الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
13 -
بابُ: عقدِ الذِّمةِ، وضربِ الجزْيةِ
قالَ اللهُ تعالى: " قَاتِلُوا الّذينَ لا يُؤمنونَ بالله ولا باليومِ الآخرِ ولا يُحرِّمونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورسولُهُ ولا يدينُونَ دينَ الحقِّ منَ الذينَ أوتُوا الكِتابَ حتّى يُعطُوا الجِزْيةَ عنْ يدٍ وهُمْ صَاغِرونَ ".
وقالَ تعالى: " فإذا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرمُ فاقْتُلوا المُشركينَ حيْثُ وجَدْتُموهُمْ. . الآية "، قالَ عليّ: إنّ أهلَ الكتابِ مخصوصون من بينِ المشركين بأخذِ الجزيةِ، فلا تُؤخذُ إلا منهمْ "، كذا قرّرَهُ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله.
عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" مَرضَ أبو طالبٍ فأتتْهُ قريشٌ، وأتاهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعودُهُ، وعندَ رأسِهِ مقعدُ رجلٍ، فقامَ أبو جهلٍ فقعدَ فيهِ، فقالوا: " إنَّ ابنَ أخيكَ يقعُ في آلهتِنا، قالَ: ما شأنُ قومِكَ يشكونَكَ؟، قالَ: يا عمُّ، أُريدُهمْ على كلمةٍ واحدٍ، تدينُ لهم العربُ، وتُؤدّي العجمُ إليهم الجزيةَ، قالوا: ما هيَ؟، قالَ: لا إله إلا اللهُ، فقاموا، وقالوا: أجعلَ الآلهةَ إلهاً واحداً، قالَ: فنزلتْ: " ص والقُرآنِ ذي الذِّكرِ "، فقرأ حَتّى بلغَ:" إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ "
(1)
، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، والنسائيُّ والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ، وصحّحهُ ابنُ حِبانَ البُسْتيُّ، وهو بإسنادٍ صحيحٍ.
عن المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ: " أنهُ قالَ لعاملِ كسرى: أمرَنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا أنْ نُقاتلَكُمْ حتّى تعبدوا الله، أو تُودّوا الجزيةَ "
(2)
.
وعن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخذَ الجزيةَ مِنْ مجوسِ هَجَرَ "
(3)
(1)
أحمد (14/ 123) والنسائي في الكبرى كما في التحفة (4/ 456) والترمذي (5/ 44)، والبيهقي (9/ 188).
(2)
البخاري (15/ 82).
(3)
البخاري (15/ 79).
رواهُما البخاريُّ.
وقالَ مالكٌ عن جعفرِ بنِ محمد عن أبيهِ: " أنّ عمرَ ذكرَ المجوسَ، فقالَ: ما أدري كيفَ أصنعُ في أمرهم؟، فقالَ عبد الرحمن بنُ عوْفٍ: أشهدُ لَسمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " سُنّوا بهمْ سُنّةَ أهلِ الكتابِ "
(4)
، هذا: منقطعٌ.
وقد رُويَ مُرْسَلاً من وجهٍ آخرَ، وهذا ممّا يدلُّ على أنهم ليسوا بأهلِ كتابٍ، وإنّما لهمْ شبهُ كتابٍ.
ويؤيّدُهُ ما رواهُ أبو داودَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" إنّ أهلَ فارس لما ماتَ نبيُّهم، كتبَ لهمْ إبليسُ المجوسيّةَ "
(5)
.
ورواهُ الشافعيُّ عن علي بن أبي طالب أيضاً.
عن أبي ذَرٍّ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، كم الأنبياءُ؟، قالَ: مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً، قالَ: قلتُ: كم الرّسلُ مِن ذلكَ؟، قالَ: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ، جمٌّ غفيرٌ، قلتُ: كثيرٌ طيّبٌ، قلتُ: من كانَ أوّلهمْ؟، قالَ: آدمُ، قلتُ: أنبيٌّ مُرسلٌ؟، قالَ: نعمْ، خلقَهُ بيدِهِ، ونفخَ فيهِ من روحِهِ، وسوّاهُ قُبُلاً، ثمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ، أربعةٌ من العربِ: هودٌ، وشُعَيْبٌ، وصالحٌ، ونبيُّكَ، يا أبا ذرٍّ، وأوّلُ الأنبياءِ بني إسرائيل: موسى، وآخرهم عيسى، وأوّلُ الرّسلِ: آدمُ، وآخرهم: محمدٌ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، كمْ كتاب أنزلَهُ اللهُ؟، قالَ: مائة وأربعة كتُبٍ، أنزلَ على شيث خمسينَ صحيفةً، وعلى خنوخَ ثلاثين صحيفةً، وعلى إبراهيم عشر صحائفَ، وأنزلَ على موسى قبلَ التوراةِ عشرَ صحائفَ، وأُنزلت التوراةُ والإنجيلُ، والزّبورُ، والفُرقانُ، وذكر الحديثَ بطولهِ "
(6)
، وهو حديثٌ غريبٌ جداً، وأخرجهُ ابنُ حِبّانَ في صحيحه، وهو من روايةِ
(4)
مالك (1/ 207) والشافعي في المسند (2/ 126).
