الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَدْ رَأَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم (1) وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
(218) بَابُ الْجُمُعَةِ في الْقُرَى
(2)
===
وأما المريض فلأنه عاجز عن الحضور، أو يلحقه الحرج في الحضور.
وأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج، ممنوعة عن الخروج إلى محافل الرجال، لكون الخروج سببًا إلى الفتنة، ولهذا لا جماعة عليهن أيضًا.
وأما الأعمى فأجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدًا لا تجب عليه، وأما إذا وجد قائدًا بطريق التبرع، أو بالاستيجار فكذلك في قول أبي حنيفة، لأن عنده القادر بقدرة الغير غير قادر، وفي قول أبي يوسف ومحمد يجب، فعندهما القادر بقدرة الغير قادر.
وأما الصبي والمجنون فليسا من أهل الوجوب، فصلاة الصبي إذا صلَّى تكون تطوعًا، ولا صلاة لمجنون رأسًا "ملخص من البدائع"(3).
(قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي، ولم يسمع منه شيئًا) فعلى هذا الحديث مرسل صحابي، وهو حجة، وقد تقدم.
(218)
(بَابُ الْجُمُعَةِ في القُرَى)
أي حكم الجمعة في القرى، فتجب على أهل القرى أن يجمعوا فيها
والقرى جمع قرية على غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فعلة بفتح الفاء من المعتل، فجمعه ممدود مثل ركوة وركاء، وظبية وظباء، فجاء قرى مخالفًا لبابه لا يقاس عليه، والنسبة إليها قروي.
(1) زاد في نسخة: "وهو يُعَدُّ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".
(2)
زاد في نسخة: "والمدن".
(3)
"بدائع الصنائع"(1/ 581 - 582).
1068 -
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِىُّ لَفْظُهُ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِى الإِسْلَامِ، بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ، لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَى:
===
وقال ابن الأثير (1): القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن، وقال صاحب "المطالع": القرية المدينة، وكل مدينة قرية لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض.
1068 -
(حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله) بن المبارك (المخرمي) بمعجمة وتثقيل راء (لفظه) خبر لمبتدأ محذوف، أي لفظ الحديث لفظ محمد بن عبد الله (قالا: نا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة) نصر بن عمران الضبعي (عن ابن عباس) هكذا رواه الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان عنه، وخالفهم المعافى بن عمران، فقال: عن ابن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أخرجه النسائي (2)، وهو خطأ من المعافى، ومن ثم تكلم محمد بن عبد الله بن عمار في إبراهيم بن طهمان، ولا ذنب له فيه كما قاله صالح جزرة، وإنما الخطأ في إسناده من المعافى، ويحتمل (3) أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان.
(قال) أي ابن عباس: (إن أول جمعة جُمِّعت) على بناء المفعول من التفعيل (في الإِسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة) ووقع في رواية المعافى بمكة، وهو خطأ بلا مرية، الجمعة جمعت بجواثى) بضم الجيم، وتخفيف الواو، بالثاء المثلثة وبالقصر، ومنهم من يهمزها
(1) انظر: "النهاية"(4/ 56).
(2)
رواه النسائي في "السنن الكبرى"(2/ 258) رقم (1667) وذكره المزي في "تحفة الأشراف"(10/ 144) رقم) (14360).
(3)
هكذا ذكره العيني (5/ 39) احتمالًا. (ش).
قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ". قَالَ عُثْمَانُ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ. [خ 892، ق 3/ 176، خزيمة 1725]
===
(قرية من قرى البحرين) هكذا يتلفظ بها في حال الرفع والنصب والجر، ولم يُسْمَعْ على لفظ المرفوع من أحد منهم إلَّا أن الزمخشري حكى أنه بلفظ التثنية، فيقولون: هذه البحران، وانتهينا إلى البحرين، وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان.
