الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
كتابُ الطَّلاقِ
تقدّمَ حديثُ: " رفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصغيرِ حتّى يحتلمَ، وعن المجنون حتّى يَفيقَ، وعن النائمِ حتّى يستيقظَ "
(1)
. قالَ الشافعيُّ: والسّكرانُ، فما لمْ يكنْ واحداً من هؤلاءِ الثلاثةِ وقعَ طلاقُهُ، وهو قولُ أكثرِ من لقيتُ من المُفْتين.
قلتُ: هذا هو المشهورُ من مذهبهِ، وقد نصرَهُ جماعةٌ من كبارِ المَذْهبِ، ولهُ قولٌ آخرٌ: أنهُ لا يقعُ، ودليلُهُ ما رواهُ سعيدُ بنُ منصور عن عثمانَ: أنهُ قالَ: كلُّ الطّلاقِ جائزٌ إلا طلاقَ النَّشوانِ، وطلاقَ المجنونِ "
(2)
، وإسنادُهُ: صحيحٌ. ولهذا علّقَهُ البخاريُّ في صحيحِه بصيغةِ الجزمِ، قالَ: وقال ابنُ عبّاسٍ: " طلاقُ السّكرانِ، والمُسْتكْرَهِ، ليسَ بجائزٍ "
(3)
.
قالَ البيهقيُّ: وبهِ قالَ: القاسمُ، وطاوسٌ، وعطاءٌ، وأبانُ بنُ عثمانَ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، والمزنيُّ، وأبو ثور.
عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إنّ اللهَ تجاوزَ لأُمّتي ما تُوسوس بهِ صدورُها، ما لمْ تعملْ بهِ أو تكلّمْ "
(4)
، أخرجاهُ.
وقد رواهُ ابنُ ماجة، فزادَ فيهِ:" وما اسْتُكْرهوا عليهِ "
(5)
.
وله عن ابن عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: " إنّ اللهَ وضعَ عن أُمّتي الخطأ، والنّسيانَ،
(1)
تقدم.
(2)
البيهقي (7/ 359) برواه: ثقات.
(3)
البخاري معلقاً (20/ 252).
(4)
البخاري (20/ 255) ومسلم (1/ 88).
(5)
ابن ماجة (2044).
وما اسْتكرِهوا عليهِ "
(6)
.
وقد تقدّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ الصلاةِ.
وعن عائشةَ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: " لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ "
(7)
، رواهُ أحمدُ، وابو داودَ، وهذا لفظُهُ، وقالَ:" أظنهُ الغضبَ "، وابنُ ماجة. وفسّرهُ الشافعيُّ، والخطابيُّ: بالإكراهِ.
وذكرَ أبو عُبَيْدٍ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبيرِ: أنهم لمْ يوقعوا طلاقَ المُكرَهِ، ثمَّ قالَ: ولا مخالفَ لهمْ من الصّحابةِ.
واحتجّ البخاريُّ على عدمِ الوقوعِ بحديثِ: " الأعمالُ بالنيّاتِ "، يعني: أنّ المُكرهَ طلّقَ لفْظاً من غيرِ نيّةٍ.
أمّا ملكُ العبدِ طلاقَ زوجتِهِ، فبظاهر الكتابِ، ولِما:
رواهُ ابنُ ماجة عن ابنِ عباسٍ: " جاءَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إنّ سيّدي زوّجني أَمَتَهُ، وهو يريدُ أنْ يُفرِّقَ بيني وبينَها، قالَ: فصعدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المِنْبرَ، وقالَ: يا أيّها الناسُ، ما بالُ أحدكُمْ يُزَوّجُ عبدَهُ أَمتَهُ، ثم يُدريُ أن يُفرّقَ بينَهما، إنّما الطلاقُ لمنْ أخذَ بالساقِ "
(8)
، وفي إسنادِهِ عبد اللهِ بنُ لهيعةَ.
وأمّا ملكهُ عليها تطليقتين، فقد روى مالكٌ، والشافعيُّ عن عثمانَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ:" أنّهما سُئلا عن مكاتبٍ طلّقَ امرأتَهُ، وكانت حرّةً تطليقتين، فقالَ كلٌّ منهما: حَرُمتْ عليْكَ "
(9)
.
(6)
ابن ماجة (2045).
(7)
أحمد (17/ 11) وأبو داود (1/ 507) وابن ماجة (2046)، والبيهقي (7/ 357) مع قول أبي عبيد في عدم وقوع طلاق المكره نقله عن الصحابة.
