَّ عليه حدًّا، ومَن تاب من الرِّدَّة لا معنى للكَفالة فيه؛ لأنه أمرٌ لم يقَع، ولا يُعلم أنه سيقَع أو لا، فالمراد: يَتعاهدون أَحوال الرجل لئلَّا يَهرُب، ويضبطُون الناس حتى لا يَرجعوا للرِّدَّة.
قال (ط): هو على سَبيل الترهيب على المكفول ببدَنه، والاستيثاق، لا أنَّ ذلك لازمٌ للكَفيل إذا زالَ المكفول به.
قلتُ: كأنَّه يعرض بأنَّ الكَفيل في غير ذلك كالدَّين يقُوم به عن المكفول كما هو مذهب مالك.
(وقال الليث) سبَق وصْلُه أوائل (البُيوع).
(مَرْكبًا)؛ أي: سَفينةً.
(يَقْدَمُ) بفتح الدال.
(صَحِيْفَة)؛ أي: مَكتُوبًا.
(زَجَّجَ) بزاي، وجيمين، أي: أصلَح موضع النَّقْر وسوَّاه، ولعلَّه مِن تزجيج الحواجب، وهو التِقاط زَوائد الشَّعْر الخارِج عن الخَدَّين، فإنْ أُخذ مِن الزُّجِّ، وهو سِنان الرُّمح، فيكون النَّقْر قد وقَع في طرَفٍ من الخشَبة، فسدَّ عليه رجاءَ أن يُمسكه، ويحفظ ما في باطنه.
(تسلفت فلانًا) المشهور أنَّ تعدية هذا إنما هي بحَرْف الجرِّ.
(جَهَدْتُ) بفتح الجيم، والهاء.
(نَشَرَهَا)؛ أي: قَطَعها بالمِنْشار، ورواهُ النَّسائي:(كسَرها).
(بالألف دينار) هو جائزٌ عند الكوفيين.
(راشدًا) حالٌ من فاعِل: انصَرَف.
قال (خ): إنَّ فيه دليلًا على دُخول الأجَل في القَرْض، وهو قوله:(إلى أجَل)، وذهب كثيرٌ إلى وُجوب الوَفاء بها، وفيه أنَّ جميع ما يُوجد في البحر هو لواجِده ما لم يَعلمْه مُلكًا لأحدٍ.
قال (ط): وفيه أنَّ مَن توكَّل على الله؛ فإنَّه يَنصرُه، فإنَّ الذي نقَر الخشَبة، وتوكَّل على حفْظ الله مالَه، والذي سلَّفَه، وقنِع بالله كفيلًا أوصَل الله مالَه إليه.
* * *