(5)
أبو دواد (2/ 150) والشافعي (8/ 510) الأم مع المسند.
(6)
ابن حبان (94) والبيهقي (9/ 4)، وعند ابن حبان في الزوائد (35)" وكلمه قبلاً " بدل " وسواه قبلاً " أي آدم عليه السلام.
إبراهيمَ بنِ هشام بن يحيى بنِ يحيى الغَسّاني، وقد كذّبَهُ أبو زُرْعةَ، وضعَّفهُ غيرُ واحدٍ، ووثّقهُ ابنُ حِبّان والطَّبرانيُّ.
ورواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخر عن أبي ذرٍّ بإسنادٍ لا بأسَ بهِ.
ووقعَ في مسندِ الإمامِ أحمدَ، لهُ شواهدُ، فاللهُ أعلمُ.
والغرضُ من إيرادِ هذا الحديثِ تقْويةُ قولِ من يعقدُ الذّمّةَ لمنْ تمسَّكَ بدينِ إبراهيمَ، وشيث، وغيرهما من الأنبياء.
عن مُعاذِ بنِ جبلٍ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمرهُ أنْ يأخذَ من كلِّ حالمٍ، يعني - محتلمٍ - ديناراً، أو عِدْلَهُ من المَعافرِ، ثيابٍ تكونُ باليمن "
(7)
، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وحسَّنهُ الترمذيُّ، وفي إسنادِهِ: اختلافٌ قدْ بُسطَ في الأصلِ، والأظهرُ: أنهُ كما قالَ الترمذيُّ، قالَ: وقالَ ابنُ عُيَيْنةَ: عن ابنِ أبي نجيحٍ، قلتُ لمُجاهدٍ: ما شأنُ أهلِ الشامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليمنِ عليهم دينارٌ؟، قالَ: جُعِلَ ذلكَ من قِبَل اليَسار ".
عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ:" صالحَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أهلَ نجرانَ على ألفي حُلّةٍ، النصفُ في صَفر، والبقيةُ في رجبٍ يُؤدّونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين دِرْعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كلّ صِنفٍ من أصنافِ السلاحِ، يَغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتّى يَردّوها عليهم، إنْ كانَ باليمن كيدٌ، أو غدرَةٌ، على أنْ لا تُهدَمَ لهمْ بيعةٌ، ولا يُخرجَ لهم قَسٌّ، ولا يُفْتَنوا عن دينهم، ما لمْ يُحدثوا حَدَثاً، أو يأكلوا الرِّبا "
(8)
، رواهُ أبو داودَ.
واستدَلَّ بهِ الشافعيُّ على جوازِ المُصالحةِ على أكثر من دينارٍ.
عن رجلٍ من بني تغلبَ: أنهُ سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " ليسَ على المسلمين عُشورٌ،
(7)
أحمد (5/ 230 المتن) وأبو داود (2/ 68) والترمذي (2/ 68) والنسائي (5/ 26) وابن ماجة (183).
(8)
أبو داود (2/ 149) في سماع السدّي من ابن عباس فقط، والبيهقي (9/ 195) من طريقه.
إنّما العُشورُ على اليهودِ، والنّصارى "
(9)
، رواهُ أحمدُ، وأبو داود.
قالَ الشافعيُّ: عن إبراهيم بنِ أبي يحيى عن أبي الحُويْرثِ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صالحَ أُكيْدِرَ دُومة عن نصارى أيْلةَ على ثلثمائةِ دينارٍ، وكانوا ثلثمائةَ رجلٍ، وأن يُضَيِّفوا من مرَّ بهم من المسلمين "
(10)
، وهذا: مُرْسلٌ.
عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: قلتُ: يا رسول اللهِ، إنكَ تَبعثُنا فننزلُ بقومٍ لا يُقْرونا، فقالَ لنا: إنْ نزلتُمْ بقومٍ فأمروا لكمْ بما يَنبغي، فاقْبلوا، وإنْ لمْ يَفْعلوا، فخذُوا منهم حقَّ الضيفِ الذي ينبغي لهم "
(11)
، أخرجاهُ.
وقالَ مالكٌ: عن نافعٍ عن أسْلمَ: " أنّ عمرَ ضربَ الجزيةَ على أهلِ الذّهبِ أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهلِ الورقِ أربعين دِرْهماً، ومعَ ذلكَ أرزاقُ المسلمين وضيافةُ ثلاثةِ أيامٍ "
(12)
.
عن أبي شُريْحٍ: أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " منْ كانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، فليكرمْ ضيفَهُ جَائزتَهُ، قالوا: وما جائزتُهُ يا رسولَ اللهِ؟، قالَ: يومُ وليلةٌ، والضّيافةُ: ثلاثةُ أيامٍ، فما كانَ وراءَ ذلكَ، فهو صدقةٌ، ولا يحلُّ لهُ أن يَثويَ عندَهُ حتّى يُحرجَهُ "
(13)
، أخرجاهُ.
عن عُبَيْدِ اللهِ الثَّقفي
(14)
، قالَ:" وضعَ عمرُ بنُ الخطابِ الجزيةَ على رؤوسِ الرّجالِ، على الغنيِّ ثمانيةً وأربعين درهماً، وعلى المُتوسّطِ أربعةً وعشرين درهماً، وعلى الفقيرِ اثنا عشرَ درهماً "
(15)
، رواهُ أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ.
(9)
أحمد (14/ 124) وأبو داود (2/ 151)، والبيهقي (9/ 199) من طريقه.
(10)
الشافعي (2/ 126) المسند، والبيهقي (9/ 195) من طريقه.
(11)
البخاري (22/ 175) ومسلم (5/ 138).
(12)
مالك (1/ 207)، والبيهقي (9/ 196) من طريقه.
(13)
البخاري (22/ 111) ومسلم (5/ 137).
(14)
هكذا بالأصل، وعند البيهقي (9/ 196): عن محمد بن عبيد الله الثقفي، وهو الصواب، وقد سقط كما يظهر اسمه، وبقي اسم أبيه ونسبه.
(15)
ابن أبي شيبة (12/ 241) ومن طريقه البيهقي (9/ 196).
ورُويَ من وجهٍ آخرَ عن عمرَ.
وعن أسْلمَ مولى عمرَ: " أنّ عمرَ كتبَ إلى عُمّالِهِ: أنْ لا يضربوا الجزيةَ على النّساءِ، والصّبيانِ، ولا يَضربوها إلا على من جَرتْ عليه المواسي، ويختم في أعناقِهم، ويجعلَ جزيتَهم على رُؤوسهم، على أهلِ الوَرقِ أربعين درهماً، ومعَ ذلكَ أرزاقُ المسلمين، وعلى أهلِ الذّهبِ أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهلِ الشامِ منهم مُدّي حنطةٍ، وثلاثةَ أقساطِ زيتٍ، وعلى أهل مصرَ أردبَ حنطةٍ، وكسوةَ وعسلَ - الحديث "
(16)
، رواهُ ابن أبي شيبةَ أيضاً بإسنادٍ صحيحٍ.
عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لا تصلحُ قبلتانِ في أرضٍ، وليسَ على مسلمٍ جزيةٌ "
(17)
، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ وقالَ: رُويَ مُرْسلاً.
سيأتي في بابِ اليمين في الدّعاوى: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما قُتلَ عبد الله
(18)
طلبَ من أهلِها ديَتهُ "
(19)
.
وهذا دليلٌ على تضمينهم الأموالَ، والنفوسَ، وهو ممّا لا نزاعَ فيه.
عن ابنِ عمرَ: " أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في امرأةٍ منهم ورجلٍ زَنيا، فقالَ لهم: ما تجدونَ في التوراةِ في شأنِ الرّجمِ؟، فقالوا: نفضحُهُمْ ويُجْلدون، فقال عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ: كَذَبْتُم، إنَّ فيها الرجمَ، فأتوا بالتوارةِ ونشروها، فوضع أحدهُمْ يدَهُ على آيةِ الرّجمِ، فقرأ ما قبلَها وما بعدَها، فقالَ لهُ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفعْ يدَكَ، فرفعَ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقالَ: صدقَ يا محمدُ، فأمر بهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرُجما، فرأيتُ الرّجلَ يَحني على المرأةِ يَقيها الحجارةَ "
(20)
، أخرجاهُ.
