المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ باب: قتال المشركين - إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه - جـ ٢

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌كتابُ البيوع

- ‌ بابُ: ما يَتمُّ بهِ البيعُ

- ‌ بابُ: ما يجوزُ بيعُهُ، وما لا يجوز

- ‌ بابُ: الرِّبا

- ‌ بابُ: بيعِ الأصولِ والثّمارِ

- ‌ بابُ: بيعِ المُصَرّاةِ، والرّدِّ بالعَيبِ

- ‌ بابُ: اختلافِ المُتبايعين

- ‌ بابُ: السَّلَمِ

- ‌ بابُ: القَرْضِ

- ‌ بابُ: الرَّهْن

- ‌ بابُ: التَّفْليسِ

- ‌ بابُ: الحَجْرِ

- ‌ بابُ: الصُّلْحِ

- ‌ بابُ: الحِوالةِ

- ‌ بابُ: الضَّمان

- ‌ بابُ: الشّرِكَةِ

- ‌ بابُ: الوكالةِ

- ‌ بابُ: الوَديعةِ

- ‌ بابُ: العاريَةِ

- ‌ بابُ: الغَصْبِ

- ‌ بابُ: الشُّفْعةِ

- ‌ بابُ: القِراض

- ‌ بابُ: العَبْدِ المَأذون

- ‌ بابُ: المُساقاةِ والمُزارَةِ

- ‌ بابُ: الإجارَةِ

- ‌ بابُ: المُسابَقةِ

- ‌ بابُ: إحياءِ المواتِ، وتملّكِ المُباحاتِ

- ‌ بابُ: اللُّقَطةِ

- ‌ بابُ: اللَّقيطِ

- ‌ بابُ: الوَقْفِ

- ‌ بابُ: الهِبَةِ

- ‌ بابُ: الوَصيَّةِ

- ‌ بابُ: العِتْقِ

- ‌ بابُ: التَّدبيرِ

- ‌ بابُ: الكتابةِ

- ‌ بابُ: عِتْقِ أُمِّ الوَلدِ

- ‌ بابُ: الوَلاءِ

- ‌ كتابُ الفَرائض

- ‌ بابُ: ميراثِ أهلِ الفَرْضِ

- ‌ بابُ: ميراثِ العَصَبةِ

- ‌ بابُ: ميراثِ الجد والإخوة

- ‌ كتابُ النِّكاحِ

- ‌ بابُ: ما يَحرمُ مِن النِّكاحِ

- ‌ بابُ(1): عيوب النكاح أو ما يثبت به الخيار أو (الخيار في النكاح، والرّدّ بالعيب)

- ‌ بابُ: نكاحِ المُشركِ

- ‌ كتابُ الصَّداقِ

- ‌ بابُ: المُتْعةِ

- ‌ بابُ: الوليمةِ والنَّثرِ

- ‌ بابُ: عِشرةِ النِّساءِ، والقَسْم، والنُّشوزِ

- ‌ بابُ: الخُلْعِ

- ‌ كتابُ الطَّلاقِ

- ‌ بابُ: عددِ الطَّلاقِ، والاستثناء فيهِ

- ‌ بابُ: الشَرْط في الطَّلاقِ

- ‌ بابُ: الشّكّ في الطلاقِ

- ‌ بابُ: الرَّجْعةِ

- ‌ بابُ: الإيلاءِ

- ‌ بابُ: الظِّهار

- ‌ بابُ: اللِّعانِ

- ‌ بابُ: ما يلحقُ من النَّسبِ، وما لا يلحقُ

- ‌ كتابُ الأيمان

- ‌ بابُ: مَنْ يَصحُّ يَمينُهُ، وما تَصِحُّ بهِ اليمينُ

- ‌ بابُ: جامعِ الأيمان

- ‌ بابُ: كفّارةِ اليمينِ

- ‌ كتابُ العِدَد

- ‌ بابُ: الاسْتبراءِ

- ‌ بابُ: الرّضاعِ

- ‌ كتابُ النَّفَقاتِ

- ‌ بابُ: نَفقةِ الزَّوجاتِ

- ‌ بابُ: نفقةِ الأقاربِ، والرَّقيقِ، والبهائمِ

- ‌ بابُ: الحَضانةِ

- ‌ كتابُ الجنايات

- ‌ بابُ: مَنْ يجبُ عليهِ القِصاصُ، ومنْ لا يجبُ

- ‌ بابُ: ما يجبُ بهِ القصاصُ مِنَ الجِناياتِ

- ‌ بابُ: العفْوِ والقِصاص

- ‌ بابُ: منْ يجبُ عليهِ الدِّيةُ من الجنايةِ

- ‌ بابُ: ما يجبُ فيهِ الدِّيةُ من الجناياتِ

- ‌ بابُ: الدِّياتِ

- ‌ بابُ: العاقلةِ، وما تحملُهُ

- ‌ بابُ: كفارة القتل

- ‌ بابُ: قتالِ أهلِ البَغْي

- ‌ بابُ: قتلِ المُرْتَدّ

- ‌ بابُ: قتال المشركين

- ‌ بابُ: قَسْمِ الفيءِ والغَنيمةِ

- ‌ بابُ: عقدِ الذِّمةِ، وضربِ الجزْيةِ

- ‌ بابُ: عقْدِ الهُدْنةِ

- ‌ بابُ: خراج السَّواد

- ‌ كتابُ الحدودِ

- ‌ بابُ: حَدِّ الزِّنا

- ‌ بابُ: حَدِّ القَذْفِ

- ‌ بابُ: قاطعِ الطّريقِ

- ‌ بابُ: حدِّ الخمرِ

- ‌ بابُ: التَّعزيرِ

- ‌ بابُ(1): أدب السّلطان

- ‌ كتابُ الأقضيةِ

- ‌ بابُ: ولايةِ القضاءِ، وأدبِ القاضي

- ‌ بابُ: صفةِ القضاءِ

- ‌ بابُ: القِسمةِ

- ‌ بابُ: الدعوى والبيّناتِ

- ‌ بابُ: اليمينِ في الدّعاوى

- ‌ كتابُ الشهادات

- ‌ بابُ: مَنْ تُقْبلُ شهادتُهُ، ومَن لا تُقْبلُ

- ‌ بابُ: تحمّلِ الشَّهادةِ وإدائِها، والشَّهادةِ على الشَّهادةِ

- ‌ بابُ: الإقرار

الفصل: ‌ باب: قتال المشركين

11 -

‌ بابُ: قتال المشركين

قالَ اللهُ: " وقَاتِلوهُمْ حتّى لا تكونَ فتْنَةٌ ويكونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله. . الآية ".

وقالَ تعالى: " إنّ الذينَ تَوفَّاهُمْ المَلائِكَةُ ظَالمِي أنْفُسهِمْ قالُوا فيمَ كُنْتُمْ قالوا كُنَّا مُستضْعَفينَ في الأرضِ قالُوا ألمْ تَكنْ أرضُ اللهِ واسعَةً فتهاجِرُوا فيها فأولئكَ مأواهُمْ جَهَنّمُ وساءَتْ مَصيراً. إلا المستضعَفينَ مِنَ الرّجالِ والنّساءِ والوِلدانِ لا يستطيعونَ حيلةً ولا يَهتدونَ سبيلاً. فأُولئكَ عَسى اللهُ أنْ يَعفوَ عنهُمْ وكانَ اللهُ عفوَّاً غَفوراً ".

عن جريرِ بنِ عبدِ الله: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بينَ أظهرِ المشركينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولمَ؟، قالَ: لا ترآى ناراهُما "

(1)

، رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.

وعن سَمُرَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ جامعَ المشركَ وسكنَ معَهُ، فهو مِثْلهُ "

(2)

، رواهُ أبو داودَ.

عن عبد الله بن السعدي: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" لا تنقطع الهجرةُ ما قوتِلَ العَدُوُّ "

(3)

، رواهُ أحمدُ، والنسائيُّ.

عن عبّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" لا هجرةَ بعد الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيّةٌ، وإذا استُنْفِرتُم فانْفِروا "

(4)

، أخرجاهُ.

وقالتْ عائشةُ: " لا هجرةَ اليومَ، كانَ المؤمنُ يفرُّ بدينِهِ إلى الله ورسولِهِ مخافةَ أن

(1)

أبو داود (2/ 43 جهاد 104) والترمذي (3/ 80)، قلت: والنسائي (8/ 36) عن قيس.

(2)

أبو داود (2/ 84).

(3)

أحمد (المتن 5/ 270) والنسائي (7/ 147) بلفظ (الكفار).

(4)

البخاري (14/ 79) ومسلم (6/ 28).

ص: 298

يُفْتَنَ، أمّا اليومَ فقدْ أظهرَ اللهُ الإسلامَ، والمؤمنُ يعبدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ "

(5)

، رواه البخاريُّ.

وعن أبي الدَّرداءِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أقامَ الصلاةَ وآتى الزَّكاةَ، وماتَ لا يشركُ باللهِ شيئاً، كانَ حقاً على اللهِ أن يغفرَ لهُ، مُهاجراً أو ماتَ في مولدِهِ "

(6)

، رواهُ النسائيُّ.

ولأحمدَ عن مُعاذٍ

(7)

، والترمذيِّ عن عُبادةَ

(8)

مثلُهُ، وفي المسألةِ أحاديثُ كثيرةٌ وهذا القدرُ كافٍ، واللهُ أعلمُ.

قالَ اللهُ تعالى: " كُتِبَ عَليْكُمْ القِتالُ وهوَ كُرْهٌ لكُمْ ".

وقالَ: " وقَاتِلوا المشْركينَ كافّةً كَما يُقاتِلونكُم كافّةً ".

عن أنسٍ: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" جاهدوا المشركينَ بأموالكُمْ، وأنفسِكُمْ، وألسنتكمْ "

(9)

.

وفي لفظٍ: " بألسنتِكُمْ، وأنفسِكُمْ، وأيديكُمْ "

(10)

، رواهُ أحمدُ، ولهُ اللَّفظانِ، وأبو داودَ، والنّسائيُّ.

عن عِكْرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" إلا تَنْفِروا يُعَذّبْكمْ عذاباً أليماً " وَ " ما كان لأهلِ المدينةِ. . إلى قولهِ: يعملونَ "، نَسختْها الآيةُ التي تليها:" وما كانَ المؤمنونَ لِيَنْفِروا كافَّةً فلولا نفر من كلّ فرْقةٍ مِنْهمْ طائفةٌ. . الآية "

(11)

. كذا رواه أبو داود.

وهذا يدلُّ على أنّ الجهادَ فرضُ كِفايةٍ.

(5)

البخاري (17/ 37).

(6)

النسائي (6/ 20).

(7)

أحمد (5/ 240 المسند).

(8)

الترمذي (2638).

(9)

أحمد (14/ 7).

(10)

أحمد (3/ 124 المتن) والنسائي (6/ 7) وأبو داود (2/ 10).

(11)

أبو داود (2/ 10).

ص: 299

قال تعالى: " يا أيّها الذينَ آمَنوا إذا لقيتُم الذينَ كفروا زَحفاً فلا تُولّوهم الأدبارَ. ومَنْ يُولّهمْ يومَئذٍ دُبُرهُ إلا مُتحرِّفاً لقتالٍ أو مُتَحيِّزاً إلى فئةٍ فقدْ باءَ بغضبٍ من اللهِ ومأواهُ جهنّمُ وبئسَ المصيرُ ".

عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" اجتنبوا السبعَ الموبقاتِ، قالوا: وما هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: الشركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النفسِ التي حرّمَ اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتّولّي يومَ الزّحفِ، وقذْفُ المحْصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ "

(12)

أخرجاهُ.

فيه دلالةٌ على أنّ مَنْ حضر الصفَّ مِن أهل فرضِ الجهادِ أنهُ ينبغي عليه القتالُ.

عن أبي ذَرٍّ، قالَ:" قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟، قالَ: الإيمانُ باللهِ، والجهادُ في سبيلهِ "

(13)

، أخرجاهُ، في أحاديثَ كثيرةٍ في فضيلةِ الجهادِ، فَيُستحبُّ الإكثارُ منهُ تحصيلاً لثوابِهِ الجزيلِ، واقتداءاً برسولِهِ صلى الله عليه وسلم فإنهُ كانَ كثير الغَزواتِ.

روى مسلم في صحيحهِ عن بُريْدةَ بن الخصيبِ الأسْلميِّ، قالَ:" غزا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تسعَ عشرةَ غزْوةً، قاتل في ثمانٍ منهن "

(14)

.

وذكر محمدُ بن إسحاقَ بنِ يَاسرٍ المدنيُّ في كتابهِ السيرة: أن غزواتِهِ التي خرجَ فيها بنفسهِ كانتْ سَبْعاً وعشرين، وكانتْ بعوثُهُ وسراياه ثمانياً وثلاثين ".

قلتُ: وكلُّ هذا في مدّة مقامِهِ بالمدينةِ، وهيَ عَشْرُ سنين، فإنّ الجهادَ لم يجبْ إلا بالمدينةِ، ولهذا كانَ أقل ما يجزي في السّنةِ مرّةً، ويُؤيّدُ ذلكَ أيضاً ما رواهُ أبو داودَ في المَراسيلِ بإسنادٍ صحيحٍ عن عبدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالكٍ الأنصاريّ: " أنّ جيشاً من الأنصارِ كانوا بأرضِ فارسَ معَ أميرِهمْ، وكانَ عمرُ يعْقبُ الجيوشَ كلَّ عامٍ، فغفلَ عنهم عمرُ، فلما مرَّ الأجلُ قفَلَ أهلُ ذلكَ الثَّغرِ، فاشتدَّ عليهِ وأوعدهُمْ، وهمْ أصحابُ

(12)

البخاري (14/ 61) ومسلم (1/ 64).

(13)

البخاري (13/ 79) ومسلم (1/ 62).

(14)

مسلم (5/ 200).

ص: 300

رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا عمر، إنّكَ شُغِلتَ عنّا وتركتَ فينا الذي أمر بهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من إعقابِ بعضِ الغزيّة بعضاً "

(15)

:

قالَ المصنف: وإن دعتِ الحاجةُ إلى تأخيرِهِ لضعفِ المسلمين أخَّرهُ، ودليلهُ ما يأتي: من حديثِ المُهادنةِ يومَ الحُديبيةِ، وتأخيرهم الحربَ عن قريشٍ عشرَ سنين.

قالَ تعالى: " وقاتِلوا المُشركينَ كافَّةً كَمَا يُقاتِلونَكُمْ كافَّةً "، أي: قاتِلوا المشركين جميعكمْ على أصحِّ قولي المُفسّرين، خرجَ من ذلكَ المرأةُ إنْ قُلنا بدخولِها في جمعِ المذكّر لحديثِ عائشةَ، قالتْ:" استأذنتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الجهادِ، فقالَ: جهادُكنّ الحجُّ "

(16)

، رواهُ البخاريّ.

وأمّا العبدُ فإنهُ مستغرقٌ في خدمةِ مواليهِ، ولهذا لم يشهدْ سلمانُ الفارسيُّ شيئاً من الغزواتِ قبلَ الخندقِ، معَ تقدّمِ إسلامهِ عليه، لأنهُ شغَلهُ الرّقُّ، وأمّا الصبيُّ:

فعن عبد الله بن عمر، قالَ:" عُرِضْتُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ أُحدٍ، وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ، فلمْ يُجزْني، وعُرِضتُ عليه يومَ الخندقِ وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ فأجازني "

(17)

، أخرجاه.

وهكذا ردَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ أُحُدٍ جماعةً ممّن لمْ يحتلمْ، كأُسامةَ بنِ زيد، وأسيد ابن ظهير، والبراءِ بن عازبٍ، وزيد بن أرقمَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وعبد الله بن عمرَ، وعرابةَ ابن أوْسٍ، وعمرو بن حَزْمٍ، ثمّ أجازهم يومَ الخندقِ.

عن الربيِّعِ بنتِ مُعَوذٍ، قالتْ:" كنّا نغزو مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فنسقي القومَ، ونخدمُهُمْ، ونردُّ الجَرحى والقتلى إلى المدينةِ "

(18)

، رواه البخاريُّ، فدلَّ على جواز حضورهن الحرب، وكذا الصبيان، فقد روى أبو داود عن جابر:" أنه شهدَ بدْراً "

(19)

،

(15)

أبو داود في السنن (2/ 125) مرسلاً، ولم أجده في كتاب المراسيل له.

(16)

البخاري (14/ 164).

(17)

البخاري (14/ 240) ومسلم (6/ 30).

(18)

البخاري (14/ 169).

(19)

أبو داود (2/ 71).

ص: 301

ولهذا عدَّهُ البخاريُّ فيهم.

" قيل لأنسٍ؟ أشهدتَ بدْراً؟ فقالَ: وأينَ أغيبُ؟، وشهدَ بعضُ العبيد خيبرَ، ورضَخ لهم من الغنيمةِ كما سيأتي.

قالَ تعالى: " ليْسَ على الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرجِ حَرَجٌ ولا على المريضِ حَرَجٌ. . الآية ".

وعن البراءِ، قالَ:" لما نزلت: " لا يسْتوي القاعِدون مِن المؤمنين "، دعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زيد يعني ابن ثابتٍ فجاء بكتفٍ فكتبها، وشَكا ابنُ أمِّ مَكتومٍ، ضَرارَتَهُ، فنزلَتْ: " غيْرُ أُولي الضَّرَرِ "

(20)

، أخرجاهُ، لفظُهُ للبخاري.

قالَ تعالى: " ليْسَ على الضُّعفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الذينَ لا يجدونَ مَا يُنفقونَ حَرَجٌ إذا نَصَحوا لله ورَسولهِ ما عَلى المحسنينَ مِنْ سبيلٍ واللهُ غفورٌ رحيمٌ. ولا على الذينَ إذا ما أتوْكَ لِتَحملَهُمْ قلتَ لاأجدُ ما أحْمِلكُم عليْهِ تَوَلّوا وأعْيُنهمْ تَفيضُ مِنَ الدّمعِ حزناً ألا يجدوا ما يُنفقونَ ".

ذكرَ أهلُ التفسيرِ والسّيرِ أنّ البكّائين كانو سبعةً، وهمْ: سالمُ بنُ عُميْرٍ، وعبدُالله ابنُ المغَفّل المُزَنيُّ، وأبو ليْلى: عبدُ الرحمنِ بنُ كعْبٍ، وعِرْباضُ بنُ ساريةَ، وعليةُ بن زيدٍ

(21)

، وعمرو بنُ الحمام، وهَرمي بنُ عبد الله رضي الله عنهم.

عن أنسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ في غَزاةٍ، فقالَ: إنّ أقواماً بالمدينةِ خلّفناهُمْ، ما سَلكنا شِعْباً ولا وادياً إلا وهمْ معنا حَبسَهُم العُذْرُ "

(22)

، رواهُ البخاريُّ.

ولمسلمٍ عن جابرٍ: مثلُهُ

(23)

، وقالَ:" حَبسهُم المرضُ ".

(20)

البخاري (14/ 129) ومسلم (6/ 43).

(21)

بالأصل غير بين، والتصحيح من الإصابة، لابن حجر رحمه الله (2/ 500)، وفي تفسير الإمام ابن كثير (2/ 382) رحمه الله أثبت (علية بن زيد) بالياء التحتانية وأظنه خطأ لأنه بالباء كما في الإصابة.

(22)

البخاري (14/ 133).

(23)

مسلم (6/ 49).

ص: 302

عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالَ:" القتلُ في سبيلِ اللهِ، يُكَفِّرُ كلَّ شيءٍ إلا الديْن "

(24)

، رواهُ مسلمٌ.

ولهُ عن أبي قتادة

(25)

نحوَهُ، وفي آخِرهِ:" كذاكَ قالَ جبريلُ ".

ورواهُ أحمدُ عن أبي

(26)

هريرةَ، ومحمدِ بنِ عبد الله

(27)

بنِ جَحش، والترمذيُّ عن أنسٍ

(28)

. واستدلّوا بهِ على أنهُ لا يجاهدُ مَن عليهِ ديْنٌ إلا بإذنِ غريمِهِ.

عن ابنِ مسعودٍ، قلتُ:" يا رسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أفضل؟، قالَ: الصلاةُ لوقتِها، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟، قالَ: بِرُّ الوالدين، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟، قالَ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ "

(29)

، أخرجاهُ.

فقد قدّمَ برَّ الوالدين على الجهادِ، فلا يُجاهد إلا بإذْنِهما.

وعن عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال:" جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسْتأذنُهُ في الجهادِ، قالَ: أحيٌّ والداك؟، قالَ: نعم، قالَ: ففيهما فجاهِدْ "

(30)

، أخرجاهُ.

عن أبي سعيدٍ: " أنّ رجلاً هاجرَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من اليمنِ، فقالَ: هلْ لكَ أحدٌ باليمنِ؟، قالَ: أبوايَ، فقالَ: أذِنا لكَ؟، قالَ: لا، قالَ: ارجعْ إليهما فاستأذِنْهما، فإنْ أذِنا لكَ فجاهدْ، وإلا فبرَّهما "

(31)

، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ حبّانَ في صحيحهِ والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ.

(24)

مسلم (6/ 38).

(25)

مسلم (6/ 38).

(26)

أحمد (14/ 31).

(27)

أحمد (المتن 4/ 139) محمد بن عبد الله بن جحش عن أبيه.

(28)

الترمذي (3/ 128) عن أبي قتادة.

(29)

البخاري (14/ 79) ومسلم (1/ 63).

(30)

البخاري (14/ 250) ومسلم (8/ 3).

(31)

أحمد (14/ 41) وأبو داود (2/ 17) وابن حبان (391) الموارد.

ص: 303

قالَ تعالى: " وأطيعُوا الله وأطيعُوا الرسولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكمْ. . الآية ".

عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ عليه السلام: " مَنْ أطاعني فقدْ أطاعَ اللهَ، ومنْ يُطعِ الأميرَ فقدْ أطاعني، ومنْ يَعْصِ الأميرَ، فقد عصاني "

(32)

، أخرجاهُ.

عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " ما مِنْ أميرٍ يلي أُمورَ المسلمين، ثمّ لا يجتهدُ لهمْ إلا لمْ يدخلِ معهم الجنّة "

(33)

، رواهُ مُسلمٌ فينبغي على الإمامِ أو نوّابِهِ من أُمراءِ الجيوشِ تعاهدُ الجندِ والرّجالِ قبلَ دخولِ بلادِ العدوِّ، فما لا يصلحُ منها للحربِ منعَ المسير معهُ، ولا يأذنُ في الحربِ لمُخذِّلٍ، ولا لمنْ يرجفُ بالمسلمين بالأخبار المكذوبةِ وإذاعةِ الأخبارِ التي يحصلُ بسماعِها وهْنٌ في قلوبِ الضّعفاءِ من الجندِ ونحوهِم، ولا يستعينُ في القتال بمشركٍ لما أخرجاهُ في الصّحيحين عن البراءِ بنِ عازبٍ، قالَ:" أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ مُقَنَّعٌ بالحديد، فقالَ: يا رسولَ الله: أقاتِلُ أمْ أُسلمُ؟، فقالَ: أسْلمْ ثُمّ قاتلْ، فأسلمَ ثمَّ قاتلَ، فقُتِلَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عملَ عملاً قليلاً، وأُجرَ كثيراً "

(34)

، ولفظُهُ للبخاريِّ.

وعن عائشةَ، قالتْ:" خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ بدْرٍ، فلما كان بحرَّة الوَبرة أدركَهُ رجلٌ قد كانَ يُذكرُ منهُ جراءةٌ ونجدة، ففرحَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جينَ رأوهُ، فلما أدركهُ قالَ لرسولِ الله: جئتُ لأتبعكَ وأصيب معك، فقالَ: تؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟، قالَ: لا، قالَ: فارجعْ، فلنْ أستعينَ بمشركٍ، وذكرتْ الحديثَ في ردّهِ لهُ ثلاثاً، فلما أسلمَ أذنَ لهُ "

(35)

، رواهُ مسلمٌ.

فأمّا إنْ كانَ في المسلمين قلّةٌ أو في حضورِ بعضِهم مصلحةٌ تعودُ عليه أو على المسلمين فيه بسببه، فلا بأس بذلكَ، لما رُويَ: أنهُ عليه السلام استعانَ بنفرٍ من يهودِ بني قَيْنقاعٍ في بعضِ غزواتِهِ، وقد حضرَ يومَ حُنينٍ جماعةٌ من الطّلقاءِ من أهلِ مكةَ

(32)

البخاري (24/ 221) ومسلم (6/ 13).

(33)

مسلم (1/ 88).

(34)

البخاري (14/ 105) ومسلم (6/ 44).

(35)

مسلم (5/ 201).

ص: 304

ممّن لمْ يتمكّن الإيمانُ في قلوبِ بعضِهم، كما ذكرهُ موسى بنُ عُقْبة، وغيرُهُ، وشهدَها صفوانُ بنُ أُميّةَ وهو مشركٌ بعدُ، لكنّهُ كانَ حسن الرأيِ في المسلمين، لأنهُ لما قال أخوهُ لأمِّه كلدَةُ بن الحسلِ حينَ ولّى المسلمون مُدبرينَ: بطلَ السّحرُ اليومَ، قالَ لهُ صَفوانُ: اسكتْ، فواللهِ لئن يَرُبّني ملكٌ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني ملكٌ من هوازن، ثمّ أسلمَ بعد ذلكَ، وحسُنَ إسلامُهُ.

ويبدأُ بقتالِ مَنْ يليهِ من الكفّارِ، لقولِهِ تعالى:" قَاتِلوا الّذينَ يَلونَكُمْ مِنَ الكفَّارِ "، كما فعلَ الصّديقُ في قتالِ أهْلِ الرِّدّةِ، ومانعي الزّكاةِ، ثمّ يتصَدّى لقتال أهلِ الكتابِ والمجوسِ، والقِبْطِ، وغيرِهم من الأممِ.

عن عبد اللهِ بنِ عوْنٍ، قالَ: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُهُ عن الدّعاءِ قبلَ القتالِ، فكتبَ إليَّ: إنّما كانَ ذلكَ في أوّلِ الإسلامِ، قدْ أغارَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على بني المُصْطلِق وهم غارّون، وأنعامُهم تُسقى على الماءِ، فقتلَ مُقاتلَهم وسبى سبْيهم، وأصابَ يومئذٍ جُوَيريةَ بنتَ الحارثِ، قالَ: وحدّثني عبدُالله بنُ عمرَ، وكان في ذلكَ الجيشِ "

(36)

، أخرجاهُ.

عن سُليمانَ بن بُريْدةَ عن أبيهِ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ومنْ معهُ من المسلمين إذا أمَّر أميراً على جيشٍ أو سَريّةٍ، أوصاهُ في خاصّتهِ بتقوى اللهِ وبمنْ معهُ من المسلمين خيراً، ثمَّ قالَ: اغزوا بسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ، قاتلوا من كفرَ باللهِ، اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وَليداً، وإذا لقيتَ عدوَّكَ من المشركين، فادْعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ، أو خلالٍ، فأيّتهنَّ ما أجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكفَّ عنهم، ثم ادعهُمْ إلى الإسلامِ، فإنْ أجابوكَ فاقبلْ منهم، وكفَّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التحوّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرين، فإنْ أبوْا أن يتحوّلاو منها، فأخبرْهُم أنّهم إنْ فعلوا ذلكَ، فلهُم ما لِلمهاجرين، وعليْهم ما على المهاجرين، فإنْ أبوا أنْ يتحولوا منها، فأخبرْهُم: أنهم يكونون مثلَ أعرابِ المسلمين، يجري عليهم حكمُ اللهِ الذي يجري على المؤمنينَ،

(36)

البخاري (13/ 101) ومسلم (5/ 139).

ص: 305

ولا يكونُ لهم في الفيءِ إلا أن يُجاهدوا معَ المسلمين، فإنْ أبوْا فسلْهُم الجزيةَ، فإنْ هم أجابوكَ، فاقبلْ منهم وكفَّ عنهم، فإنْ أبوا فاستعِنْ باللهِ وقاتِلْهم، وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادوكَ أنْ تجعلَ لهم ذمّةَ اللهِ وذمةَ نبيّهِ، فلا تجعلْ لهم ذمّةَ اللهِ ولا ذمةَ نبيّهِ، ولكنْ اجعلْ لهم ذمّتَكَ وذمّةَ أصحابِكَ، فإنكم إنْ تُخفروا ذمّتَكم وذممَ أصحابِكمْ أهونُ من أنْ تُخفِروا ذمَّةَ اللهِ وذمةَ رسولِهِ، وإذا حاصرتَ أهلَ حصْنٍ، فأرادوكَ أنْ تُنزِلهم على حكمِ اللهِ، فلا تُنزلهمْ على حكمِ اللهِ، ولكنْ أنزلهم على حكمِكَ، فإنّكَ لا تدري أتصيبُ حكمَ اللهِ لا "

(37)

، رواهُ مسلمٌ.

وفيهِ دلالةٌ على: أنهُ لا بدَّ من عرضِ الجزيةِ على أهلِ الكتابِ، وذلكَ لأنّ هؤلاءِ المذكورين في هذا الحديث، إنما همْ أهلُ كتابٍ، لأنّ آيةَ الجزيةِ إنما نزلتْ بعدَ انقضاءِ حربِ المشركين عبدَةِ الأوثانِ.

عن الصعْبِ بنِ جَثّامَةَ: " سُئلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن أهلِ الدارِ من المشركين يُبيّتونَ فَيُصابُ مِنْ نسائِهم وذَراريهم، فقالَ: همْ منهم "

(38)

، أخرجاهُ.

عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ عن مَكحولٍ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نصبَ المجانيقَ على أهلِ الطائفِ "

(39)

، رواهُ أبو داودَ في المَراسيلِ.

وقد رواهُ الترمذيُّ مُرْسَلاً عن ثورٍ نفسهِ.

ورواهُ أبو سعيدٍ بنُ الأعرابي من حديثِ أبي صادقٍ عن عليٍّ، ولمْ يُدركْهُ.

ورواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ من حديث زيدِ بنِ أسْلمَ عن أبيهِ عن أبي عُبيدةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حاصرَ أهلَ الطائفِ، ونصبَ عليهم المنجنيق سبْعَة عشرَ يوماً ".

وقد ذكر الشافعيُّ هذا الحديثَ مُعلّقاً.

(37)

مسلم (6/ 139).

(38)

البخاري (14/ 260) ومسلم (5/ 144).

(39)

أبو داود في المراسيل (183) والترمذي (5/ 94) والبيهقي (9/ 84).

ص: 306

عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قطعَ نخلَ بني النّضيرِ وحرَّقَ ولها يقولُ حسّان:

وهانَ على سراةِ بني لُؤيٍّ

حريقٌ بالبُوَيْرةِ مستطيرٌ

وفي ذلكَ نزلَتْ: " مَا قطعْتُمْ مِنْ لينةٍ أوْ تركْتُموها قائِمةً على أُصُولِهَا فبإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسقينَ "

(40)

، أخرجاهُ.

قالَ اللهُ: " وإنْ جَاهداكَ على أنْ تُشرِكَ بي مَا لَيْسَ لكَ بهِ عِلمٌ فلا تُطعْهُما وصَاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْروفاً ".

وقدْ أمرَ الرّسولُ عليه السلام بصلةِ الأرحامِ، فيُؤخذُ منهُ: أنّ الرجلَ يُكْرَهُ لهُ قتلُ أبيهِ أو ابنِهِ إذا كانَ معَ المشركين، ولكنْ يدعَهُ حتّى يليَ قتلَهُ غيرُهُ، ولهذا رَوى أهلُ السِّيرِ: أنهُ عليه السلام زَجَر أبا حُذَيْفةَ يومَ بَدْر عن قتلِ أبيهِ؟ عبد الرحمن

(41)

، وزجَرَ أبا بكر يومَ أحُدٍ عن قتلِ ابنهِ عبد الرّحمن، فأمّا إنْ سمعَ منهُ مسبّاً لله أو رسولِه، فقد الجراحِ ينعتُ

(42)

الآلهةَ لأبي عُبيْدةَ يومَ بدرٍ، وجعلَ أبو عُبيْدةَ يحيدُ عنهُ، فلما أكثرَ الجرّاحُ قصدَهُ أبو عُبيْدةَ فقتلَهُ، فأنزلَ اللهُ فيهِ هذهِ الآية:" لا تَجدُ قوماً يُؤمنون باللهِ واليوْمِ الآخرِ يُوادّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ ورَسولهُ ولَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عشيرَتهمْ أولئكَ كَتَبَ في قُلوبِهم الإيمانَ. . الآية "

(43)

، وهذا: مُرْسلٌ على قولِ الأكثرين، فأمّا من زعمَ أنّ المرسلَ لا يكونُ إلا من التابعيِّ كما هو مذهبُ بعضِ المحَدّثين، فليسَ هو عندَهُ مُرْسلاً، لأنّ عبدَالله بنَ شَوْذب إنما يروي عن التابعين.

وقالَ عبدُاللهِ بنُ المباركِ عن إسماعيلَ بنِ سميعٍ الحَنفيِّ عن مالكِ بنِ عُمَيْرٍ، وكانَ

(40)

البخاري (19/ 224) ومسلم (5/ 145).