(قال عثمان) بن أبي شيبة: (قرية من قرى عبد القيس) أشار المصنف إلى الفرق بين لفظ عثمان والمخرمي، فإن في لفظ المخرمي نسبة إلى المملكة، وفي لفظ عثمان نسبة إلى القبيلة، فإن عبد القيس علم لقبيلة كانوا ينزلون بالبحرين.
استدل الشافعية بهذا الحديث على أنّ الجمعة تقام في القرية، قلنا: لا نسلم أنها قرية، بل هي مدينة، حكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، وقال أبو عبيد البكري هي مدينة بالبحرين لعبد القيس، قال امرؤ القيس:
ورحنا كأنا من جواثى عشية نعالي
…
(1) النعاج بين عدل ومحقب
يريد كأنا من تجار جواثى، لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة أمتعة تجار جواثي.
قلت: كثرة الأمتعة تدل غالبًا على كثرة التجار، وكثرة التجار تدل على أن جواثى مدينة قطعًا، لأن القرية لا يكون فيها (2) تجار كثيرون غالبًا عادة، قيل: كان يسكن فيها فوق أربعة آلاف نفس، والقرية لا تكون كذلك، وإطلاق القرية عليها كإطلاق القرية على المدينة في القرآن كما في قوله تعالى:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (3) يعني مكة وطائف، وكما في قوله
(1) وفي الأصل: "تعالى" وهو تحريف، والصواب:"نعالي" كما في "عمدة القاري"(5/ 39). وانظر: "ديوان امرؤ القيس"(ص 54).
(2)
وفي الأصل: "فيه" وهو تحريف، والصواب:"فيها".
(3)
سورة الزخرف: الآية 31.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} (1) وهي مصر، وكما في قوله تعالى:{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ} (2).
وقال صاحب "معجم البلدان"(3): جواثى: بالضم وبين الألفين ثاء مثلثة يمد ويقصر، وهو علم مرتجل: حصن لعبد القيس بالبحرين، فتحه العلاء بن الحضرمي في أيام أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - سنة 12 هـ (4) عنوة، وقال ابن الأعرابي: جواثى مدينة الخط، والمُشقَّرُ (5). مدينة هَجَرَ.
ولئن سلمنا أنها قرية فليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، وأقرهم عليه، وقولهم الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلَّا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفيهم في معرض الاستدلال.
واختلف العلماء في الموضح الذي تقام فيه الجمعة، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا، لأنهم في حكم المسافرين، وقال الشافعي وأحمد: كل قرية فيها أربعون رجلًا أحرارًا بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء إلَّا ظعن حاجة، فالجمعة واجبة عليهم، سواء كان البناء من خشب أو حجر، أو طين، أو قصب، أو غيرها، بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة، فإن كانت متفرقة لم تصح.
وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعه شتاء أو صيفًا لم تصح
(1) سورة يوسف: الآية 82.
(2)
سورة محمد: الآية 13.
(3)
"معجم البلدان"(2/ 174).
(4)
هكذا في "معجم البلدان"(2/ 174)، ويشكل عليه أنه إذا فتحت في زمن الصديق فكيف الجمعة فيها بإذنه صلى الله عليه وسلم كما ادعته الشافعية، والجواب أن تجميعهم هذا كان بعد رجوع وفدهم كما سيأتي قريبًا. (ش).
(5)
وفي الأصل: "الشفر" بالفاء وهو تحريف.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفًا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان: أصحهما: لا تجب عليهم الجمعة، ولا تصح منهم، وبه قال مالك، والثاني: تجب عليهم وتصح منهم، وبه قال أحمد وداود.
ومذهب أبي حنيفة لا تصح الجمعة إلَّا في مصر جامع، أو في مصلَّى العصر، ولا تجوز في القرى، وتجوز في مني إذا كان الأمير أمير الحاج، أو كان الخليفة مسافرًا، وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا تصح بعرفات في قولهم جميعًا.
وقال أبو بكر الرازي في كتابه "الأحكام"(1): اتفق علماء (2) الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره، لأنهم مجتمعون (3) على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون.
واستدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في "مصنفه"(4): أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: "لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع"، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (5).: حدثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال:"لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر، ولا أضحى إلَّا في مصر جامع، أو مدينة عظيمة"، وروى أيضًا بسند صحيح: حدثنا جرير، عن منصور، عن طلحة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن أنه قال: قال علي رضي الله عنه: "لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع".
(1)"أحكام القرآن"(3/ 445).
(2)
كذا في الأصل، وفي "الأحكام":"فقهاء الأمصار".
(3)
وفي "الأحكام": "مجمعون".
(4)
"مصنف عبد الرزاق"(5175، 5176).
(5)
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قلت: قال النووي: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع؟ قلت: كأنه لم يطلع إلَّا على الأثر الذي فيه حجاج بن أرطاة، ولم يطلع على طريق جرير عن منصور فإنه سند صحيح، ولو اطلع لم يقل ما قاله، وأما قوله: متفق على ضعفه فزيادة من عنده فلا يدرى من سلفه في ذلك، على أن أبا زيد زعم في "الأسرار" أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعًا معاذ وسراقة بن مالك (1).
قلت: قال الحافظ في "الدراية"(2): روى عبد الرزاق عن علي موقوفًا "لا تشريق ولا جمعة إلَّا في مصر جامع"، وإسناده صحيح.
وقال الشوكاني في "النيل"(3): واحتجوا بما روي عن علي عليه السلام مرفوعًا: "لاجمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع"، وقد ضعف أحمد رفعه، وصحح ابن حزم وقفه.
أما استدلال الشافعية بحديث جواثى فغير مستقيم، بل الحق ما قاله الشيخ النيموي في "آثار السنن" (4) بعد نقل هذا الأثر: إن هذا الأثر يستفاد منه أن الجمعة تخص بالمدن كالمدينة وجواثى، ولا تجوز في القرى، وقال في تعليقه: قوله: إن الجمعة تخص بالمدن: قلت: لأن الجمعة فرضت بمكة قبل نزول "سورة الجمعة" على ما قاله الشيخ أبو حامد والعلامة السيوطي في "الإتقان" ورسالته "ضوء الشمعة"، والشيخ ابن حجر المكي في "شرح المنهاج" والشوكاني في "النيل"(5)، وهو الأصح خلافًا للحافظ ابن حجر، ولم يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من إقامتها هناك فصلَّى أول جمعة بالمدينة حين قدم، وإن أهل جواثى
(1) انظر: "عمدة القاري"(5/ 41).
(2)
انظر: "الدراية"(1/ 214).
(3)
"نيل الأوطار"(2/ 514).
(4)
"آثار السنن"(2/ 87).
(5)
"نيل الأوطار"(2/ 510).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، كما قاله الحافظ في "الفتح"، وقدومهم إنما كان بعد تحريم الخمر، بل بعد فريضة الحج على ما تقتضيه رواية أحمد عن ابن عباس في قصة وفد عبد القيس بذكر الحج، وفرض الحج كان سنة ست من الهجرة على الأصح، وعلى قول الواقدي أن قدومهم كان سنة ثمان قبل فتح مكة، وفي أثناء هذه المدة كان الإِسلام قد انتشر في أكثر القرى، وكثير من أهلها لا يشهدون الجمعة بالمدينة، ولو كانت الجمعة جائزة في القرى لأقيمت في قريتهم قبل جواثى، انتهى.
قلت: وأصرح من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أقام في قباء (وهي قرية قرب المدينة، قال يعقوب (1) بن عبد الله في "معجم البلدان"(2): قباء: بالضم، وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف) أربعة عشر يومًا أو أربعة وعشرين كما في "البخاري" على اختلاف نسخها، ووقعت الجمعة في أثنائها، ولم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيها الجمعة، ولم يأمرهم أن يجمعوا فيها، وسار يوم الجمعة يريد المدينة، فجمع في مسجد بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهي محلة من المدينة، فكانت أول جمعة جمعت في الإِسلام.