(16)
أخرجه البيهقي (9/ 195) من طريقه.
(17)
أحمد (14/ 124) وأبو داود (2/ 148) والترمذي (2/ 72)، والبيهقي (9/ 199).
(18)
بالأصل فراغ، ولعل المحذوف كلمة:" خيبر "، لأنهم هم الذين اتهموا بقتله، وطلب منهم ديته.
(19)
سيأتي.
(20)
البخاري (24/ 19) ومسلم (5/ 122).
عن عبد الرحمن بنِ غَنْمٍ، قالَ:" كتبتُ لعمرَ بنَ الخطابِ حينَ صالحَ نصارى من أهل الشامِ: " بسْم الله الرحمن الرحيم "، هذا كتابٌ لعبدِ الله: عمرَ أميرِ المؤمنين من نصارى مدينةِ كذا وكذا، " إنكم لما قدِمتمْ علينا سألناكُمْ الأمانَ لأنفسِنا وذَرارينا وأموالِنا، وأهلِ ملّتنا، وشرَطْنا لكمْ على أنفسِنا: أنْ لا نُحدِثَ في مدينتنا، ولا فيما حولها ديْراً، ولا كنيسةً، ولا قلايةً، ولا صومعة راهبٍ، ولا نُجدِّدَ ما خُربَ منها ما كانَ في خططِ المسلمين، وأنْ لا نمنعَ كنائسَنا أن ينزلَها أحدٌ من المسلمين في ليلٍ ولا نهارٍ، وأنْ نوسعَ
(21)
أبوابها للمارّةِ، وابنِ السبيلِ، وأنْ نُنزِلَ من مرَّ بنا مِن المسلمينَ ثلاثة أيامٍ نُطعمهمْ، ولا نُؤويَ في كَنائِسنا ولا منازِلنا جاسوساً، ولا نكتمَ غشاً للمسلمينَ، ولا نُعلِّمَ أولادَنا القرآن، ولا نُظهرَ شِرْكاً، ولا ندعوَ إليه أحداً، ولا نمنعَ أحداً من ذَوي قرابتنا الدّخولَ في الإسلامِ إنْ أرادوهُ، وأن نُوقّرَ المسلمين، وأنْ نقومَ لهمْ من مجالسنا إنْ أرادوا الجلوسَ، ولا نتشبهَ بهمْ في شيءٍ من ملابسهمْ في قَلَنْسوةٍ، ولا عمامةٍ، ولا نَعلينِ، ولا فرقِ شعرٍ، ولا نتكلمَ بكلامهمْ، ولا نكتني بكناهُمْ، ولا نركبَ السّروجَ، ولا نتقلّدَ السيوفَ، ولا نتخذَ شياً من السّلاحِ، ولا نحملهُ معنا، ولا نَنْقُشَ خواتيمَنا بالعربيّةِ، ولا نبيعَ الخمورَ، وأنْ نجزَّ مقاديمَ رؤوسِنا، وأنْ نلزمَ زيَّنا ديناً
(22)
حيثُ ما كانَ، وأنْ نشدَّ الزّنانيرَ على أوساطِنا، وأنْ لا نظهرَ الصَّليبَ على كنائسِنا، وأنْ لا نُظهرَ كُتبَنا في شيءٍ من طرقِ المسلمين، ولا أسواقِهمْ، ولا نضربَ نواقيسَنا في كنائِسنا إلا ضرباً خفيّاً، وأنْ لا نرفعَ أصواتَنا بالقراءةِ في كنائِسنا في شيءٍ من حضرةِ المسلمينَ، ولا نخرجَ سعانينا، ولا باعونا، ولا نرفعَ أصواتَنا معَ موتانا، ولا نُظهرَ النيرانَ معهمْ في شيءٍ من طرقِ المسلمينَ، ولا أسواقِهمْ، ولا نجاورَهمْ موتانا، ولا نتخذ من الرّقيق ما جرى عليهِ سهامُ المسلمين، ولا نطّلعَ عليهم في منازِلهم، فلما أتيتُ عمرَ بالكتابِ، زادَ فيه: " ولا نضربُ أحداً من المسلمين، شرْطنا لكمْ ذلكَ على أنفسِنا، وأهلِ ملّتنا، وقَبلْنا عليهِ الأمانَ، فإنْ نحنُ خالفْنا في شيءٍ مما شرَطْناهُ لكمْ وضمّناه على أنفسِنا،
(21)
هكذا بالأصل، وعند البيهقي (9/ 202)" ولا نوسع " بالنفي، والله أعلم.
