الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(239) بَابٌ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ
1115 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ -، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلاً
===
وقد أخرج البيهقي في "سننه"(1) من طريق الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليضع يده على أنفه ثم ينصرف"، ثم قال البيهقي: تابعه على وصله حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام، ورواه الثوري وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، قال الشيخ: ورواه نعيم بن حماد عن الفضل بن موسى هكذا موصولًا، إلَّا أنه قال في متنه:"إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه، ولينصرف، فليتوضأ"، انتهى.
قلت: وقد روى هذا الحديث عمر بن علي المقدمي، وعمر بن قيس عند ابن ماجه (2)، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي موصولًا.
(239)
(بَابٌ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ) أي المسجد (والإمامُ يَخْطُبُ)
هل يصلي أم لا؟
1115 -
(حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن عمرو- وهو ابن دينار-، عن جابر) بن عبد الله: (أن رجلًا)(3) وهو سليك الغطفاني
(1)"السنن الكبرى"(2/ 254)، وانظر أيضًا:"المنتقى" لابن الجارود (1/ 201) رقم (222)، و"صحيح ابن حبان"(6/ 11) رقم (2239)، و"سنن الدارقطني"(1/ 158)، و"المستدرك" للحاكم (1/ 184).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1222)، وأخرج رواية عمر بن علي المقدمي أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه"(2/ 108) رقم (1018)، وابن حبان في "صحيحه"(6/ 9) رقم 2238)، والدارقطني في "سننه"(1/ 157)، وكذلك روى بشير العبدي عند الدارقطني في "سننه"(1/ 158).
(3)
وقيل: النعمان بن قوقل، كما في "تلقيح فهوم أهل الأثر"(ص 501). (ش).
جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ » قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ» . [خ 930، م 875، ت 510، ن 1395، جه 1112، حم 3/ 308، خزيمة 1832، ق 3/ 193]
1116 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَا: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ
===
كما سيأتي (جاء) أي المسجد (يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم (1) فاركع).
1116 -
(حدثنا محمد بن محبوب) البناني بضم الموحدة وخفة النون، أبو عبد الله البصري، وقد غلط بعضهم فخلط ترجمته بترجمة محمد بن الحسن الشيباني، والسبب فيه أن محمد بن الحسن يلقب محبوبًا، فوقع في بعض الروايات: حدثنا محمد بن الحسن، فظن "محمدًا"(2) لقب الحسن، فخلطه بهذا، والصواب التفرقة لأنهما من طبقتين، ومحمد بن الحسن بن هلال أكبر من هذا.
(وإسماعيل بن إبراهيم) الظاهر أنه ابن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، أبو معمر القطيعي بمفتوحة وكسر مهملة، منسوب إلى قطيعة محلة ببغداد، الهروي، نزيل بغداد، ثقة مأمون (المعنى، قالا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع، (عن جابر، وعن أبي صالح) عطف على قوله: عن أبي سفيان، فالأعمش روى عن أبي سفيان عن جابر، وعن أبي صالح. (عن أبي هريرة، قالا: جاء سليك) بضم المهملة وفتح اللام مصغرًا (الغطفاني) بفتح الغين
(1) وهذا بمنزلة النص على أنه جلس، والركعتان تسقطان عند الشافعي بالجلوس، وعند
أحمد كما في "نيل المآرب"(1/ 375) بطول الجلوس. (ش).
(2)
كذا في "التهذيب"(9/ 429) والظاهر بدله: "محبوبًا". (ش).
وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ:«أَصَلَّيْتَ شَيْئًا؟ » قَالَ: لَا. قَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، تَجَوَّزْ فِيهِمَا» . [جه 1114، وانظر تخريج الحديث السابق]
1117 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ سُلَيْكًا جَاءَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، زَادَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ قَالَ (1): «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا» . [حم 3/ 317، دي 1551، وانظر تخريج الحديثين السابقين]
===
المعجمة والطاء المهملة (ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (له) أي لسليك: (أصليت شيئًا؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، تجوز) بصيغة الأمر (فيهما).