فثبت بهذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة في القرى، ولم يأمر بها فيها، فعلم بهذا أن القرى ليس محل إقامة الجمعة، كما أن البراري ليس محل إقامتها، وقد ثبت برواية "مسلم"(3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقف بعرفات في حجة الوداع يوم الجمعة لم يصل الجمعة فيها، بل صلَّى فيها الظهر.
(1) كذا في الأصل، والصواب: ياقوت.
(2)
انظر: "معجم البلدان"(4/ 301).
(3)
"صحيح مسلم"(1218).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
1 -
فإن قلت: عن أبي هريرة: أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة، فكتب جمعوا حيث ما كنتم، رواه أبو بكر بن أبي شيبة (1) وسعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي وقال: إسناده حسن.
2 -
وروى الدارقطني (2) بإسناده عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلَّا أربعة"، وزاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة.
3 -
وفي "المصنف"(3)، عن مالك: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون.
4 -
وروى أبو داود (4) بسنده عن كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم كنتم يومئذ؟ ، قال: أربعون.
5 -
وفي "المعرفة": (5). قال الزهري: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن، جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
6 -
وعن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 11).
(2)
"سنن الدارقطني"(2/ 8).
(3)
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102).
(4)
"سنن أبي داود"(1069).
(5)
"معرفة السنن والآثار"(2/ 464) رقم (1669).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إلى عدي بن عدي: أما أهل قرية ليسوا بأهل عمود، فأمر عليهم أميرًا يجمع بهم، رواه البيهقي (1)(2).
قلت: الجواب عن الأول: معناه جمعوا حيث ما كنتم من الأمصار، وقد خصه الشافعية بالقرية التي فيها أربعون رجلًا، ونحن نخص بالأمصار، ألا ترى أنه لا تجوز في البراري بالاتفاق.
وعن الثاني: أن رواته كلهم عن الزهري متروكون، ولا يصح سماع الزهري عن الدوسية، قلت: وشرحه ما قال صاحب "التعليق المغني على الدارقطني"(3) حديث أم عبد الله الدوسية أخرجه المؤلف بثلاث طرق.
ففي الأولى منها: معاوية بن يحيى الدمشقي أبو روح، قال ابن عدي: عامة رواياته فيها نظر، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم والنسائي وأبو داود: ضعيف الحديث، وأما معاوية بن سعيد التجيبي، فلا نعلم فيه جرحًا إلَّا قول الدارقطني في حق الوليد بن محمد ولا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه عنه متروك، فيشمل في هذا العموم معاوية بن سعيد أيضًا، لكن لا يخلو هذا عن بعد.
وفي الثانية: الوليد بن محمد المُوَقَّرِي، قال الدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وكذبه يحيى بن معين، وقال النسائي: متروك الحديث.
وفي الثالثة: الحكم بن عبد الله بن سعد، قال الدارقطني: متروك، وكذا النسائي وجماعة، وقال البخاري: تركوه.
(1) وحديث عبد عثمان إذ صلَّى- أميرًا على الربذة- مع عشرة من الصحابة الجمعة بالربذة، أجاب عنه الحلبي بأنها صارت مدينة إذ ذاك. (ش).
(2)
انظر: "السنن الكبرى"(3/ 179).
(3)
انظر: "سنن الدارقطني"(2/ 7).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: قال الذهبي في "الميزان"(1): كان ابن المبارك شديد الحمل عليه، وقال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب، وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث، انتهى.
ثم قال: ومدار الإسناد كله على الزهري ولم يثبت سماعه عن أم عبد الله الدوسية، فالحديث مع ضعف رواته منقطع أيضًا فلا ينتهض للاحتجاج به، انتهى.
وعن الثالث: بأنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القرى، قلت: ومع هذا في إسناده انقطاع.