(22)
بالأصل غير واضحة وغير معجمة، وفي البيهقي (9/ 202) هنا: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير. . " دون هذه الكلمة التي زيدت هنا والله أعلم.
فلا ذمّةَ لنا قد حلّ لكمْ منّا ما يحلُّ من أهلِ المعاندةِ والشّقاقِ "
(23)
، رواهُ إسحاقُ ابنُ راهَويه، والقاضي أبو محمدٍ بنُ زَبرٍ، والبيهقيُّ، وغيرُ واحدٍ من الأئمةِ، ولهُ طرقٌ جيّدةٌ، إلى عبدِ الرحمن بنِ غَنْمٍ، وقد استقصاها أبو محمد بنُ زبرٍ في جزءٍ، جمعَهُ في ذلكَ، أجادَ فيه، وقدْ حرَّرْتها في جزءٍ أيضاً، وقد اعتمدَ أئمةُ الإسلامِ هذهِ الشّروط، وعملَ بها الخلفاءُ الراشدونَ، والأئمةُ المهديّونَ الذين قضوا بالحقِّ، وبهِ كانوا يعدِلون.
وقالَ أبو عُبيْدٍ القاسمُ بنُ سَلامٍ في كتابِ الأموالِ.
حدَّثنا عبدُ الرَّحمن - يعني - ابن مَهْدي عن عُبيد الله بن عمرَ عن نافعٍ عن أسْلَمَ: " أنَّ عمرَ بن الخطّابِ أمرَ بأهلِ الذمّةِ أن تُجَزَّ نواصيهم، وأنْ يَرْكبوا على الأكفّ، وأنْ يَركبو عَرْضاً، ولا يَركبونَ كما يَركبُ المسلمون، وأن يُوثِّقوا المناطق "
(24)
، قال أبو عُبيْدٍ: يعني: الزَّنانيرَ، ثمّ روى عن عبدِ العزيز
(25)
مثلهُ.
عن أبي هريرةَ: أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: " لا تَبدأوا اليهودَ
(26)
والنَّصارى بالسّلامِ، وإذا لقيتمْ أحدَهم في طريقٍ، فاضطرّوه إلى أضيقِهِ
(27)
، رواه مُسلم.
عن ابن عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" إذا سلّمَ عليكمْ اليهودُ، فإنما يقولُ أحدُهمْ: السّامُ عليكَ، فقلْ: وعليكَ "
(28)
، أخرجاه.
عن ابنِ عبّاسٍ: أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " أخْرجوا المشركينَ من جزيرةِ العربِ "
(29)
، أخرجاهُ.
(23)
البيهقي (9/ 202) بلفظه عدا كلمة أو اثنين.
(24)
أبو عبيد عمر. ذكره في تلخيص الحبير (4/ 129).
(25)
هكذا بالأصل، ولعله: عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، قلت: هو في التلخيص (4/ 129) هكذا.
(26)
بالأصل: سقطت كلمة " اليهود " من متنه، وهي ثابتة في صحيح مسلم.
(27)
مسلم (7/ 5).
(28)
البخاري (22/ 248) ومسلم (7/ 4).
(29)
البخاري (15/ 90) ومسلم (5/ 75).
وعن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ:" لأُخرِجنَّ اليهودَ، والنّصارى من جزيرة العربِ، حتّى لا أدعَ فيها إلا مسلماً "
(30)
، رواهُ مُسلمٌ.
وعن أبي عُبيْدةَ بنِ الجرّاحِ رضي الله عنه، قالَ:" آخرُ ما تكلَّمَ بهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: أخْرجوا يهودَ أهل الحجازِ، وأهلَ نجرانَ من جزيرةِ العربِ "
(31)
، رواهُ الإمامُ أحمدُ.
قال الشافعيّ: والحجازُ: مكّةُ، والمدينةُ، واليَمامةُ، ومخالفيها، ولمْ أعلمْ أحداً أجلى أهلَ الذّمةِ من اليمنِ.
وقال الواقديُّ: ما وراءَ وادي القُرى إلى المدينةِ حجازٌ، وما وراءَهُ من الشامِ.
وقالَ البخاريُّ في الصّحيحِ: وقال يعقوبُ بنُ محمدٍ: سألتُ المغيرةَ بنَ عيدِ الرّحمنِ عن جزيرةِ العربِ، فقالَ: مكّةُ، والمدينةُ، واليمامةُ، واليمنُ.