(41)

هكذا بالأصل وهو سهو وخطأ، لأن والده هو عتبة بن ربيعة وأراد أن يبارزه ابنه أبو حذيفة حين خرج للبراز، والله أعلم.

(42)

هكذا بالأصل، وفي سنن البيهقي (9/ 27)(ينصب الآلهة)، ولعل الصواب (يتصدى لأبي عبيدة) كما في الإصابة (3/ 587).

(43)

البيهقي (9/ 27).

ص: 307

قدْ أدركَ الجاهليةَ، قالَ:" جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: إني لقيتُ العدوَّ ولقيتُ أبي فيهم، فسمعتُ لكَ منه مقالةً قبيحةً فلمْ أصبرْ حتّى طعنْتُهُ بالرمحِ أو حتّى قتلْتُهُ، فسكتَ عنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ثمّ جاءَهُ آخرُ، فقالَ: إني لقيتُ أبي فتركْتُهُ، أحببتُ أنْ يليهِ غيري، فسكتَ عنهُ "

(44)

، رواهُ البيهقيُّ من هذا الوجهِ، وقالَ: هذا مُرْسلٌ جيِّدٌ.

وممّا يؤكدُ هذا المعنى: حديثُ أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" أما والذي نفسي بيدِهِ، لا يؤمنُ أحدُكمْ حتّى أكونَ أحبَّ إليهِ من والدِهِ وولدِهِ "

(45)

، رواهُ البخاريُّ.

وروى مسلمٌ عن أنسٍ:

(46)

مثلهُ، وزادَ:" والناسِ أجمعين ".

عن عبد اللهِ بنِ عمرَ: " نَهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن قتلِ النساءِ، والصِّبيانِ "

(47)

، أخرجاهُ.

وعن رَباح بن رَبيع: " أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقفَ على امرأةٍ مقتولةٍ، فقالَ: ما كانتْ هذهِ لتقاتلَ، ونَهى عن قتلِ الذّرّيةِ والعَسيفِ "

(48)

، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجة.

ولأحمدَ، وابنِ ماجة من حديثِ حَنْظلةَ بنِ الرّبيع الكاتبِ

(49)

، وهو أخو الذي قبلَهُ: مثلُهُ.

استدَلّوا بهذا الحديثِ على أنها إذا قاتلتْ فإنهُ يجوزُ قتلُها، وهو: حسنٌ.

عن الحسنِ البَصْريِّ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " اقْتلوا شيوخَ المشركين، واسْتبقوا شَرْخَهم "

(50)

، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمذيُّ، وقال: حسنٌ

(44)

البيهقي (9/ 27)، وقال: هذا مرسل جيد الإسناد.

(45)

البخاري (1/ 142).

(46)

مسلم (1/ 49).

(47)

البخاري (14/ 243) ومسلم (5/ 144).

(48)

أحمد (14/ 64) وأبو داود (2/ 49) والنسائي في الكبرى كما في التحفة 3/ 166 وابن ماجة (2842).

(49)

أحمد (4/ 287 المسند)، وابن ماجة (2842).

(50)

أحمد (14/ 65) وأبو داود (2/ 50) والترمذي (3/ 72).

ص: 308

صحيحٌ غريبٌ.

عن أنسٍ: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" انْطلقوا بسم اللهِ، وباللهِ، وعلى ملّةِ رسولِ اللهِ، لا تقْتلوا شيخاً فانياً، ولا طِفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأةً، ولا تغُلّوا، وضُمّوا غنائمَكُمْ، وأحسنوا إنّ اللهَ يحبُّ المُحسنين "

(51)

.

عن ابن عباسٍ، قالَ:" كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا بعثَ جيوشَهُ، قالَ: " اخرجوا بسمِ اللهِ، وقاتلوا في سبيلِ اللهِ من كفرَ باللهِ، لا تَغْدروا، ولا تغُلوا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقْتلوا الوِلدانَ ولا أصحابَ الصّوامعِ "

(52)

، رواهُ أحمدُ.

عن عليٍّ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" ذمّةُ المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهُمْ، وهمْ يدٌ على من سِواهُمْ، مَنْ أخفرَ مسلماً فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبلُ اللهُ منه يومَ القيامةِ عدْلاً ولا صَرفاً "

(53)

، أخرجاهُ.

وعن أُم هانئ بنتِ أبي طالبٍ: " أنها ذهبتْ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ الفتحِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، زعمَ ابن أُمّي عليُّ بنُ أبي طالبٍ: أنهُ قاتلٌ رجلاً قدْ أجرتهُ، فلانَ بن هبيرةَ، فقالَ: قد أجرنا من أجرتِ يا أمّ هانئ "

(54)

، أخرجاهُ.

وعن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" إنّ المرأةَ لتأخذُ على القومِ، يعْني - تجيرُ على المسلمين "

(55)

، رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وهذا لفظُهُ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ.

وقد رُويَ هذا المعنى من حديثِ جماعةٍ من الصحابةِ من طرقٍ يشدُّ بعضُها بعضاً.

فأمَّا أمانُ الصّبيِّ، ففي السيرةِ: أنَّ أبا سفيانَ بن حرْبٍ التمسَ من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ تأمرَ ولدَها الحسنَ ليجيرَ بينَ الناسِ، وذلكَ حينَ نقضتْ قريشٌ صُلحَ

(51)

البيهقي (9/ 90)، وأبو داود (2/ 36).

(52)

أحمد (14/ 65).

(53)

البخاري (23/ 54، 15/ 93 ما ورد في حرم المدينة) ومسلم (4/ 115).

(54)

البخاري (15/ 94) ومسلم (2/ 158).

(55)

أحمد (2/ 365) والترمذي (3/ 70).

ص: 309

الحديبيةِ، فقالتْ لهُ: ما بلغَ بُنيّ ذلكَ، وما يُجير أحدٌ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(56)

.

ثبتَ في صحيحِ البخاريِّ من حديثِ هشامِ بنِ عُرْوةَ: أنَّ أبا سفيان لما قدمَ بهِ العباسُ مُرْدفاً لهُ على بغلتِهِ ليلةَ الفتحِ، فعرضَ عليهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الإسلامَ، فتلَكَّأ قليلاً ثمَّ أسلمَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" منْ دخَل دارَ أبي سفيان فهو آمنٌ "

(57)

.

فيُؤخذ منه أنّ منْ أمَّنهُ أسيرٌ قدْ أطلق باختيارِهِ، فهو آمنٌ، وإنَّ منْ أسلمَ من الكفّارِ في حصارٍ أو مضيقٍ، فإنهُ يحقِنُ دمَهُ، ومالَهُ، ويصونُ صغارَ أولادِهِ من السَّبي.

عن عمرَ بن الخطابِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " أُمرتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إله إلا اللهُ، فإذا قالوها عَصموا منّي دماءَهمْ وأموالهمْ إلا بحقِّها. . الحديث "، أخرجاهُ

(58)

.

قالَ اللهُ تعالى: " وسَارِعوا إلى مغْفرَةٍ مِنْ ربِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتّقينَ ".

عن أنسٍ: " أنهُ ذكرَ قصَّةَ بدرٍ، قالَ: فدنا المشركونَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " قوموا إلى جنّةٍ عَرْضُها السّماواتُ والأرضُ، قالَ: يقولُ عُميْرُ بنُ الحمامِ الأنصاريّ: يا رسولَ اللهِ، عَرْضُها السّماواتُ والأرضُ؟، فقالَ: نعمْ، فقالَ: بَخٍ بَخٍ، قالَ: ما يحملُكَ على قولِكَ بَخٍ بَخٍ، قالَ: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، إلا رجاءَ أنْ أكونَ من أهلِها، قالَ: فإنكَ من أهلِها، قالَ: فأخرجَ تَمراتٍ من قرنِهِ فجعل يأكلُ منهن، ثمّ قالَ: لئنْ أنا حَييتُ حتّى آكلَ تَمراتي هذهِ، إنّها لحياةٌ طويلةٌ، قالَ: فرمى بما كان معَهُ من التمرِ، ثمَّ قاتلهمْ حتّى قُتِلَ "

(59)

، رواهُ مسلمٌ.

قالَ الشافعيُّ: قدْ بورزَ بينَ يدي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وحملَ رجلٌ من الأنصارِ

(60)

على

(56)

السيرة (281) تهذيب سيرة ابن هشام.

(57)

البخاري (5/ 186 نواوي لم أجده)، قلت: ورواه مسلم (5/ 172).

(58)

البخاري (1/ 179 عن ابن عمر) ومسلم (1/ 38).

(59)

مسلم (6/ 44).

(60)

هكذا بالأصل، ولعله سقط منها كلمة " حاسراً " لأنها هكذا عند البيهقي (9/ 43) وهي =

ص: 310

جماعةٍ للمشركين يومَ بدرٍ بعدَ إعلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلكَ من الخيرِ فقُتلَ.

قلتُ: فأمّا قولُهُ تعالى: " وأنفِقُوا في سبيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بأيْديكُمْ إلى التَّهلكَةِ "، فإنّما نزَلتْ في النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ كذا قاله ابن عباسٍ، كما رواهُ البخاريُّ عن حُذيفة

(61)

.

وقالَ أسلمُ أبو عِمْرانَ: " كنَّا بالقسطنطينية، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ، وعلى أهلِ الشامِ رجلٌ، يريدُ: فضالةَ بنَ عُبيْدٍ، فخرجَ من المدينةِ صفٌّ عظيمٌ من الرّومِ فصَفَفْنا لهمْ، فحملَ رجلٌ من المسلمين على الرّومِ حتّى دخلَ فيهمْ ثمَّ خرجَ إلينا فصاحَ الناسُ إليهِ، فقالوا: سبحانَ اللهِ، ألقى بيدِهِ إلى التّهْلكةِ، فقالَ أبو أيوبَ: " يا أيّها الناسُ، إنكم تتأوَّلونَ هذهِ الآية على غيرِ التأويلِ، وإنما نزلتْ فينا مَعْشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ دينَهُ وكثرَ ناصروهُ، قُلْنا في ما بينَنا: لو أقبلْنا على أموالِنا، فأصلَحْناها، فأنزلَ اللهُ هذهِ الآية ". رواهُ أبو داودَ

(62)

، والنّسائيُّ، والترمذيُّ، بنحوهِ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

وعن ابنِ مسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " عجبَ ربُّنا من رجلٍ غزا في سبيلِ اللهِ فانهزمَ أصحابُهُ، فعلمَ ما عليهِ فرجعَ حتّى أُهريقَ دمُهُ، يقولُ اللهُ عز وجل لملائكتِهِ: انظروا إلى عَبْدي رجعَ رغبةً فيما عندي، وشفَقةً ممّا عندي، حتّى أهريقَ دمُهُ "

(63)

، رواهُ أبو داودَ من حديثِ عطاءِ بنِ السّائبِ، ولا بأسَ بهِ، والأحاديثُ والآثارُ في هذا كثيرةٌ تدلُّ على جوازِ المبارزةِ لمن عرفَ من نفسِهِ بلاءً في الحربِ، وشدّةً وسَطوةً.

عن جابرِ بنِ عتيك: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: " إنّ مِن الغيرةِ ما يحبُّ اللهُ، ومن

= المقصود بكلامه رحمه الله وكذا سقط منه كلمة " إياه " بعد الصلاة والتسليم.