وعن الرابع: وفيه محمد بن إسحاق، قال البيهقي (2): الحفاظ يتوقون ما ينفرد به محمد بن إسحاق، وهنا قد تفرد به، قلت: ومع هذا فكان تجميعهم هذا من قبل رأيهم (3) من قبل أن تشرع الجمعة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه مرسل ابن سيرين، رواه عبد الرزاق (4) بإسناد صحيح ولفظه: قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلم لنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلَّى بهم يومئذ، الحديث.
ثم لو سلم صحة هذا الحديث وتجميعهم بالنص، فهزم النبيت ليس خارج المدينة بل هو داخل فيها.
(1) انظر: "ميزان الاعتدال"(1/ 572).
(2)
"السنن الكبرى"(9/ 87).
(3)
وبهذا أجاب الزيلعي على "الكنز". (ش).
(4)
انظر: "مصنف عبد الرزاق"(2/ 159) ح (5144).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقد قال صاحب "معجم البلدان"(1) في لفظ الهزم: بالفتح ثم السكون، والهزم: مما اطمأن من الأرض، جرى في هذا المكان بحث وتفتيش وسؤال، وقد اقتضى أن أذكره ها هنا، وذلك أن بعض أهل العصر زعم أنه نقل عن أسعد بن زرارة أنه جمع بأهل المدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة في هزم بني النبيت، فطلبنا نقل ذلك من المسانيد، فوجدنا في "معجم الطبراني" (2) بإسناده مرفوعًا إلى محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت يومًا قائدًا لأبي حين كف بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه! رأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة، فقال: يا بني! أسعد أول من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم في هزم من حرة بني بياضة في نقيع الخضمات، فقلت: كم كنتم يومئذ؟ فقال: أربعون رجلًا.
وفي "كتاب الصحابة"(3) لأبي نعيم الحافظ بإسناده إلى محمد بن إسحاق، ثم بإسناده إلى كعب بن مالك، وفيه فقال: يا بني! إنه كان أول من جَمَّع لنا الجمعة بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة في نقيع، يقال له: الخضمات.
وفي كتاب "معرفة الصحابة" لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده رفعه إلى محمد بن إسحاق إلى آخر السند، ولفظه: فقال: أي بُني كان أسعد بن زرارة أول من جمع بالمدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم في هزم من حرة بني بياضة في نقيع الخضمات.
(1)"معجم البلدان"(5/ 404).
(2)
"المعجم الكبير"(1/ 305 رقم 900) و (19/ 91 رقم 176).
(3)
"معرفة الصحابة"(2/ 300).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي كتاب "الاستيعاب"(1) لابن عبد البر: أن أسعد بن زرارة كان أول من جمع بالمدينة في هزمة من حرة بني بياضة يقال لها: نقيع الخضمات، انتهى.
فهذا يدل صريحًا على أن هزم النبيت هو في المدينة.
وعن الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بذلك، ولا أقرهم عليه، ولو سلم فهو واقعة المدينة، وهي ليست بقرية بلا خلاف.
وعن السادس: أن قول عمر بن عبد العزيز رواه البيهقي (2) من طرق، ففي الأول: إبراهيم بن محمد الأسلمي، قال في "التهذيب" (3): قال القطان: سألت مالكًا عنه أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان قدريًا معتزليًا جهميًا كل بلاء فيه، قال أبو طالب عن أحمد: لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه، كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس يضعها في كتبه، وقال بشر بن المفضل: سألت فقهاء أهل المدينة عنه فكلهم يقولون: كذاب، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: كذاب، وقال المعيطي عن يحيى بن سعيد: كنا نتهمه بالكذب، إلى آخر ما قال الحافظ في "تهذيبه" تحت ترجمته.
وفي الثاني: أخبرني الثقة، وهو ليس بحجة، عن سليمان بن موسى هو الأشدق متكلم فيه.
وفي الثالث: أتانا كتاب عمر وهو خلاف، وفي سنده أبو نعيم الحربي، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحاكم أبو أحمد: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، ورواه عنه سعيد الحلبي لم أعرف حاله.