قالَ مالكٌ عن نافعٍ عن أسْلَمَ: " أنَّ عمرَ ضربَ لليهودِ، والنصَارى، والمجوس، بالمدينةِ إقامة ثلاثِ ليالٍ يسَّوَّقون بها، ويقضونَ حوائجهمْ، ولا يُقيم أحدٌ منهم فوقَ ثلاثِ ليالٍ "
(32)
، هذا إسنادٌ صحيحٌ.
فأمّا الحرمُ، ولا يُمكَّنُ أحدٌ منهم من دخولِهِ، لقولِهِ تعالى:" يا أيّها الّذينَ آمَنُوا إنّما المُشْرِكونَ نجسٌ فَلا يقْرَبُوا المَسْجدَ الحَرامَ بعْدَ عامِهِمْ هَذا. . الآية "، وهذه الآية نزلتْ في سنةِ تسعٍ، وقدْ بعثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ الصّدّيقَ على الحجّ عامَئذٍ، ثمّ أدرفَهُ بعليٍّ، يُنادي في رحاب مِنى نداءَهُ
(33)
: وأنْ لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مشركٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُرْيانُ
(34)
، والحديثُ ثابتٌ في الصّحيحن عن أبي هريرةَ.
(30)
مسلم (5/ 160).
(31)
أحمد (1/ 196 المسند)، والبيهقي (9/ 208).
(32)
البيهقي (9/ 209) من طريقه.
(33)
غير واضحة بالأصل، ولعلها هكذا، والله أعلم.
(34)
البخاري (15/ 101) ومسلم (4/ 107).
فأمّا دخولُهمْ بقيّةَ المساجدِ: فعن أبي موسى الأشْعريِّ: " أنَّ عمرَ رضي الله عنه أمرَهُ أنْ يرفعَ إليهِ ما أخذَ، وما أعطى في أديمٍ واحدٍ، وكانَ لأبي موسى كاتبٌ نصرانيٌّ، فرفعَ إليهِ ذلكَ، فعجبَ عمرُ، وقالَ: إنّ هذا لحافظٌ، وقالَ: إنّ لنا كتاباً في المسجدِ، وكانَ جاءَ من الشامِ، فادْعهُ، فلْيقرأهُ، قالَ أبو موسى: إنهُ لا يستطيعُ أنْ يدخلَ المسجدَ، فقالَ عمرُ: أجنُبٌ هوَ؟، قالَ: لا، بلْ نَصرانيٌّ، قالَ: فانتهَرني وضربَ فخِذي، وقالَ: أخرجْهُ وقرأ: " يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تَتّخذوا اليَهودَ والنّصارَى أوْلياءَ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْضٍ ومَنْ يَتولّهُمْ مِنْكُمْ إنَّ اللهَ لا يهْدِي القومَ الظَّالمينَ "
(35)
، رواهُ البيهقيُّ.
وقدْ رَوى الشافعيُّ عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ عن عُثمانَ
(36)
بنِ أبي سُليمانَ: " أنّ مُشركي قريشٍ حينَ أتَوا المدينةَ في فداءِ أسْراهم، كانوا يبيتونَ في المسجدِ، منهم جُبَيْرُ ابنُ مُطْعمٍ، قالَ حينَ كنتُ أسمعُ قراءةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم "
(37)
، هذا: مُرْسَلٌ.
فيُؤخذُ منهُ: أنهمْ يدخلونَ بالإذْنِ، واللهُ أعلمُ.
عن العِرْباضِ بن ساريةَ رضي الله عنه: " أنّ صاحبَ خيبرَ جاءَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فشَكَا إليهِ بعضَ ما يلقونَ، فأمرَ الناسَ فاجتمعوا، وخطبَهُمْ، فذكرَ الحديثَ، إلى أنْ قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وإن الله لمْ يُحلَّ لكمْ أنْ تدخُلوا بيوتَ أهلِ الكتابِ إلا بإذنٍ، ولا ضربَ نسائهِمْ، ولا أكلَ ثمارِهمْ إذا أعطوْكمْ الذي عليْهمْ "
(38)
، رواهُ أبو دوادَ.
وهذا: مختصرٌ منهُ، وإسنادُهُ صالحٌ، وهو دليلٌ على: أنهُ يجبُ على الإمامِ أن يدفعَ عن الذمّةِ أذيّةً من جهةِ المسلمين.
(35)
البيهقي (9/ 204).
(36)
غير واضح بالأصل، ولعله: عثمان بن أبي سليمان بن جبير المذكور في الجرح والتعديل (6/ 152)، ويؤيده أنه يروي الخبر عن جدّه جبير بن مطعم مرسلاً، والله أعلم، وهكذا في الأم.