(61)

البخاري (18/ 110).

(62)

أبو داود (2/ 12) والنسائي في الكبرى في التحفة 3/ 88 والترمذي (4/ 280).

(63)

أبو داود (2/ 19) وفيه عطاء بن السائب ورواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي، والبيهقي (9/ 46) من طريقه، وفيه عطاء كذلك.

ص: 311

الغيرةِ ما يُبغضُ اللهُ، وإنَّ من الخُيلاءِ ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبغضُ اللهُ. . فذكرَ الحديثَ، وفيهِ:" والخُيلاءِ التي يحبُّ اللهُ، فاختيالُ الرجلِ بنفسِهِ عندَ القتالِ، واختيالُهُ عندَ الصّدقةِ، والخُيلاءُ التي يُبغضُ الله، فاختيال الرّجلِ في الفخرِ والبغي "

(64)

، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ.

عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ الأحزابِ: مَنْ يأتيني بخبرِ القومِ؟، قالَ الزُّبيرُ: أنا، ثمَّ قالَ: مَنْ يأتيني بخبرِ القومِ؟، قالَ الزُّبيرُ: أنا، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنّ لكلِّ نبيٍّ حَواريَّاً، وحَواريّي الزبيرُ "

(65)

، أخرجاهُ.

عن قيسِ بنِ عُبادٍ، قالَ: سمعتُ أبا ذرٍّ يُقسمُ قسَماً: أنّ هذهِ الآية: " هذانِ خصمانِ اختصَموا في رَبِّهمْ "، نزلتْ في الذين بَرزوا يومَ بدرٍ، حمزةَ وعليّ، وعُبيْدةَ، رضي الله عنهم، وعُتْبةَ، وشَيْبةَ، والوليدِ بنِ عُتْبةَ لعَنهُم اللهُ "

(66)

، أخرجاهُ.

وللبخاريِّ عن عليٍّ: مثلهُ

(67)

.

وفي صحيحِ مسلمٍ: " أنَّ مرحباً اليهوديَّ لما بارزَ يومَ خيبرَ، برزَ إليه عامرُ بنُ الأكوعِ، فذهبَ عامرٌ يسفلُ لهُ فرجعَ السيفُ في رُكبتِهِ فقتلهُ رحمه الله، ثمَّ انتدَب لمرحبٍ عليٌّ فقتلَ مَرْحباً لعنهُ اللهُ "

(68)

.

وفي بعضِ المغازي: أنّ محمدَ بنَ مسْلمةَ هو الذي قتلَ مرْحباً، فاللهُ أعلمُ. وقد بارزَ عمْرو بن عبدِ ودٍّ يومَ الأحزابِ، فانتدب لهُ عليٌّ أيضاً حتّى قتلَهُ، فَيُستحَبُّ لمنْ عرفَ من نفسِهِ شجاعةً إذا بارزَ بطلٌ من أبطالِ المشركين أن يخرجَ إليه.

عن عِكرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" لما نزَلتْ: " إنْ يكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابرُونَ

(64)

أحمد (14/ 57) وأبو داود (2/ 47) والنسائي (5/ 78).

(65)

البخاري (14/ 142) ومسلم (6/ 127).

(66)

البخاري (17/ 88) ومسلم (8/ 246).

(67)

البخاري (17/ 88).

(68)

مسلم (5/ 195).

ص: 312

يَغْلبُوا مائَتين "، شقَّ ذلكَ على المسلمينَ حينَ فُرِضَ عليهم أنْ لا يَفرَّ واحدٌ من عَشَرةٍ، فجاءَ التَّخفيفُ، فقالَ: " الآن خفَّفَ اللهُ عنكُمْ وعَلِمَ أنَّ فيكُمْ ضَعْفاً فإنْ يكُنْ مِنْكُمْ مائةٌ صَابرةٌ يَغْلبوا مائتين "، قالَ: فلما خفَّفَ عنهم من العِدَّةِ نقصَ من الصّبرِ بقدرِ ما خُفِّفَ عنهُمْ "

(69)

، رواهُ البخاريُّ.

وقالَ الشافعيّ: أخبرنا سفيانُ بنُ عُييْنةَ عن ابنِ أبي نجيحٍ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" مَن فرَّ من ثلاثةٍ، فلمْ يفرّ، ومَن فرَّ من اثنينِ، فقدْ فرَّ "

(70)

، ابنُ أبي نجيحٍ: لمْ يُدركْ ابنَ عباس

(71)

.

عن ابن عمرَ: " أنهُ كانَ في سَريّةٍ من سرايا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: فحاصَ الناسُ حَيْصةً، وكنتُ فيمن حاصَ، فلما برزْنا قلنا كيفَ نصنعُ؟ وقدْ فرَرْنا من الزَّحفِ وبُؤنا بالغضبِ؟، فقلْنا: ندخلُ المدينةَ فنَتَثبّتُ فيها، فنذهبُ ولا يرانا أحدٌ، قالَ: فدخلْنا وقلْنا: لو عَرَضْنا أنفسَنا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فإنْ كانتْ لنا توبةٌ أقمْنا، وإنْ كانَ غير ذلكَ ذهبْنا، قالَ: فجلسْنا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ صلاةِ الفجرِ، فلما خرجَ قُمْنا إليهِ فقلْنا: نحنُ الفَرّارون، قال: لا، بلْ أنتُم العكارونَ، قالَ: فدنوْنا فقبَّلْنا يدَهُ، فقالَ: أنا فئة المسلمين "

(72)

، رواهُ الشافعيُّ وأحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظُهُ، والترمذيُّ، وقال: لا نعرفُهُ إلا من حديثِ يزيدَ بنِ أبي زيادٍ.

حَاصَ، بالحاء والصّاد المهْملتينِ أي: حاروا، من قولِهِ:" ما لهم مِنْ مَحيصٍ "، أي مكانٍ يَحيصونَ إليهِ، وقد جاضَ الناسُ، بالجيمِ والضّادِ المُعْجمتَين، وكلاهما بمعنى واحدٍ، وهذهِ السّريةُ هي مُؤتةُ، كما جاءَ مُصرَّحاً بهِ في بعضِ الرّواياتِ، وقدْ كانَ العدوُّ كثيفاً جداً، كانوا قريباً من مائتي ألفٍ من الرّومِ، ونصارى العربِ، وكانَ

(69)

البخاري (18/ 253).

(70)

الشافعي (8/ 448) الأم مع المسند، والبيهقي (9/ 76) موصولاً بذكر عطاء بينهما.

(71)

هكذا بالأصل لكنه عند البيهقي (9/ 76) متصل بذكر عطاء بين ابن أبي نجيح وابن عباس.

(72)

الشافعي (8/ 411 الأم مع المسند) وأحمد (14/ 68) وأبو داود (2/ 43) والترمذي (3/ 130). وكذا الشافعي 4/ 171 في الأم.

ص: 313

المسلمونَ نحواً من ثلاثةِ آلافٍ فقطْ، ولهذا لما انتهتْ الإمرةُ إلى خالدٍ وتقهقرَ بالجيشِ حتّى تخلّصَ منهم، سمّاهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتْحاً، فأخذوا منهُ استحبابَ الفِرارِ في مثلِ هذهِ الحالِ.

عن أبي قتادةَ الحارثِ بنِ رِبْعي الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قتلَ قَتيلاً لهُ عليهِ بيِّنةٌ، فلهُ سلبُهُ "

(73)

، أخرجاهُ، وهو قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ.

وعن أنسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " مَنْ تفرَّدَ بدمِ رجلٍ فقتلَهُ، فلَهُ سلبُهُ، قالَ: فجاءَ أبو طَلْحةَ بسلبِ أحَدٍ

(74)

وعشرين رجلاً "

(75)

، رواهُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأبو داودَ.

عن عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، قالَ:" ابتدرَ معاذُ بنُ عمْرو بنِ الجموحِ، ومعاذُ بنُ عَفْراءَ أبا جهلٍ حتّى قَتلاهُ، ثمَّ انصرفا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأخبراهُ، فقالَ: أيُّكما قَتَلهُ؟ قالَ كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتَلْتُهُ، قالَ هلْ مَسَحْتُما سيفيكما؟، قالا: لا، فنظرَ في السَّيفينِ، فقالَ: كلاكُما قَتلَهُ، سَلَبُهُ لمعاذِ بنِ عَمْرِو بن الجموح "

(76)

، أخرجاهُ.

ولمْ يكونا أجهزا عليه، فإنّ عبدَاللهِ بنَ مسعودٍ هو الذي تمَّم عليهِ "، رواهُ البخاريُّ عنهُ

(77)

.

فدلَّ أنّ مَنْ قتلَ قتيلاً، أو حبَسهُ عن القتالِ، أنهُ يستحقُّ السّلبَ، فأمّا إذا اشتركَ اثنان في قتلِهِ على السّواءِ، فقدْ رَوى الحسنُ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قتلَ، فلهُ السَّلبُ "

(78)

، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة.

عن عوْفِ بنِ مالكٍ، قالَ: " خرجتُ معَ زيد بنِ حارثةَ في غزوةِ مؤتةَ، ورافقني

(73)

البخاري (15/ 68)، ومسلم (5/ 148).

(74)

بالأصل غير واضحة ولعلها: أحد وعشرين رجلاً كما في مسند أحمد (3/ 198)، وتحتمل غير ذلك.

(75)

أحمد (14/ 81)، وأبو داود (2/ 65).

(76)

البخاري (15/ 66) ومسلم (5/ 148).

(77)

البخاري (5/ 109)(95 نواوي).

(78)

أحمد (المتن 5/ 12) وابن ماجة (2838).

ص: 314

مَدَديٌّ من أهلِ اليمنِ، ليسَ معهُ غيرُ سيفِهِ، فنحر رجلٌ من المسلمين جزوراً، فسألهُ المدديُّ طائفةً من جلدِهِ، فأعطاهُ إيّاهُ فاتخذهُ كهيئةِ الدَّرقِ، ومضينا فلقينا جموعَ الرّومِ، وفيهم رجلٌ على فرسٍ لهُ أشقرُ عليهِ سَرجٌ مُذَهَّبٌ وسلاحٌ مذهّبٌ، فجعلَ الرّوميُّ يَغْري بالمسلمين، فقعدَ لهُ المدَديُّ خلفَ صخرةٍ، فمرَّ بهِ الرّوميُّ فعرقبَ فرسَهُ فخرَّ وعَلاهُ فقتلهُ، وحاز فرسَهُ وسلاحَهُ، فلما فتحَ اللهُ للمسلمين بعث إليه خالدُ بنُ الوليدِ فأخذ من السَّلب، قالَ عوْفٌ: فأتيْتُهُ فقلتُ: يا خالدُ، أما علمتَ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قضى بالسَّلبِ للقاتلِ؟، قالَ: بلى، ولكنْ استكثرتُهُ، قلتُ: لترُدَّنه عليهِ أو لأعرفِّنكها عندَ قصّةِ المدَديِّ، وما فعلَ خالدٌ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما حملَكَ على ما صَنَعْتَ؟، قالَ: يا رسول اللهِ استكثرتُهُ، فقالَ: رُدَّ عليهِ ما أخذتَ منهُ، قالَ عوف: فقلتُ: دونَكَ يا خالدُ، ألم أفِ لك؟، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وما ذاكَ؟، فأخبرتُهُ، قالَ: فغضبَ، وقالَ: يا خالدُ، لا تردَّ عليهِ، هلْ أنتمْ تاركوا لي أُمرائي؟، لكُمْ صِفْوةُ أمرِهم، وعليهِم كَدَرُهُ "

(79)

، كذا رواهُ أحمدُ، وهو في صحيحِ مسلمٍ بنحوِ هذا.