(8)
ابن ماجة (208)، والبيهقي (7/ 360).
(9)
مالك (2/ 28) والشافعي (5/ 239) والدارقطني (4/ 38) عن ابن عمر.
ورواهُ الدارَقُطني عن ابن عمر
(10)
أيضاً.
وعن عمرو بن شعيب
(11)
: " أنّ أبا حسنٍ مَوْلى بني نَوْفلٍ أخبرَهُ: أنهُ استفتى ابنَ عباسٍ في مَمْلوكٍ كانتْ تحتهُ مَمْلوكةٌ، فطلّقها تطليقتين، ثمّ عُتِقا بعدَ ذلكَ، هلْ يصلحُ لهُ أن يخطبَها بعدَ ذلكَ؟، قالَ: نعمْ، قَضى بذلكَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "
(12)
، رواهُ أحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وأبو داودَ، وعندهُ:" بقيتْ لكَ واحدةٌ، قضى بهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ".
قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ومَعْمرٌ: لقدْ تحمّل أبو حسَنٍ هذا صخرةً عظيمةً.
وذهبَ إلى هذا الحديثِ أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ، وحكاهُ عن ابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وأبي سَلَمةَ، وقتادةَ، وهو وجهٌ لبعضِ أصحابِنا، والغرضُ من إيرادِهِ: أنّ في سياقِهِ ما يدُلُّ على أنّ العبدَ إنما يملكُ تطليقتين.
عن مُحارب بن دثارٍ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطَّلاقُ "
(13)
، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجة، ثم رواهُ أبو داود مُرْسَلاً.
وعن ثَوبانَ، قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيّما امرأةٍ سألتْ زوجها الطّلاقَ في غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنّةِ "
(14)
، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ.
عن عمرَ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلّق حفْصة، ثم راجعها "
(15)
رواهُ أبو داودَ، والنسائيّ، وابنُ ماجة، فدلّ على جوازِه للحاجةِ، وأنّ الأوْلى أن لا يزيدَ على واحدةٍ،
(10)
هكذا بالأصل كأنه " عمر "، ويحتمل: ابن عمر، وهو عند الدارقطني عن ابن عمر، والله أعلم (4/ 38).
(11)
هكذا بالأصل، والصواب: عمر بن معتب أو أبي معتب، كما عند البيهقي (7/ 371)، وأبي داود (1/ 505).
(12)
أحمد (17/ 12) والنسائي (6/ 155) وابن ماجة (2082) وأبو داود (1/ 505).
(13)
أبو داود (1/ 503) وابن ماجة (2018).
(14)
أحمد (17/ 3) وأبو داود (1/ 516) وابن ماجة (2055) والترمذي (2/ 329).
(15)
أبو داود (1/ 531) والنسائي (6/ 213) وابن ماجة (2016).
ليكونَ مالكاً للرّجعةِ، كما فعلَ عليه السلام بحفْصةَ.
ويؤيد ذلكَ: ما رواهُ النّسائيُّ بإسنادٍ جيّد قويٍّ عن محمود بن لبيدٍ، قالَ:" أُخبرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلقَ امرأتَهُ ثلاثَ تطليقات جميعاً، فقامَ غضبانُ، ثمَّ قالَ: أيلعَبُ بكتابِ اللهِ، وأنا بينَ أظْهُركُمْ؟، حتّى قامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ألا أقتلُهُ "
(16)
.
واستدلَّ الشافعيُّ على وقوعِ الثّلاثِ المجموعةِ بحديثِ العجلاني: " أنهُ طلّقَ امرأتَهُ ثلاثاً بحضرةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمْ يُنكرْ ذلك عليه "
(17)
، والحديثُ في الصحيحين، وبحديثِ عبد الله بنِ عباسٍ، قالَ:" كانَ الطّلاقُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ، وسنتين من خلافةِ عمرَ، طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ، فقالَ عمرُ بن الخطابِ: إنّ الناسَ قد استعجلوا في أمرٍ كانتْ لهمْ فيهِ أناةٌ، فلو أمْضَيْناهُ عليْهم، فأَمضاهُ عليْهم "
(18)
.
وقد رَوى هذا الحديثَ مسلمٌ، ثمّ قال الشافعيُّ: قد رُويَ عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ كان يُوقعُ الثلاثَ مجموعةً، فدلَّ على نسخِ ذلكَ عندَهُ.