(37)
الشافعي (1/ 54) الأم.
(38)
أبو داود (2/ 152).
وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه في وصيّتِهِ: " وأُوصي الخليفةَ بَعدي بذمّةِ اللهِ، وذمّةِ رسولِهِ، أن يُوفي لهمْ بعهدِهمْ، وأن يُقاتل مِن وَرائهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتهم "
(39)
، رواهُ البخاريُّ.
قال تعالى: " فَإنْ جَاؤوكَ فاحْكُمْ بينَهمْ أوْ أعْرضْ عَنْهُمْ وإنْ تُعْرِضْ عنْهُمْ فلنْ يَضُرّوكَ شيْئاً وإنْ حَكمْتَ فاحْكُمْ بيْنَهمْ بالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحبُّ المُقْسِطينَ "، إلى قوله:" وأَنِ احْكُمْ بَيْنهُمْ بِمَا أنْزلَ اللهُ. . "، الآية، وهذهِ الآيةُ نزلَتْ في قصّةِ الرّجلِ والمرأةِ اللذين زنَيا، من اليهودِ، وقدْ تقدّمَ حديثُها من روايةِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما.
عن أنس رضي الله عنه، قالَ:" كانَ غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فمرضَ فأتاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعودُهُ، وقعدَ عندَ رأسِهِ، فقالَ لهُ: أسلمْ، فنظرَ إلى أبيهِ وهو عندَهُ، فقالَ: أطعْ أبا القاسمِ، فأسلمَ، فخرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يقولُ: " الحمدُ للهِ الذي أنقذَهُ من النّارِ "
(40)
، رواهُ البخاريُّ، والغلامُ ما دونَ البلوغِ عندَ أهلِ اللغةِ، يدلُّ على صحّةِ إسلامِ الصبيّ، واللهُ أعلمُ.
ويُؤكّدُهُ ما روَياهُ في الصّحيحين عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لابنِ صيّادٍ، وقد قاربَ الحُلُم، أتشهدُ أني رسولُ اللهِ. . الحديث "
(41)
.
وقدْ أسلمَ عليٌّ رضي الله عنه، وهو دونَ البلوغِ بلا خلافٍ.
عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلةَ: " أنّ يهوديّاً جاءَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ وهو بالشامِ يَسْتعدي على عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجعيّ: أنهُ ضربَهُ وشجَّهُ، فسألَ عَوْفاً عن ذلكَ، فقالَ: يا أميرَ المُؤمنينَ، رأيتُهُ يسوقُ بامرأةٍ مسلمةٍ، فنخَسَ الحمارَ ليصرعَها فلمْ تُصرَعْ، ثمّ دفَعَها فخرّتْ عن الحمارِ فغشيها، ففعلتُ ما ترى
(42)
، فذهبَ إليها عوفٌ فأخبرَها بما قالَ
(39)
البخاري (14/ 297).
(40)
البخاري (8/ 175).
(41)
البخاري (14/ 301) ومسلم (8/ 189).
(42)
هكذا بالأصل، وفيه اختصار عما في البيهقي (9/ 201)، وتمامه: قال - يعني عمر -: أئتني بالمرأة لتصدقك ثم ذكر الحديث. .).
لعمرَ، فذهبتْ لتجيءَ معهُ، فانطلَقَ أبوها وزوجُها، فأخبرا عمرَ بذلكَ، فقالَ عمرُ لليهوديّ: واللهِ ما عَلى هذا عاهدْناكُمْ، فأمرَ به فصُلِبَ، ثمَّ قالَ: يا أيّها الناسُ: فُوا بذمّةِ محمدٍ، فمنْ فعلَ منهمْ هذا، فلا ذمّةَ لهُ، قالَ سُويْدٌ: فإنهُ لأوّلُ مَصْلوبٍ رأيتُهُ "
(43)
، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
وفيهِ: أنَّ من زنا منهم بمسلمةٍ انتقضَ عهدُهُ، وإنْ لم يُشترَطْ، تقدم ذكرُهُ في الشروطِ العمريّةِ.
عن الشَّعْبيِّ عن عليّ: " أنّ يهوديّةً كانتْ تتهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فخنَقَها رجلٌ حتّى ماتتْ، فأبطلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَمَها "
(44)
، رواهُ أبو دوادَ، وعن ابنِ عبّاسٍ " أنّ رجلاً أعمى كانتْ لهُ أمُّ ولدٍ تشتمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وتقعُ فيهِ، فينهاها، فلا تنتهي، ويزجرُها فلا تنزَجرُ، فقتلها بمغْوَلٍ، فبلغَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: ألا أشهدوا أنّ دمَها هَدَرٌ "
(45)
، رواهُ أبو دوادَ، والنّسائيُّ.