وفيهِ دلالةٌ على أنّ الحُليّ والفرسَ ونحوَ ذلكَ من السَّلبِ، وهو الصحيحُ.

ويؤيِّدُهُ أيضاً ما رواهُ البيهقيُّ: أنَّ عقيل بنَ أبي طالبٍ قتلَ رجلاً يومَ مُؤتةَ فأصابَ عليهِ خاتماً فيهِ فَصٌّ أحمر، فيهِ تمثالٌ، فأتى بهِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأخذهُ ونظرَ إليهِ، فقالَ: لو لمْ يكنْ فيهِ تمثالٌ، قالَ: فنفَّلهُ إياهُ، قال: فهو عندنا "

(80)

.

وروى البيهقيُّ أيضاً: " أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بارزَ هرمزَ ملكَ الفرسِ بكاظمةٍ، فقتلَهُ خالدٌ، فنفَّلَهُ أبو بكر سَلبهُ، وكانتْ قَلنْسوتُهُ بمائةِ ألفٍ "

(81)

.

عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُمجّسانِهِ. . الحديث "

(82)

، أخرجاهُ.

(79)

أحمد (المتن 6/ 27 - 28) ومسلم (5/ 149).

(80)

البيهقي (6/ 309).

(81)

البيهقي (6/ 311).

(82)

البخاري (8/ 214) ومسلم (8/ 52).

ص: 315

استُدِلَّ بهِ على: أنهُ إذا أسرَ صغيراً ليسَ معهُ أحدٌ من أبويهِ، أنهُ يتبعُ السّابي في الإسلامِ.

عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ: أنهمْ تحرّجوا من وطءِ سَبايا أوطاسٍ حتّى أنزلَ اللهُ: " والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ "

(83)

، رواهُ مسلمٌ.

قد عُلِمَ أنهُ عليه السلام لما أسرَ يومَ بدرٍ من المشركين سبعينَ أسيراً قتلَ منهم صَبراً، عُقْبةَ بن أبي مُعَيْطٍ، والنّضر بنَ الحارثِ، وطُعَيْمةَ بنَ عَديّ، ومنَّ على أبي عَزَّةَ، فأطلقَهُ، وفادى بقيّةَ الأُسارى، بعدَ أن شاورَ أصحابَهُ فيهم، فأشارَ عمرُ بنُ الخطابِ بقتلِهم، وأشارَ الصّديقُ بمُفاداتِهمْ، فهوى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما قالَهُ الصّديقُ كما رواهُ مسلمٌ

(84)

عن ابنِ عبّاسٍ، فجعلَ فداءَ كلِّ إنسانٍ منهم أربعَ مائةٍ، أربعَ مائةٍ

(85)

، الأسيرُ بأسيرٍ من المسلمين كما رواهُ مسلمٌ عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، قالَ:

" كانتْ ثقيفُ حلفاءَ لبني عقيلٍ، فأسرَتْ ثقيفُ رجلين من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأسرَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلاً من بَني عقيلٍ، فمرَّ بهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو موثقٌ، قالَ: يا محمدُ، إني مسلمٌ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لو قلتَها وأنتَ تملكُ أمرَكَ أفلحتَ كلَّ الفلاحِ، قالَ: فَفُدِيَ بالرّجلين "

(86)

.

وفيهِ أيضاً دلالةٌ على: أنهُ إذا أسلمَ الأسيرُ يسقطُ قتلُهُ، ويبقى الخيارُ في الباقي، وهو المنُّ أو الفِداءُ بمال أو بمن أُسِرَ من المسلمين، وهو أحدُ القولين.

عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: " لما كانَ يومُ بدرٍ، وجيءَ بالأسارى، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا ينفلتنَّ منهمْ أحدٌ إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنُقٍ، قالَ ابنُ مسعودٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إلا سُهَيل بنَ بيضاءَ، فإني قدْ سمعتُهُ يذكُر الإسلامَ، قالَ: فسكتَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فما رأيْتُني في يومٍ أخوفَ أنْ تقعَ عليَّ حجارةٌ من السماءِ منّي في ذلكَ اليومِ، حتّى قالَ

(83)

مسلم (4/ 171).

(84)

مسلم (5/ 156).

(85)

هكذا بالأصل وفيه نقص كما يظهر، ويشبه أن يكون هكذا:" أو يفادي الأسير " أو نحوه.

(86)

مسلم (5/ 78).

ص: 316

رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إلا سُهَيْلَ بنَ بيضاءَ "

(87)

، رواهُ أحمدُ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ، وهو مأخذُ القولِ الآخرِ.

عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قالَ:

" نزلَ أهلُ قُرَيْظةَ على حكمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأرسلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأتى على حمارٍ، فلما دنا من المسجدِ، قالَ للأنصارِ: قوموا إلى سيّدكم، أو قالَ: خيرِكمْ، فقالَ: هولاءِ نزلوا على حُكْمِكَ، فقالَ سعدٌ: تُقْتلُ مُقاتلتُهُمْ وتُسبَى ذرّيّتُهُمْ، فقالَ: قضيتَ بحكمِ اللهِ، وربَّما قالَ: بحكمِ الملكِ "

(88)

، أخرجاهُ.

ولهما

(89)

عن عائشةَ: نحوهُ.

وفي السِّيَر والمَغازي: " أنَّ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شماسٍ استطلقَ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الزُّبيرَ بنَ باطا القُرَظيِّ، فأطلقَهُ لهُ وأهلَه ومالَهُ، ثمّ إنّ الخبيثَ أبى إلا أن يلحقَ بأصحابِهِ فقُتِلَ إلى لعْنةِ اللهِ "

(90)

.

وفيهِ دلالةٌ على: أنهُ إذا حكمَ الحاكمُ بقتلِ الرّجالِ، ورأى الإمامُ أن يمنَّ عليهم جائزٌ.

عن ابنِ عمرَ، قالَ:" بعثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سريّةً إلى نجدٍ فخرجتُ فيها، فبلَغَتْ سُهْمانُنا اثني عشرَ بعيراً، ونفَّلنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعيراً بعيراً "

(91)

، أخرجاهُ.

عن مكحولِ عن زيادِ بنِ جاريةَ عن حَبيب بنِ مَسْلمةَ الفِهْريِّ، قالَ:" شهدتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نفّلَ في البداءةِ الرُّبُعَ، وفي الرَّجعةِ: الثُّلثَ "

(92)

، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ،

(87)

أحمد (14/ 107) والترمذي (5/ 271).

(88)

البخاري (14/ 288) ومسلم (5/ 110).

(89)

البخاري (17/ 191) ومسلم (5/ 160).

(90)

البيهقي (6/ 66)، بإسناده إلى مغازي عروة، وكذا عن ابن إسحاق، وموسى بن عقبة في مغازيهما، وأخرجه الطبراني - الأوسط - (6/ 141) كما في المجمع.

(91)

البخاري (17/ 312) ومسلم (5/ 146).

(92)

أحمد (14/ 85) وأبو داود (2/ 73) وابن ماجة (2852).

ص: 317

وهذا لفظُهُ، وابنُ ماجة.

وفي لفظٍ لأحمد، وأبي داودَ:" نفَّلَ الرُّبُعَ بعدَ الخمسِ في بدايَتِهِ، ونفَّلَ الثُّلُثَ، بعدَ الخُمسِ في رَجعتِهِ "

(93)

.

فاستدَلَّوا بهذا اللفظِ على أنّ النَّفْلَ يكونُ من خمسِ الخمُسِ، ويُؤيّدُهُ ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ عمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كانَ يُنَفِّل قبلَ أنْ تنزلَ فريضةُ الخُمسِ في المَغْنمِ، فلما نزلتْ الآيةُ:" وَاعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شيءٍ فإنَّ لله خُمُسَهُ "، تركَ النَّفلَ الذي كانَ يُنفِّلُ، وصارَ ذلكَ إلى خمُسِ الخُمسِ من سَهْم اللهِ، وسَهمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم "

(94)

.

عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(95)

قالَ يومَ بدرٍ: " مَنْ فعلَ كذا وكذا فلهُ مِن النَّفلِ كذا وكذا "

(96)

، رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ حِبّانَ في صحيحهِ.

عن عَديِّ بنِ حاتمٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مُثِّلتْ ليَ الحيرةُ كأنيابِ الكلابِ، وإنكمْ ستفتحونَها، فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: هبْ لي ابنةَ بقيلةَ، قالَ: هيَ لكَ، فأعطوهُ إياها، فجاءَ أبوها، فقالَ: أتبيعنيها؟، قالَ: نعمْ، فقالَ: بكمْ، احكُمْ ما شئتَ، قالَ: ألفِ درهمٍ، قالَ: قد أخذتُها، فقالوا لهُ: لو قلتَ بثلاثينَ ألفاً لأخذَها، قالَ: هلْ عددٌ أكثرُ من ألفٍ "

(97)

، رواهُ البيهقيُّ في سُننِهِ الكبرى بإسنادٍ: صحيحٍ.

قد تقدَّمَ: " أنهُ عليه السلام قطعَ نخلَ بني النَّضيرِ، وحرَّقَ "، قالَ الشيخُ: ولا يجوزُ قتلُ البهائمِ إلا إذا قاتَلوا عليها، ودَليلُهُ:

ما رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، والنسائيُّ من حديثِ صُهيْبٍ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو

(93)

أحمد (14/ 85) وأبو داود (2/ 72، 73).

(94)

البيهقي (6/ 314).

(95)

كلمة (قال) هنا ساقطة من الأصل، ولا بد من إثباتها.

(96)

أبو داود (2/ 70) والنسائي كبرى النسائي في الكبرى كما في التحفة 5/ 132 وابن حبان (431) الموارد.

(97)

البيهقي (9/ 136).

ص: 318

يرفعُهُ، قالَ:" مَنْ فتلَ عصفوراً فما فوقَها بغيرِ حقِّها سألهُ اللهُ عنها يومَ القيامةِ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ، وما حقُّها؟، قالَ: أن تذبحهُ فتأكلَهُ، لا تقطعَ رأسَهُ فترميَ بهِ "

(98)

.

وقالَ الشافعيُّ: قد عقرَ حَنْظلةُ بنُ الرّاهبِ يومَ أُحُدٍ بأبي سفيانَ فرسَهُ وبرَكَ عليهِ ليقتلَه، فجاءَ ابن شعوبٍ فاستنقذَ أبا سفيان وقتلَ حَنْظلةَ.

وهذا الذي ذكرَهُ الشافعيُّ مذكورٌ في السيرةِ وغيرِها، ولمْ يزلْ ذلكَ معمولاً بهِ في الحروبِ، كما روى مسلمٌ عن سَلمةَ بنِ الأكوعِ أنّ الأخرمَ عقرَ بعبدِ الرّحمن بنِ عُييْنةَ ابنِ بدرٍ فرسَهُ، وقتلَهُ عبدُ الرّحمن، وذلك يومَ ذب قَرَدٍ. . الحديث بطولِهِ "

(99)

، وتقدَّمَ أنّ المدَديّ عقرَ بذلكَ الرّوميَّ فرسَهُ.

