الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
12 -
بابُ: الحَجْرِ
قالَ اللهُ تَعالى: " وابْتَلُوا اليَتامَى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فإنْ آنَسْتُمْ منْهمْ رُشْداً فادْفَعوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، ولا تأْكُلوهَا إسرافاً وبِدارَاً أنْ يَكْبَروا ومَنْ كانَ غَنِيَّاً فَلْيَسْتعْفِفْ، ومَنْ كانَ فَقيراً فَلْيأْكُلْ بالمَعرُوفِ، فإذا دَفَعْتُمْ إليْهمْ أمْوالَهُمْ فأشْهِدُوا عَلَيْهمْ وكَفى باللهِ حَسيباً ".
فهذهِ الآيةُ الكريمةُ دَلَّتْ بمنطوقِها ومَفهُومِها على عامّةِ أحكامِ هذا البابِ، وللهِ الحمدُ، ولنذكره وما في مَعناها من السُّنّةِ.
فَعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" لَمّا نزَلَتْ: " ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتيمِ إلاّ بالّتي هِيَ أحْسَنُ "، عَزَلوا أموالَ اليَتامى حتّى جعلَ الطّعامُ يفسدُ، واللحمُ ينتنُ فذكروا ذلكَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزَلتْ: " وإنْ تُخالِطوهُمْ فإخْوانُكُم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ "، قالَ: فَخالطوهُم "
(1)
، رواه أحمدُ، وهذا: لَفْظُهُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ مِن روايةِ عطاءِ بنِ السّائبِ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنهُ.
وعن عائشةَ: (ومَنْ كانَ غَنِيَّاً فَلْيَسْتعْفِفْ ومنْ كانَ فَقيراً فَلْيأْكُل بالمَعروفِ "، أُنزلتْ في والي اليتيم يُقيمُ عَليهِ ويُصلحُ في مالِه، إن كانَ فقيراً أكلَ منهُ بالمعروفِ
(2)
أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاري.
وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: ليسَ لي مالٌ، وليَ يتيمٌ، فقالَ: كُلْ من مالِ يتيمِك غيرَ مُسْرفٍ ولا مُبَذّرٍ، ولا مُتأَثِّلٍ
(1)
أحمد (المتن 1/ 325) وأبو داود (2/ 103) والنسائي (6/ 256).
(2)
البخاري (14/ 60) ومسلم (8/ 2421).
مالاً، من غيرِ أن تَقيَ، أو قال: تَفديَ مالَكَ بمالِهِ "
(3)
، رواهُ أحمدُ، وهذا: لفْظُهُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَة.
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ: حدَّثنا أبو الأَحْوصِ عن أبي إسْحاقَ عن البَراءِ، قالَ: قالَ لي عمرُ بنُ الخطابِ: إني أنزلْتُ نفسي من مالِ اللهِ بمنزِلةِ والي اليتيمِ، إن احْتجتُ أخذتُ منهُ، فإذا أيْسرتُ رَدَدْتُه، وإن اسْتَغْنيتُ اسْتَعْففتُ "
(4)
، هذا: إسنادٌ صَحيحٌ.
ورَوى البيهقيُّ عن ابنِ عبّاسٍ نحوَهُ، وهو قولُ طائفةٍ من السَّلفِ، وأحدُ القَولينِ، ولكنْ صَحّحوا أنهُ إذا أكلَ للحاجةِ: أنهُ لا يَردُّ البَدَلَ، لأنّ الآيةَ والأحاديثَ دلَّتْ على الأكلِ عندَ الحاجةِ، ولمْ يُذكَرْ في شيءٍ من ذلكَ رَدُّ البدَلِ عندَ اليَسارِ، واللهُ أعلمُ.
قالَ اللهُ: " حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ "، قالَ مُجاهدٌ: هوَ الحُلُم.
عن عليٍّ، قالَ: حَفظْتُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لا يُتْمَ بعدَ احتلامٍ، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليلِ "
(5)
، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ: غَريبٍ.
وقد تقدَّمَ في معناهُ حديثُ أيضاً مرفوعٌ: " رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتّى يحتلمَ، وعن المَجنونِ حتّى يَفيقَ - الحديث "
(6)
.
وكتبَ ابنُ عبّاسٍ إلى نَجْدةَ الحرورِيِّ: " وإنكَ كتبتَ تَسألُني عن اليتيمِ مَتى ينقطعُ عنهُ اسمُ اليُتْمِ؟، إنهُ لا ينقطعُ عنهُ اسمُ اليُتْمِ حتّى يبلغَ، ويُؤْنَسَ منهُ الرشدُ "
(7)
، رواهُ مسلمٌ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: " عُرِضتُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عَشرةَ،
(3)
أحمد (المتن 2/ 216) وأبو داود (2/ 103) والنسائي (6/ 256) وابن ماجة (2718).
(4)
البيهقي (6/ 354) من طريق سعيد نفسه، به، لكن شيخ أبي إسحاق عنده " اليرفأ " وورد على الصواب (6/ 5).