وعن أبي بَرْزَةَ، قالَ:" كنتُ عندَ أبي بكرٍ، فتغيَّظَ على رجلٍ، فاشتدَّ عليهِ، فقلتُ: ائذن لي يا خليفةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أضربْ عنقهُ، فقالَ: فأذْهبتْ كلمتي غيظَهُ، فقامَ ودخلَ، فأرسلَ إليَّ، فقالَ: أكنتَ فاعلاً لوْ أمرْتُكَ؟، قلتُ: نعمْ، قالَ: لا، واللهِ، ما كانتْ لبشرٍ بعدَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم "
(46)
، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوداَ، والنّسائيُّ.
عن غُرْفةَ بنِ الحارثِ الكِنْديّ رضي الله عنه: " أنهُ مرَّ بهِ نصرانيٌّ، فدعاهُ إلى الإسلامِ، فتناولَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكرَهُ، فرفعَ غُرْفةُ يدهُ فدقَّ أنفهُ، فرفعَ إلى عمرو بنِ العاصِ، فقالَ عَمْرو: أعطيناهم العهدَ، فقالَ غرفةُ: معاذَ اللهِ، أنْ نكونَ أعطيناهم على أن يُظهروا شتمَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إنما أعطيناهمْ على أن نُخلّيَ بينَهم وبينَ كنائسِهمْ يقولون فيها ما بَدا لهمْ، وأنْ لا نُحمّلَهمْ ما لا يُطيقون، وإن أرادهمْ عدوٌّ قاتلناهُمْ من ورائِهمْ،
(43)
البيهقي (9/ 201).
(44)
أبو داود (2/ 443).
(45)
أبو داود (2/ 442) والنسائي (7/ 108).
(46)
أحمد (1/ 9 المسند) وأبو داود (2/ 443) والنسائي (7/ 109).
ونُخلّي بينَهم وبينَ أحكامِهمْ، إلا أنْ يأتونا راضينَ بأحكامِنا، فنحكمَ بينهمْ بحكمِ اللهِ وحكمِ رسولِهِ، وإنْ غيَّبوا عنّا لمْ نَعْرضْ لهمْ، فقالَ لهُ عمْرو: صدقتَ، وكانَ غرْفةُ لهُ صحبةٌ "
(47)
، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وهو من حديثِ ابنِ المباركِ عن حَرْملةَ بنِ عمرانَ، حدَّثني كعْبُ بنُ عَلْقَمةَ عن غُرْفةَ: فذكرَهُ.
ورُوِّيناهُ من وجهٍ آخرَ من هذهِ الطريقِ، وفيهِ: " أنّ غُرفةَ لما دعاهُ إلى الإسلامِ، غضبَ وسبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقتلَهُ غرفةُ، فقال له عمرو: إنّما يطنأون
(48)
إلينا بالعهدِ، فقالَ غرفةُ: ما صالحناهمْ أنهم يُؤذونا في اللهِ، وفي رسولِهِ ".
تقدَّمَ: " أنَّ عمرَ رضي الله عنه لما ذكرَ عوفُ بنُ مالكٍ عن ذلكَ اليهوديِّ: أنهُ فجرَ بالمسلمةِ، قتلهُ بالصّلبِ في الحالِ "
(49)
، فدلَّ على أنهُ إذا انتقضَ عهدُ أحدِهمْ يُقتلُ في الحال، وهو أحدُ القولين في المسألةِ، واللهُ سبحانهُ أعلمُ.
(47)
البيهقي (9/ 200)، وغُرْفة بن الحارث هذا: صحابي له رواية غير هذه. وذكره بعضهم بالمهملة، ولكنه بالمعجمة أصح وأرجح، والله أعلم.
(48)
هذه الكلمة غير معجمة في الأصل، ولعلها كما أثبتناها فقد جاء في المعجم الوسيط (2/ 568) ما يقارب معناها هنا ففيه: أطْنَأَ، بمعنى مال إلى الربية والتهمة، وتأتي كذلك بمعنى: أصاب في غير مقتل كأطناهُ: أصابه، وتأتي أيضاً بمعنى، مضى، كأطنأ في كذا، أي مضى فيه، واللهُ أعلم.
(49)
تقدم.