(1)"الاسيعاب"(1/ 84).
(2)
انظر: "السنن الكبرى"(3/ 178).
(3)
انظر: "تهذيب التهذيب"(1/ 158).
1069 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ (1) ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ - عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟
===
والطريق الرابع كتاب أيضًا، وفي سنده معاوية بن صالح، كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وقال الرازي: لا يحتج به، وقال الأزدي: ضعيف، ثم فيه ذكر الخمسين، وفيه دليل على اضطراب رأي عمر بن عبد العزيز في ذلك، ثم لو صح ذلك وسلم من الاضطراب، فرأي عمر ليس بحجة، والله تعالى أعلم (2).
1069 -
(حدثنا قتيبة (3) بن سعيد، نا ابن إدريس) لم أجده صريحًا في شيء من الكتب، والغالب على الظن أنه عبد الله بن إدريس الأودي (4)(عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل) بن حنيف، (عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكان) عبد الرحمن (قائد أبيه) كعب (بعد ما ذهب بصره) أي عَمِيَ (عن أبيه كعب بن مالك: أنه) أي كعب بن مالك (كان إذا سمع النداء يوم الجمعة) أي أذان الجمعة (ترحم) أي دعا بالرحمة (لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة) فما وجهه؟ .
(1) وفي نسخة: "سهل بن حنيف".
(2)
انظر: "أوثق العرى في تحقيق الجمعة في القرى" للشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهى، و"أحسن القرى" للشيخ محمود حسن الديوبندي.
(3)
واستدل صاحب "الروض المربع"(1/ 289) بهذا الحديث على جوازها في صحراء قرب الملدة، لأنها على ميل من المدينة المنورة. (ش).
(4)
قلت: جزم به العيني في "شرح أبي داود"(4/ 394)، وذكره المزي في "تهذيب الكمال"(4/ 86) رقم (3147)، وصرح بأنه روى عن محمد بن إسحاق.
قَالَ: لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِى هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِى بَيَاضَةَ فِى نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ، قُلْتُ (1): كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:
===
(قال) كعب: (لأنه) أي أسعد بن زرارة (أول من جمع بنا) أي صلَّى الجمعة بنا (في هزم النبيت) الهزم (2) بفتح الهاء، وسكون الزاي، بعدها ميم، موضع بالمدينة، والنبيت (3) بفتح النون، وكسر الباء الموحدة، بعدها التحتانية، وفي آخره تاء مثناة من فوق، وهي حي من اليمن.
(من حرة) الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، وقال أبو عمرو: تكون الحرة مستديرة فإذا كان فيها شيء مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع واللابة والحرة بمعنى، والحرار في بلاد العرب كثيرة، أكثرها حوالي المدينة (4) إلى الشام، كذا في "معجم البلدان"(5)، وقال العيني (6): الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء قرية على ميل من المدينة (بني بياضة) وبنو بياضة بطن من الأنصار منهم سلمة بن صخر البياضي له صحبة.
(في نقيع) بفتح النون وكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة، بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة فإذا نضب الماء أنبت الكلأ (يقال له: نقيع الخضمات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، قال ابن الأثير (7): نقيع الخضمات موضع بنواحي المدينة، وكذا في "اللسان".
(قلت) وهذا قول عبد الرحمن لأبيه كعب: (كم أنتم يومئذ؟ قال)
===
(1)
في نسخة: "فقلت".
(2)
أصل الهزم: "المنخفض من الأرض". (ش).
(3)
اسم أبي حي من اليمن، كذا في "المنهل"(6/ 219). (ش).
(4)
ولا يصح الاستدلال به على الجمعة في القرى، كما تقدم قريبًا. (ش).
(5)
"معجم البلدان"(2/ 245).
(6)
انظر: "عمدة القاري"(5/ 42).
(7)
انظر: "النهاية"(2/ 44).