فأمَّا الحديثُ الذي رواهُ أبو داودَ من حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، قالَ: حدَّثني يحيى بنُ عبّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أبيهِ، قالَ:" حدَّثني أبي الذي أرضعني وكانَ أحد بَني مُرّة بنِ عَوفٍ، قالَ: والله لكأني أنظرُ إلى جعفرِ بنِ أبي طالبٍ يومَ مُؤتةَ حينَ اقتحَمَ عن فرسٍ لهُ شقراء فعقرها، ثمّ قاتلَ حتَّى قُتِلَ "

(100)

، فإنّ سندَهُ جيّدٌ، لكنْ قالَ أبو داود: هذا الحديثُ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقد جاءَ فيهِ نهيٌ كثيرٌ عن الصّحابةِ.

وقالَ الشافعيُّ: إنْ قالَ قائلٌ: فقد رُويَ أنّ جعفراً عقرَ عندَ الحربِ، فلا أحفظُ ذلكَ من وجهٍ يثبتُ عندَ الانفرادِ، ولا أعلمُهُ مشهوراً عندَ عوامِ أهلِ العلمِ بالمَغازي، وقالَ البيهقيُّ: الحفّاظُ يتَوقّونَ ما ينفردُ بهِ ابنُ إسحاقَ، وإنْ صحَّ فلعلَّ جعفراً لمْ يبلغْهُ النَّهيُ.

قلتُ: المحْذورُ

(101)

من ابن إسحاق تدليسُهُ، وقد صرَّح هنا بالسّماعِ، فزالَ، واللهُ أعلمُ. وقدْ يحتملُ هذا من جعفر رضيَ الله على أنهُ خشيَ أنْ يُقتلَ فيأخذَ العدوُّ

(98)

الشافعي (8/ 448 الأم مع المسند) وأحمد (المتن 2/ 166) والنسائي (7/ 239) والشافعي (4/ 224) الأم.

(99)

مسلم (5/ 193).

(100)

أبو داود (2/ 27)، والبيهقي (9/ 8).

(101)

بالأصل غير بينة، ولعلها هكذا، أو ما يشبه هذا، والله أعلم.

ص: 319

فرسَهُ، فيتَقوَّوا بها على قتالِ المسلمين. وبهذا يقولُ أبو حنيفة.

عن أبي هريرة عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" يوشكُ أنْ ينزلَ فيكم ابنُ مَريمَ حكماً مُقْسطاً، فيقتلَ الخِنزيرَ، ويكسِرَ الصَّليبَ، ويضَعَ الجزيةَ، ويفيضَ المالُ حتى لا يقْبلَهُ أحدٌ "

(102)

، أخرجاهُ.

عن ابنِ مسعودٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دخلَ مكّة يومَ الفتحِ، وحولَ البيتِ ثلثمائة وستّون نُصُباً، فجعلَ يطعنُها بعودٍ في يدهِ، ويقولُ: " جاءَ الحقُّ ومَا يُبْدئُ الباطلُ ومَا يُعيدُ "، " جاءَ الحقُّ وزَهقَ الباطِل إنَّ الباطِل كانَ زَهُوقاً "، أخرجاه

(103)

.

عن يحيى بن سعيد: " أنَّ أبا بكرٍ لمّا بعثَ جيوشاً إلى الشّامِ، فخرجَ يمشي مع يزيدَ بنِ أبي سُفْيانَ، وكانَ يزيدُ أميرَ ربعٍ من تلك الأرباعِ، فقالَ: إني موصيكَ بعشرِ خلالٍ: " لا تَقْتلوا امرأةً، ولا صَبيّاً، ولا كبيراً هَرِماً، ولا تَقْطعوا شجراً مُثمراً، لا تُخربُنّ عامراً، ولا تعْقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلا لمَأْكَلةٍ، ولا تُغرقنَّ نَخلاً ولا تُحرقنَّهُ، ولا تغْلُلْ ولا تَجبُنْ "

(104)

.

وقد رُويَ هذا عن أبي بكرٍ الصّديقِ من وجوهٍ كثيرةٍ، وقدْ أنكرهُ الإمامُ أحمدُ، فقالَ: ما أظنُّ من هذا شيء، إنّما هذا كلامُ أهلِ الشامِ.

وقالَ الشافعيُّ: إنّما نهاهُمْ أبو بكرٍ عن قطعِ الأشجارِ معَ علمِهِ بما فَعَلهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في نخلِ بَني النَّضيرِ، لأنهُ كانَ قدْ سمعَ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم البشارةَ بفتحِ الشَّامِ.

عن ابنِ عمرَ، قالَ:" كنّا نُصيبُ في مَغازينا العَسلَ والعنبَ فنأكلُهُ ولا نرفعُهُ "

(105)

، رواهُ البخاريُّ.

(102)

البخاري (13/ 28) ومسلم (1/ 93).

(103)

البخاري (17/ 283) ومسلم (5/ 173).

(104)

البيهقي (9/ 86 / 85).

(105)

البخاري (15/ 76).

ص: 320

وعنهُ: " أنَّ جيشاً غَنموا في زمانِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طعاماً وعَسلاً، فلمْ يُؤخَذْ منهم الخُمسُ "

(106)

، رواهُ أبو داودَ.

ولهُ من حديثِ محمدِ

(107)

بن مجاهدٍ، قالَ:" قلتُ لعبدِ الله بنِ أبي أوفى: هلْ كُنتمْ تخمّسون - يعني - الطّعامَ - في عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟، فقالَ: أصبْنا طعاماً يومَ خيبرَ، فكانَ الرّجلُ يجيءُ فيأخذُ مِقدارَ ما يكفيهِ ثمَّ ينصرفُ "

(108)

.

ولهُ أيضاً عن القاسمِ مَوْلى عبدِ الرحمن عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" كنّا نأكلُ الجُزرَ في الغزوِ، حتّى إنْ كنّا نرجعُ إلى رحالِنا، وإنَّ أخرجتَنا منهُ مملوءةٌ "

(109)

.

عن ثوبانَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " من قتلَ صغيراً أو كبيراً، أو حرّقَ نحلاً، أو قطعَ شجرةً مُثمرةً، أو ذبحَ شاةً لإهابها، لم يرجعْ بالكَفافِ "

(110)

، رواهُ أحمدُ، وفي إسنادِهِ: ابنُ لهيعةَ إلا أنَّ فيه دلالةً للمذهبِ: أنهُ يجوزُ ذبحُ ما يُؤكلُ من غيرِ ضمانٍ، لقولِهِ " لإهابِها " فدلَّ على جوازِهِ للأكلِ، قدْ يَستدِلُّ مَن ذهبَ إلى الضَّمان من الأصحابِ بحديثِ رافع بنِ خديجٍ، قالَ:

" كنّا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بذي الحُلَيْفةِ من تِهامةَ، فأصابَ الناسَ جوعٌ، وأصابوا إبلاً وغنماً، وكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في أُخريات القومِ، فتعجَّلوا وذبحوا، ونصبوا القدورَ، فأمرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالقدورِ فأُكْفِئتْ، ثمَّ قسمَ فعدلَ عشرةً من الغنمِ ببعيرٍ - الحديث "

(111)

، أخرجاهُ في الصّحيحين.

(106)

أبو داود (2/ 60)، والبيهقي (9/ 59).

(107)

هكذا بالأصل، وفي سنن أبي داود، والبيهقي (6/ 60) ضبط: محمد بن أبي المجالد، ويقال له: عبد الله أيضاً، كما في التهذيب (9/ 60)، وكان شعبة رحمه الله يتردد في اسمه.

(108)

أبو داود (2/ 60)، والبيهقي (9/ 60).

(109)

أبو داود (2/ 61)، القاسم تكلم فيه غير واحد، والبيهقي (9/ 61).

(110)

أحمد (14/ 66).

(111)

البخاري (13/ 45) ومسلم (6/ 78).

ص: 321

ويُوجِّهُهُ منهُ أنهُ زجرَهُم عن الذَّبحِ قبلَ القسمِ، فدلَّ على ما قلنا، واللهُ أعلمُ.

عن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قالَ:" أصبتُ جِراباً من شَحمٍ يومَ خيبرَ، فالتزمْتُهُ، وقلتُ: لا أُعطي أحداً من هذا شيئاً، فإذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتبسّماً "

(112)

، رواهُ مسلمٌ. يُستدَلُّ بهِ لأحدِ القولين: أنهُ لا يجبُ ردُّ ما فضَلَ من الطّعامِ، وإنْ خرجوا بهِ إلى دارِ الإسلامِ، لأنّ الغالبَ أنّ الجرابَ لا ينفذُ مدّةَ مقامِهمْ على خيبرَ، واللهُ أعلم. ودليلُ القولِ الآخرِ حديثُ ابن أبي أوْفى، قالَ:" أصبنا طعاماً يومَ خيبرَ، وكانَ الرجلُ يجيءُ فيأخذُ مقدارَ ما يكفيهِ، ثمّ ينصرفُ كفافاً "

(113)

.

فأمّا ما سِوى ذلكَ، فيجبُ ردُّهُ.

قالَ تعالى: " ومَا كانَ لنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَنْ يَغْلُلُ يأتِ بِمَا غَلَّ يومَ القيامةِ ".

عن أبي هريرةَ، قالَ:" خرجْنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ خيبرَ، فلمْ نغنمْ ذهباً، ولا فِضّةً إلا الأموالَ، والثيابَ، والمتاعَ، فأهدى رجلٌ من بَني الضبَيْبِ يُقالُ لهُ: رِفاعةُ بنُ زيدٍ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غُلاماً يُقالُ لهُ: مِدْعَمٌ، فتوجّه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى وادي القُرى، حتّى إذا كانوا بوادي القرى، بينَما مِدْعمٌ يحُطُّ رَحْلاً لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إذْ أتاهُ سهمٌ عائدٌ، فقتلَهُ، فقالَ الناسُ هنيئاً لهُ الجنّةُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كلاَّ، والذي نفسي بيدِهِ، إنّ الشَّملةَ التي أخذَها من المَغانمِ يومَ خيبرَ لمْ تُصبْها المَقاسِمُ لتشعل عليه ناراً، فلما سمعَ ذلكَ الناسُ، جاءَ رجلٌ بشراكٍ أو شراكين إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: شراكٌ من نارٍ، أو شراكانِ من نارٍ "

(114)

، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاري.

وعن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أصابَ غنيمةً أمرَ بلالاً فنادى في الناسِ، فيجيئون بغنائِمهمْ فَيُخمسهُ ويقسمُهُ، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلكَ بزمامٍ من شعرٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هذا فيما كنّا أصبْنا من الغنيمةِ، فقالَ: أسمعتَ بلالاً يُنادي

(112)

مسلم (5/ 163)، قلت: والبخاري (15/ 76).

(113)

تقدم في الرقم (108) عند أبي داود والبيهقي.

(114)

البخاري (17/ 254) ومسلم (1/ 57)، قلت: وكلمة " أنا " ساقطة من الأصل.