1117 -
(حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، عن سعيد) هو ابن أبي عروبة، كما في نسخة، (عن الوليد) بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري (أبي بشر) البصري ثقة، (عن طلحة) بن نافع، وهو أبو سفيان المتقدم (أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن سليكًا جاء، فذكر) أي الوليد (نحوه) أي نحو ما ذكره الأعمش (زاد) أي الوليد: (ثم أقبل) رسول الله صلى الله عليه وسلم (على الناس، قال: إذا جاء أحدكم والأمام يخطب فليصل ركعتين يتجوز) أي يخفف (فيهما).
قال النووي (2): وهذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين: أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد (3)، ويكره الجلوس قبل أن
(1) وفي نسخة: "ثم قال".
(2)
وهذا كلام النووي صريح في الاستحباب، وحكي هذا الكلام في حاشية "المشكاة" عن "اللمعات"(4/ 188) فحكي فيه الوجوب، وهو وهم. (ش).
(3)
وأجاد صاحب "عارضة الأحوذي" هذا البحث. (انظر: "عارضة الأحوذي" (2/ 299، 300). (ش).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدها الخطبة (1).
قلت: وفي "تحفة المحتاج شرح المنهاج"(2): ويلزمه أن يقتصر فيهما على أقل مجزئ على ما قاله جمع، وقال الشافعي رحمه الله في "الأم" (3): ونأمره أن يخففهما، فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتخفيفهما، وهذا يشير إلى الوجوب، وقد صرح بالوجوب في "روضة المحتاجين" فيسن فعلهما، ويجب عدم تطويلهما عرفًا، والاقتصار على الركعتين، ثم قال النووي: وحكي هذا المذهب أيضًا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين، قال القاضي: وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، انتهى.
وقال الشوكاني (4): وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري، ورواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير.
قال النووي (5): وتأولوا هذه الأحاديث أنه كان عريانًا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام، ليراه الناس ويتصدقوا عليه، وهذا تأويل باطل، يرده صريح قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما" وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه.
قال العيني في "شرح البخاري"(6): قلت: أصحابنا لم يأولوا الأحاديث
(1) انظر: "شرح صحيح مسلم"(3/ 430).
(2)
انظر: (2/ 545).
(3)
(1/ 514).
(4)
"نيل الأوطار"(2/ 544).
(5)
"شرح صحيح مسلم"(3/ 430).
(6)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 101).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المذكورة بهذا الذي ذكره، حتى يشنع عليهم هذا التشنيع، بل أجابوا بأجوبة غير هذا.
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنصت له حتى فرغ من صلاته، والدليل عليه ما رواه الدارقطني في "سننه" (1) من حديث عبيد بن محمد بسنده عن أنس وفيه:"وأنصت عن الخطبة حتى فرغ من صلاته"، فإن قلت: قال الدارقطني: أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه؟ قلت: ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل، وفيه قال:"قم فصل، ثم انتظره، حتى صلَّى"، قال: وهذا المرسل هو الصواب، قلت: المرسل حجة عندنا، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة (2) بسنده عن محمد بن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن يصلي ركعتين، أمسك عن الخطبة، حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته.
الجواب الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه صلى الله عليه وسلم في الخطبة، وقد بوب النسائي في "سننه الكبرى"(3) على حديث سليك، قال:"باب الصلاة قبل الخطبة" ثم أخرج عن أبي الزبير عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما.
الثالث: أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ في الخطبة، لأنها شرط الصلاة أو شطرها.
وقال الطحاوي (4): ولقد تواترت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغا، فإذا كان قول الرجل
(1)"سنن الدارقطني"(2/ 15).
(2)
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 110).
(3)
"سنن النسائي الكبرى"(1705).
(4)
انظر: "شرح معاني الآثار"(1/ 367).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لصاحبه والإمام يخطب: أنصت، لغوًا، كان قول الإِمام للرجل: قم، صل، لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر لسليك بما أمره به، إنما كان قبل النهي، وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا.
وقال ابن شهاب: خروج الإِمام يقطع الصلاة، وقال ثعلبة بن أبي مالك: كان عمر -رضي الله تعالى عنه - إذا خرج للخطبة أَنْصَتْنَا، وقال عياض: كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة.
وقال ابن العربي (1): الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه: الأول: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} (2)، فكيف يترك الفرض الذي شرع الإِمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض. الثاني: صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت"، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان (3) في المسألة يحرمان في حال الخطبة، فالنفل أولى أن يحرم، الثالث: لو دخل، والإمام في الصلاة لم يركع، والخطبة صلاة إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة.
وأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه: الأول: هو خبر واحد، والثاني: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة، لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة، فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع،
(1) انظر: "عارضة الأحوذي"(2/ 300).
(2)
سورة الأعراف: الآية 204.
(3)
كذا في "العيني"(5/ 102)، وفي "العارضة: الزكيان في الملة، والظاهر بدله: الركنان في الملة. (ش).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فأولى أن يحرم ما ليس بفرض، والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم سليكا، وقال له: قم، فصل، فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع، إذ لم يكن هناك قول في ذلك الوقت إلَّا مخاطبته له وسؤاله وأمره، الرابع: أن سليكًا كان ذا بذاذة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشهره، ليرى حاله، وعند ابن بزيزة كان سليك عريانًا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يراه الناس.
وقد قيل: إن ترك الركوع حالتئذ سنة ماضية وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، وعولوا أيضًا على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه:"لا تصلوا والإمام يخطب"، واستدلوا بإنكار عمر على عثمان في ترك الغسل، ولم ينقل أنه أمره بالركعتين، ولا نقل أنه صلاهما، وعلى تقدير التسليم لما يقول الشافعي، فحديث سليك ليس فيه دليل له، إذ مذهبه أن الركعتين تسقطان بالجلوس.
وفي "اللباب": وروى علي بن عاصم عن خالد الحذاء: أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب، فجلس ولم يصل، وعن عقبة بن عامر قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، وفي "كتاب الأسرار": لنا ما روى الشعبي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صعد الإِمام المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ"، والصحيح من الرواية:"إذا جاء أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام".
وقد تصدى بعضهم (أي الحافظ ابن حجر في شرح "البخاري")(1) لرد ما ذكر من الاحتجاج في منع الصلاة، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقال: جميع ما ذكروه مردود، ثم قال: لأن الأصل عدم الخصوصية، قلنا: نعم، إذا لم تكن قرينة، وهنا قرينة على الخصوصية، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه النسائي (2) عنه يقول: جاء رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بهيئة
(1)"فتح الباري"(2/ 409).
(2)
"سنن النسائي"(1408).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بَذَّةٍ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أصليت؟ " قال: لا، قال:"صل ركعتين"، وحث الناس على الصدقة، قال: فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرتُ الناس بالصدقة، فألقوا ثيابًا، فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره وقال: خذ ثوبك"، انتهى.
وكان مراده بأمره إياه بصلاة ركعتين أن يراه الناس ليتصدقوا عليه، لأنه كان في ثوب خلق، وقد قيل: إنه كان عريانًا، كما ذكرناه، إذ لو كان مراده إقامة السنَّة بهذه الصلاة لما قال في حديث أبي هريرة:"إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت"، وهو حديث مجمع على صحته من غير خلاف لأحد فيه، حتى كاد أن يكون متواترًا، فإذا منعه من الأمر بالمعروف الذي هو فرض في هذه الحالة، فمنعه من إقامة السنَّة، أو الاستحباب بالطريق الأولى، فحينئذ قول هذا القائل: فدل على أن قصة التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة، غير موجه، لأنه علة كاملة.
وقال أيضًا: وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح "مسلم"(1) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا.
قلت: هذا حكم بالاحتمال، والاحتمال إذا كان غير ناشئ عن في دليل فهو لغو لا يعتد به، وقال أيضًا في قولهم:"إنه صلى الله عليه وسلم لما خاطب سليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من صلاته"، رواه الدارقطني (2) بما حاصله أنه مرسل، والمرسل حجة عندهم، وقال أيضًا: فيما قاله ابن العربي (3) من أنه صلى الله عليه وسلم
(1) انظر: "صحيح مسلم" بشرح النووي (3/ 430).
(2)
انظر: "سنن الدارقطني"(2/ 15، 16).
(3)
انظر: "عارضة الأحوذي"(2/ 302).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لما تشاغل بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة، وادعى أنه أقوى الأجوبة، قال: هو من أضعف الأجوبة؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع صلى الله عليه وسلم إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أمر به من الصلاة، فصح أنه صلى في حالة الخطبة.