(5)
أبو داود (2/ 104).
(6)
تقدم.
(7)
مسلم (5/ 197).
فلمْ يُجزِني، وعُرِضتُ عليه يومَ الخندقِ وأنا ابنُ خَمسَ عَشرةَ فأَجازَني "
(8)
، أخرجاهُ.
عن عبدِ الملك بنِ عُميْرٍ عن عَطيَّةَ القُرظيِّ، قالَ: " عُرِضْتُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ قُرَيْظةَ فشَكّوا فيَّ، فأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن
(9)
ينظروا إليَّ هلْ أنْبتُّ بعدُ، فنظَروا فلمْ يَجدوني أنْبتُ، فَخُلِّيَ عنّي، وألحقَني بالسّبي "
(10)
، رواهُ أحمدُ، وهذا لَفْظُهُ، وأهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ صَحيحٌ.
وفي لفظٍ لأحمدَ: " عُرِضْنا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ قُرَيْظةَ، فكانَ مَنْ أنبتَ قُتِلَ، ومَنْ لمْ يُنبتْ
(11)
فخلّيَ سَبيلي ".
قلتُ: وذلكَ أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ قدْ حكَّم فيهم سعدَ بنُ مُعاذٍ، فحكمَ بقتلِ مُقاتلتهم، وسَبْي ذَراريهمْ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لقدْ حَكمْتَ بحكمِ اللهِ. . الحديث "
(12)
، اخرجاهُ في الصّحيحين كما سيأتي في بابهِ إن شاءَ الله.
قالتْ عائشةُ: " إذا احتلَمتِ الجاريةُ فَعليها ما على أُمّهاتِها من السِّتر "
(13)
، رواهُ البيهقيُّ.
ورُويَ عن أُمِّ سَلَمةَ: " إذا حاضَتِ الجاريةُ، وجَبَ عليْها ما يجبُ على أُمّهاتِها، تقولُ: من السِّتْر "
(14)
.
عن عائشةَ، قالَ عليه السلام:" لا يَقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخِمارٍ "
(15)
، رواهُ
(8)
البخاري (13/ 240) ومسلم (6/ 30).
(9)
ليست في الأصل وهي ثابتة عند غيره، وسياق الكلام يقتضيها.
(10)
أحمد (15/ 105) وأبو داود (2/ 453) والنسائي (6/ 155 و 8/ 92) والترمذي (2/ 407) وابن ماجة (2541).
(11)
هكذا بالأصل، والظاهر سقوط شيء منه، وتمامه في مسند أحمد (4/ 310) ومن لم ينبت خلّي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلّي سبيلي ".
(12)
البخاري (14/ 288) ومسلم (5/ 160).
(13)
البيهقي (6/ 57).
(14)
البيهقي (6/ 57).
(15)
أحمد (متن 6/ 150) وأبو داود (1/ 149) وابن ماجة (655) والترمذي (1/ 234).
أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حَسَنٌ.
قالَ تَعالى: " فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدَاً "، قالَ عليّ بنُ أبي طَلْحَة عن ابنِ عبّاسٍ:" يقولُ تَعالى: اخْتَبِروا اليَتامى عندَ الحُلُمِ، فإنْ عَرفْتمْ منْهمْ الرُّشْدَ في حالِهمْ، والإصلاحَ في أموالِهم، فادفعوا إليهمْ أموالَهُم، وأَشهِدوا عَليْهم "
(16)
.
تقدّمَ حديثُ أنَسٍ في الرجلِ الذي كانَ يُخْدَعُ في البيوعِ، فأتى أهلُهُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسألوهُ أن يَحْجرَ عليهِ "
(17)
.
اسْتُدلَّ بهِ على الحَجْر بالسَّفَهِ، واحْتجَّ الشافعيُّ على ذلكَ بما رواهُ من حديثِ أبي يوسفَ القاضي عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ، قالَ:" ابتاعَ عبدُالله بنُ جَعفرٍ بيعاً، فقالَ عليٌّ: لآتينَّ عثمانَ فلأَحْجُرَنَّ عليكَ، وأعلمَ ابنُ جَعفرٍ الزُّبيرَ، فقال: أنا شريكُكَ في بيعكَ، فأتى عليٌّ عثمانَ، فقالَ: احْجرْ على هذا، فقالَ الزُّبيرُ: أنا شريكُهُ، فقالَ عثمانُ: أحجرُ على رجُلٍ شَريكُهُ الزّبيرُ؟ "
(18)
. رواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخرَ عن هشام بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ بنحوهِ،: أنَّ عبدَ الله بنَ جَعفرٍ اشْتَرى أرْضاً بستّمائةِ ألفِ دِرْهمٍ ".
(16)
رواه البيهقي (6/ 59) بمثله، وإسناده يستحق التحسين.
(17)
تقدم.
(18)
البيهقي (6/ 61) من وجهين عن هشام بن عروة عن أبيه، فذكره، والشافعي (3/ 220) في " الأم " من طريق أبي يوسف القاضي به.