عن عِكْرِمةَ عن ابنِ عباسٍ، قالَ:" الطلاقُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهان: حلالٌ، ووجهانِ حرامٌ، فأما اللذان هما حلالٌ، فأنْ يُطلقَ الرجلُ امرأتَهُ طاهراً من غير جماعٍ، أو يُطلّقها حاملاً مُستبيناً حَمْلُها، وأمّا اللذان هما حرام، فأنْ يُطلّقَها حائضاً أو يطلّقها عندَ الجماعِ لا يَدري اشتملَ الرحمُ على حَملٍ أم لا "
(19)
.
عن نافعٍ: " أن ابنَ عمرَ طلّقَ امرأةً لهُ وهي حائضٌ تطليقةً واحدةً، فأمرهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يُراجعَها، ثمّ يُمسكَها حتى تطهرَ، ثمّ تحيضَ عندهُ حيضةً أُخرى، ثمّ يُمهلها حتى تطهرَ من حَيْضتِها، فإن أرادَ أن يُطلّقَها، فلْيُطلّقْها حينَ تطهرُ من قبلِ أن يُجامِعَها،
(16)
النسائي (6/ 142).
(17)
البخاري (20/ 235) ومسلم (4/ 206).
(18)
مسلم (4/ 183).
(19)
البيهقي (7/ 325).
فتلكَ العدّةُ التي أمرَ اللهُ أن يطلَّق لها النساءُ "
(20)
، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريّ.
ولمسلمٍ عن ابنِ عمر: أنهُ طلّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلكَ عمرُ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: مُرْهُ فلْيُراجعْها، ثم ليطلّقْها طاهراً أو حامِلاً "
(21)
.
قال الشافعيّ: ذكرَ اللهُ تعالى الطّلاقَ في كتابهِ بثلاثةِ أسماءَ: الطّلاقِ، والفراقِ، والسّراحِ، فمن خاطبَ امرأتَهُ فأفردَ لها لها اسماً من هذهِ لزمَهُ الطلاقُ
(22)
، ولمْ ينوهِ في الحكمِ، وما تكلّمَ بهِ ممّا يُشبهُ الطّلاقَ سوى هذهِ، فليسَ بطلاقٍ حتى يقولَ: كان مخرجُ كلامي على أني نويتُ به طلاقاً، وهو ما أراد من عددِ الطّلاقِ.
قالَ الثوريُّ عن عمادٍ عن إبراهيمَ عن عمرَ: " أنهُ كانَ يقولُ في الخليَّةِ، والبريّةِ، والبتّةِ، والبائنةِ، واحدةٌ، وهو أحقُّ بها "
(23)
، وهذا مُنقطعٌ.
وروى الشافعيّ عن مالكٍ فيما بلغَهُ عن عمرَ: " أنهُ استحلفَ رجلاً قالَ لامرأتِهِ: حبلُكِ على غاربِكِ، هلْ أرادَ الطّلاقَ أم لا؟ "
(24)
.
تقدّمَ قوله عليه السلام للجونيةِ: " إلحقي بأهلكِ، ومَتَّعها "
(25)
. والظاهرُ: أنهُ أرادَ الطّلاق.
وفي الصحيحين عن كعْبِ بنِ مالكٍ: " أنهُ قالَ لامرأتِهِ: إلحقي بأهلكِ حتّى يقضيَ اللهُ في هذا الأمر "
(26)
، ولم يُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، بدليلِ أنهُ لما تابَ اللهُ عليهِ وعلى صاحبيهِ هلالِ بنِ أُميّةَ، ومرارةَ بنِ الرّبيعِ، لمْ يُؤمَرْ بتجديدِ النكاحِ، فدلَّ على أنّ المرجعَ في ذلكَ إلى النيّة "، وقدْ قالَ عليه السلام: " الأعمالُ بالنيّاتِ ".
(20)
البخاري (20/ 226) ومسلم (4/ 179).
(21)
مسلم (4/ 181).
(22)
هكذا بالأصل، ولعلها:" وإن لم ينوه " حتى يستقيم معنى الكلام.
(23)
البيهقي (7/ 343).
(24)
الشافعي (7/ 236 الأم مع المسند)، والبيهقي من طريقه (7/ 343، 344).
(25)
تقدم.
(26)
البخاري (18/ 50) ومسلم (2/ 500).
عن عائشةَ: أنّها قالتْ: " خيّرنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أفكانَ ذلكَ طلاقاً؟ "
(27)
رواهُ مُسلمٌ، وأصلُهُ في الصحيحين.
(27)
مسلم (4/ 186).