قلت: يرد ما قاله من قوله هذا ما في حديث أنس الذي رواه الدارقطني (1) الذي ذكرنا عنه أنه قال: والصواب أنه مرسل، وفيه:"وأمسك -أي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخطبة حتى فرغ من صلاته" يعني سليك، فكيف يقول هذا القائل: فصح أنه صلَّى في حال الخطبة، والعجب منه أنه يصحح الكلام الساقط؟ .
وقال أيضًا: قيل: كانت هذه القضية قبل شروعه صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ويدل عليه قوله في رواية الليث عند مسلم (2):"والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد عند المنبر" وأجيب: بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضًا.
قلت: الأصل ابتداء قعوده، وقعوده بين الخطبتين محتمل فلا يحكم به على الأصل، على أن أمره صلى الله عليه وسلم إياه بأن يصلي ركعتين وسؤاله إياه: هل صليت؟ وأمره للناس بالصدقة، يضيق عن القعود بين الخطبتين، لأن زمن [هذا] القعود لا يطول.
وقال هذا القائل أيضًا: ويحتمل أن يكون الراوي تجوز في قوله: "قاعد".
قلت: هذا ترويج لكلامه ونسبة الراوي إلى ارتكاب المجاز مع عدم الحاجة والضرورة.
(1) انظر، "سنن الدارقطني"(2/ 15).
(2)
انظر: "صحيح مسلم"(875).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال أيضًا: قيل: كانت هذه القضية قبل تحريم الكلام في الصلاة، ثم رده بقوله أن سليكًا متأخر الإِسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدم جدًا، فكيف يدعي نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟ .
قلت: لم يقل أحد إن قضية سليك كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، وإنما قال هذا القائل: إن قضية سليك كانت في حالة إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، ألا يرى أن في حديث أبي سعيد الخدري: فألقى الناس ثيابهم، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وكذلك مس الحصى، وقول الرجل لصاحبه: أنصت، كل ذلك مكروه، فدل ذلك أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم سليكًا، وما أمر به الناس بالصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة. ولما أمر صلى الله عليه وسلم بالإنصات عند الخطبة وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغوًا كما كان، جعله لغوًا في الصلاة، ثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة، فهذا وجه قول القائل بالنسخ، ومبنى كلامه هذا على هذا الوجه لا على تحريم الكلام في الصلاة.
وقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة، فيكون الآتي كذلك، قاله الطحاوي (1).
وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد، قلت: لم يبن الطحاوي كلامه ابتداء على القياس حتى يكون ما قاله قياسًا في مقابلة النص، وتحرير كلام الطحاوي أنه روى أحاديث عن سليمان وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس -رضي الله تعالى عنهم- كلها تأمر بالإنصات إذا خطب الإِمام، فتدل كلها أن موضع كلام الإِمام ليس بموضع
(1) انظر: "شرح معاني الآثار"(1/ 367، 368).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
للصلاة، فبالنظر إلى ذلك يستوي الداخل والآتي، ومع هذا الذي قاله الطحاوي وافقه عليه الماوَرْدِي وغيره من الشافعي.
وقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شك أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا، وتعقب بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت تحصل المقصود.
قلت: هذا القائل لم يَدَّع أن الخطبة صلاة من كل وجه حتى يرد عليه ما ذكره من التعقيب، بل قال: هي صلاة من حيث إن الصلاة قصرت لمكانها، فمن حيث هذا الوجه يستوي الداخل والآتي، ويؤيد هذا حديث أبي الزاهرية (1): عن عبد الله بن بشر قال: كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجلس فقد آذيت وآنيت" ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة؟ فهذا خلاف حديث سليك فافهم.
وقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على سقوط التحية عن الإِمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى، وتعقب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النص فهو فاسد.
قلت: إنما يكون القياس في مقابلة النص فاسدًا إذا كان ذلك النص سالمًا عن المعارض، ولم يسلم سليك عن أمور ذكرناها، وروي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين - رضي الله تعالى عنهم - منع الصلاة للداخل والإمام يخطب، أما الصحابة فهم: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وعبد الله بن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.
(1) انظر: "شرح معاني الآثار"(1/ 366).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما أثر عقبة فأخرجه الطحاوي عنه أنه قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية. فإن قلت: في إسناده عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، قلت: وثقه أحمد وكفى به ذلك.