ص: 322

ثلاثاً؟، قالَ: نعمْ، قالَ: فما منعَكَ أن تجيءَ بهِ؟ فاعتذَرَ، فقالَ: كنْ أنتَ تجيءُ بهِ يوم القيامةِ، ولن أقبلَهُ عنكَ "

(115)

، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، قالَ البخاريُّ: ولمْ يذكرْ فيهِ: أنهُ حرّقَ متاعَهُ، وهذا أصحُّ من حديثِ أبي واقدٍ اللَّيْثي.

قلتُ: أشارَ البخاريُّ إلى ما رواهُ أبو داود، واللفظُ لهُ من حديثِ صالح ومحمد

(116)

ابن زائدةَ أبي واقدٍ اللَّيْثيِّ الصّغير عن سالمٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمرَ بتحريقِ مَتاعِ الغالِّ "

(117)

.

قالَ الإمامُ أحمدُ: أبو واقدٍ، هذا: ما أرى بهِ بأساً، وقالَ يحيى بنُ مَعين: ضعيفٌ، وقالَ البخاريُّ: مُنكرُ الحديثِ.

وعن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عم جدِّهِ: " أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمرَ حرَّقوا متاعَ الغالِّ، وضربوهُ، ومنعوهُ سَهْمَهُ "

(118)

.

رواهُ أبو داودَ، فإنْ صحَّ هذا، فيُحملُ على أنهم فعلوا ذلكَ تعزيراً لهُ وعقوبةً مالية.

وقد ذهبَ الشافعيُّ في القديمِ إلى جوازِ ذلكَ في غالِّ الزّكاةِ، أنها تُؤخّذُ منهُ، ونصفَ مالهِ تعزيراً، واللهُ أعلمُ.

قالَ المصنِّفُ: ولهُ قولٌ آخرُ: أنهُ إذا قالَ الأميرُ: من أخذَ شيئاً، فهو لهُ، وصحَّ فمن أخذ شيئاً ملَكَهُ، والأولُ: أصحُّ.

قالَ الشافعيُّ: قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: إذا بعثَ الإمامُ سريةً أو جيشاً، فقالَ لهم قبلَ اللقاءِ: من غنمَ شيئاً، فهو لهُ بعدَ الخُمسِ، فذلك لهم على ما شَرطوا، لأنهمْ على ذلكَ غزوا، وبهِ رضوا، وذهبوا في هذا: إلى: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ يومَ بدر:

(115)

أحمد (14/ 93) وأبو داود (2/ 63)، والبيهقي (9/ 102).

(116)

هكذا بالأصل، والصواب: أن صالح بن محمد بن زائدة هو: أبو واقد الليثي الصغير الراوي عن سالم كما في الكبرى للبيهقي (9/ 103) وأبي داود (2/ 63).

(117)

أبو داود (2/ 63)، والبيهقي (9/ 103).

(118)

أبو داود (2/ 63)، والبيهقي (9/ 102).

ص: 323

" من أخذَ شيئاً، فهو لهُ "، وذلكَ قبلَ نزولِ الخمسِ، واللهُ أعلمُ، ولمْ أعلمْ شيئاً يثبتُ عندنا عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بهذا، وقالَ في الأُمِّ: ذهبَ بعضُ الناسِ في جوازِهِ، ولا أرى شيئاً من الأثرِ يدلُّ عليهِ، ولو ذهبَ إليهِ ذاهبٌ كان لهُ تأويلٌ.

قالَ ابنُ الصّبّاغ: فقدْ أومأ إلى قولين، أحدُهما: يجوزُ، وهو قولُ أبي حنيفة، ووجَّههُ بالحديث المذكورِ:" أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ يومَ بدرٍ: " مَنْ أخذَ شيئاً، فهو لهُ ".

قلتُ: وهذا الحديثُ ليسَ بمعروفٍ، وقدْ اعترفَ الحافظُ البيهقيُّ بأنهُ لا يعرفُهُ أيضاً، وإنما المعروفُ حديثُ ابنِ عباسٍ المتقدّمِ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ يومَ بدرٍ: " من فعلَ كذا، وكذا، فلهُ من النَّفلِ: كذا وكذا "، قالَ: والثاني: لا يجوزُ، لأنَّ فيهِ تفويتَ حقِّ أهلِ الخمسِ كما لو شُرِطتْ الغنيمةُ لغيرِ الغانمين، قالَ: والخبرُ إن صحَّ فمنسوخٌ بالخمسِ، ولهذا أسهم لجماعةٍ ممّنْ لمْ يشهدْ بدراً من الغنيمةِ، واللهُ أعلمُ.

عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ: " أنَّ عمرو بنَ العاصِ، وشُرَحبيلَ بنَ حسنةٍ بعثاهُ بَريداً إلى بكرٍ الصّدّيقِ رضي الله عنه برأسِ نياقٍ بطريقِ الشامِ، فلما قدمَ على أبي بكر، أنكرَ ذلكَ، فقال له عقبةُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، إنّهم يصنعونَ ذلكَ بنا، قالَ: أفيَسْتنّانِ بفارسَ والرّومِ؟، لا يُحملُ إليَّ رأسٌ، إنّما يَكفي الكتابُ والخبر "

(119)

، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.

وعن الزُّهريِّ، قالَ:" لمْ يُحمَلْ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رأسٌ إلى المدينةِ قط، ولا يومَ بدرٍ، وحُملَ إلى بكرٍ رأسٌ، فكرهَ ذلكَ، وأوّلُ من حُمِلتْ إليه الرؤوسُ عبدُ اللهِ ابنُ الزُّبيرِ "

(120)

، رواهُ البيهقيُّ أيضاً.

عن عِمْرانَ بنِ حُصيْنٍ، قالَ: " أُسِرت امرأةٌ من الأنصارِ، وأُصيبتِ العَضْباءُ، وكانتِ المرأةُ في الوثاقِ، وكانَ القومُ يُريحون نعمهُمْ بين يَدي بيوتهم، فانفلتَتْ ذاتَ ليلةٍ من الوثاقِ، فأتتْ الإبلَ فجعلَتْ إذا دنَتْ من البعيرِ رَغا فتتركُهُ، حتّى تَنتهيَ إلى العَضباءِ

(119)

البيهقي (9/ 132).

(120)

البيهقي (9/ 132).

ص: 324

فلمْ ترغُ وهي ناقةٌ مُنَوقةٌ، وفي لفظٍ:" مُدربةٌ "، وفي روايةٍ: فأتتْ على ناقةٍ ذلولٍ مُجَرَّسَةٍ فقعدَتْ في عَجزِها، ثمَّ زجَرتْها فانطلقَتْ ونذَروا بها فطلبوها، فأعْجزَتْهم، قالَ: ونذرَتْ لله إنْ نجّاها اللهُ عليها لتنحَرنَّها، فلما قدمتِ المدينةَ رآها الناسُ، فقالوا: العَضْباءُ، ناقةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: إنّها نذرَتْ إنْ نجّاها اللهُ عليها لتنْحرنَّها، فأتوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلكَ لهُ، فقالَ: سبحانَ اللهِ، بئسَ ما جَزتْها، نذَرتْ للهِ إنْ نجّاها عليها لتَنْحرَنَّها، لا وفاءَ لنَذْرٍ في معْصيةِ اللهِ، ولا فيما لا يمْلكُ العبدُ "

(121)

، يعني: إنّها ما مَلكتْها، وإنّها ناقتُهُ، على مُلكِهِ، واللهُ أعلمُ.

عن ابنِ عمرَ: " أنَّ غلاماً لهُ أبقَ إلى العدوِّ وظهرَ عليه المسلمون، فردَّهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى ابنِ عمرَ، ولمْ يُقْسَمْ "

(122)

، كذا رواهُ أبو داود، وعلّقَ البخاريُّ عنهُ، قالَ: " ذهبَ فرسٌ لهُ، فأخذهُ العدوُّ، فظهرَ عليهم المسلمون، فرُدَّ عليهِ في زمانِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأبقَ عبدٌ لهُ فلحقَ بالرّومِ، فظهر عليهم المسلمون، فردَّهُ عليهِ خالدُ بنُ الوليد، بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وأسندَ البخاريُّ عنهُ: " أنهُ كانَ على فرسٍ يوم لقي المسلمون، وأميرُ المسلمين يومئذٍ خالدُ بن الوليدِ، بعثهُ أبو بكر، فأخذهُ العدوُّ، فلما هُزمَ العدوُّ ردَّ خالدٌ فرسَهُ "

(123)

.

ولهُ عن نافعٍ: " أنَّ عبداً لابن عمرَ أبقَ فلحقَ بالرّومِ، فظهرَ عليه خالدُ بنُ الوليدِ، فردَّهُ على عبد الله، وأنَّ فرساً لابنِ عمرَ

(124)

عارَ، فلحقَ بالرّومِ فظهرَ عليه فردُّوهُ على عبد الله "

(125)

، هذا أصحُّ، وفيهِ دلالةٌ على كلِّ حال على أنه إذا استُرْجعت الأموالُ التي استولى عليها المشركون أنهُ يجبُ ردُّها إلى أصحابِها.

(121)

مسلم (2/ 17)، والبيهقي (9/ 109)، والمجرّسة الذلول السهلة الانقياد، وكذا المدربة والمنوقة.

(122)

أبو داود (2/ 59)، والبيهقي (9/ 110) من طريقه.

(123)

البخاري (15/ 3) والمعلق في البخاري (15/ 2).

(124)

هكذا: عار وكذا هو في البخاري، وفي موضع قال أبو عبد الله: عارَ من العير، وهو حمار الوحش، أي: هرب.

(125)

البخاري (15/ 3).

ص: 325

وقد رَوى الدارَقُطنيُّ والبيهقيُّ عن عبد الله بن عمرَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " مَنْ وجدَ مالَهُ في الفيء قبلَ أن يُقْسَمَ، فهو لهُ، وإنْ وجدَهُ بعدَ ما قُسِمَ، فليسَ لهُ شيءٌ "

(126)

، ولكنْ في إسنادِهِ: إسحاقُ بنُ أبي فَرْوةَ عن ياسين بنِ مُعاذ الزّيّاتِ، وهما: ضَعيفان.

عن الحسنِ بنِ عُمارةَ عن عبد الملكِ بنِ مَيْسرةَ الزّرادِ عن طاوسٍ عن ابن عباسٍ، مرفوعاً، قال:" فيما أحرز العدوُّ، فاسْتنقذَهُ المسلمون منهم إنْ وجدَهُ صاحبهُ قبلَ أنْ يُقسمَ، فهو أحقُّ يهِ، وإنْ وجدَهُ قدْ قُسمَ، فإنْ شاءَ أخذَهُ بالثّمنِ "

(127)

، رواهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ أيضاً، والحسنُ بنُ عُمارةَ: متروكٌ.

وقد رُويَ عن عمرَ

(128)

، وابنِ عباسٍ من قولِهما، وفي إسنادِ كلٍّ منهما نظرٌ واللهُ أعلمُ.

(126)

الدارقطني (4/ 113) والبيهقي (9/ 111).

(127)

الدارقطني (4/ 115) والبيهقي (9/ 111).

(128)

عن عمر من قوله وكذا عن عليّ، البيهقي (9/ 112).

ص: 326