وأما أثر ثعلبة بن أبي مالك فأخرجه الطحاوي (1) بإسناد صحيح: "أن جلوس الإِمام على المنبر يقطع الصلاة"، وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2) بسنده عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال:"أدركت عمر وعثمان رضي الله عنهما، فكان الإِمام إذا خرج تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام".
وأما أثر عبد الله بن صفوان فأخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال: رأيت عبد الله بن صفوان بن أمية دخل المسجد يوم الجمعة، وعبد الله بن الزبير يخطب على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان وهو معتمٌّ بعمامة، فاستلم الركن ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم جلس ولم يركع.
وأما أثر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، فأخرجه الطحاوي أيضًا عن عطاء قال: كان ابن عمر وابن عباس يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإِمام يوم الجمعة (3).
وأما التابعون فهم: الشعبي والزهري [وعلقمة] وأبو قلابة ومجاهد.
فأثر الشعبي أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن شريح أنه: إذا جاء وقد خرج الإِمام لم يصل. وأثر الزهري أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه في الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، قال: يجلس ولا يسبح، وأثر علقمة فأخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن إبراهيم
(1)"شرح معاني الآثار"(1/ 370).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 111).
(3)
انظر: "شرح معاني الآثار"(1/ 370).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال لعلقمة: أتكلم والإمام يخطب أو قد خرج الإِمام؟ قال: لا
…
إلخ، وأثر أبي قلابة أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه: أنه جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل، وأثر مجاهد أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه: كره أن يصلي والإمام يخطب (1)، وأخرجه ابن أبي شيبة (2) أيضًا.
فهؤلاء السادات من الصحابة والتابعين الكبار لم يعمل أحد منهم بما في حديث سليك ولو علموا أنه يعمل به لما تركوه، فحينئذ بطل اعتراض هذا المعترض.
فإن قلت: روى الجماعة (3) من حديث أبي قتادة السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" عام يتناول كل داخل في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره.
قلت: هذا على من دخل المسجد في حال تحل فيه الصلاة لا مطلقًا، ألَاّ يرى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس وعند غروبها أو قيامها في كبد السماء لا يصلي في هذه الأوقات للنهي الوارد فيه؟ فكذلك لا يصلي والإمام يخطب يوم الجمعة، لورود وجوب الإنصات فيه، والصلاة حينئذ مِمَّا يُخِلُّ بالإنصات.
قلت: هذا الجواب الذي ذكره العلامة العيني (4) - رحمه الله تعالى- عن الاستدلال بحديث أبي قتادة السلمي لعله يكفي عنه، ولكن الحديث الذي
(1)"شرح معاني الآثار"(1/ 369، 370).
(2)
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 111).
(3)
أخرجه البخاري (444)، ومسلم (714)، وأبو داود (467)، والترمذي (316)، والنسائي (730)، وابن ماجه (1012).
(4)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 105).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أخرجه البخاري وأبو داود (1) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين"، وهذا لفظ البخاري، وأما لفظ أبي داود: زاد: ثم أقبل على الناس، قال:"إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين يتجوَّز فيهما".
فهذا الجواب الذي ذكره العلامة العيني لا يتمشى في هذا الحديث، وكان ينبغي له أن يذكر هذا الحديث ثم يجيب عنه.
والجواب عنه عندي أن هذا الحديث مبيح للصلاة، وحديث الإنصات محرم لها، فاجتمع المبيح والمحرِّم، فترجح، وهذا الحديث مخالف للشافعية أيضًا، فإنهم فرقوا بين الداخل في أول الخطبة وآخرها، وقالوا: إذا جاء أحد والإمام في آخر الخطبة بحيث لو اشتغل بالصلاة وخاف أن تفوت عنه تكبيرة التحريمة لا يصلي، كما في "الإقناع"(2)، وهذا الحديث بعمومه يقتضي أنه إذا جاء أحد والإمام في الخطبة، سواء كان في أوله وآخره يصلي الركعتين.
ثم قال العلامة العيني: وقال (أي الحافظ (3)) أيضًا: قيل: لا نسلم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحية المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصبح مثلًا، ثم قال: وقد تولى رده ابن حبان في "صحيحه"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة بعد أخرى.
قلت: هذا القائل نقل عن ابن المنير ما يقوي القول المذكور حيث قال: لعله صلى الله عليه وسلم كان كشف له عن ذلك، وإنما استفهمه ملاطفة له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحية لم يحتج إلى استفهامه، لأنه قد رآه لما قد دخل،
(1) انظر: "صحيح البخاري"(1166)، و"سنن أبي داود"(1117).
(2)
(2/ 213).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 105)، و"فتح الباري"(2/ 410).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذه تقوية جيدة بإنصاف، وما نقله عن ابن حبان ليس بشيء، لأن تكراره يدل على أن الذي أمره به من الصلاة الفائتة، لأن التكرار لا يحسن في غير الواجب.
ومن جملة ما قال هذا القائل: وقد نقل حديث أبي سعيد الخدري أنه دخل ومروان يخطب فصلى الركعتين، فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بهما، انتهى، ولم يثبت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، ونقل أيضًا عن شارح الترمذي أنه قال: كل ما نقل عنه منع الصلاة والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد، لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية، انتهى.
قلت: قد ذكرنا أن الطحاوي (1) روى عن عقبة بن عامر: "الصلاة والإمام على المنبر معصية" وكيف يقول هذا القائل: ولم يثبت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك؟ وأي مخالفة تكون أقوى من هذا حيث جعل الصلاة والإمام على المنبر معصية؟ وكيف يقول شارح الترمذي: لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية؟ وأي تصريح يكون أقوى من قول عقبة حيث أطلق على فعل هذه الصلاة معصية؟ فلو كان قال: يكره أو لا يفعل لكان منعًا صريحًا، فضلًا أنه قال: معصية، وفعل المعصية حرام، وإنما أطلق عليه المعصية لأنها في هذا الوقت تخل بالإنصات المأمور به، فيكون بفعلها تاركًا للأمر، وتارك الأمر يسمى عاصيًا، وفعله يسمى معصية، وفي الحقيقة هذا الإطلاق مبالغة.
فإن قلت: في سند أثر عقبة عبد الله بن لهيعة؟ قلت: ما له، وقد قال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وحدث عنه أحمد كثيرًا، وقال ابن وهب: حدثني الصادق البار- والله- عبد الله بن لهيعة، وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابًا للعلم.
(1) انظر: "شرح معاني الآثار"(1/ 370).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال هذا القائل أيضًا: وأما ما رواه الطحاوي عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن، ثم سلَّم عليه، ثم جلس، وعبد الله بن صفوان وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد استدل به الطحاوي (1)، فقال: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية، فدل على صحة ما قلناه، وتعقب بأن تركهم النكير لا يدل على تحريمها (2)، بل يدل على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم.
قلت: هذا التعقيب متعقَّبٌ لأنه ما ادَّعى تحريمها حتى يرد ما استدل به الطحاوي، ولم يقل هو ولا غيره بالحرمة، وإنما دعواهم أن الداخل ينبغي أن يجلس ولا يصلي شيئًا، والحال أن الإِمام يخطب، وهو الذي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين.
قلت: وهذا الذي قاله العلامة العيني (3) بظاهره مخالف لما في كتب الحنفية فإنهم صرحوا بالكراهة المطلقة، وهو مرادف للحرمة، وبعضهم صرحوا بالحرمة، قال في "البدائع" (4): وأما محظورات الخطبة فمنها: أنه يكره الكلام حالة الخطبة، وكذا قراءة القرآن وكذا الصلاة، ثم قال: وكذا كل ما شغل عن سماع الخطبة من التسبيح والتهليل والكتابة ونحوها، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت.
وقال في "المبسوط": الإِمام إذا خرج فخروجه يقطع الصلاة، حتى يكره افتتاحها بعد خروج الإِمام، ثم قال: ولأن الاستماع واجب، والصلاة تشغله عنه، ولا يجوز الاشتغال بالتطوع وترك الواجب، انتهى.
(1)"شرح معاني الآثار"(1/ 370).
(2)
هكذا في "الفتح"(2/ 410)، والعيني (5/ 106). (ش).
(3)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 105، 106).
(4)
"بدائع الصنائع"(1/ 592).