الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة في المجموعة الأولى من قسم المثاني:
تفصّل هذه المجموعة في سورة البقرة ككل مجموعة، فالسور الأربع الأول منها تفصّل في مقدمة سورة البقرة؛ فكما أنّ سورة آل عمران مبدوءة ب الم وفصّلت مقدمة سورة البقرة، فكذلك هذه السور الأربع كلها مبدوءة ب (الم)، فإنّها تفصّل مقدمة سورة البقرة، وامتداداتها في السورة، ثم تأتي سورة الأحزاب، فتفصّل الحيّز الذي فصّلته
سورتا النساء، والمائدة بآن واحد، أي أنها تفصّل من سورة البقرة من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
…
(الآية: 21) إلى أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي: إلى نهاية الآية (27) فهي تفصّل ما فصّلته سورتا النساء والمائدة، ولكنّه تفصيل جديد وبشكل جديد سنراه.
ثم تأتي سورتا سبأ وفاطر، فتفصلان ما فصلته سورة الأنعام، أي: تفصلان قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: 28، 29).
سورة سبأ تفصل بشكل رئيسي الآية الأولى، وسورة فاطر تفصل بشكل رئيسي الآية الثانية، وتتكاملان مع بعضهما في تفصيل الآيتين، ولكن بشكل جديد سنراه.
ثم تأتي سورة (يس) لتفصّل آية في أعماق سورة البقرة، فتفصل ما فصلته (الطاسينات) وهو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (البقرة: 252) ولكنه تفصيل جديد وبشكل جديد سنراه.
ومن التفصيل الذي سنراه في هذه المجموعة الأولى من قسم المثاني ندرك سرا من أسرار تسمية هذا القسم باسم المثاني. فما من سورة منه إلا وهي تثنّي تفصيل معنى من المعاني.
فمقدمة سورة البقرة فصّلت من قبل، وهاهنا يثنى تفصيلها. وهكذا قل في آيات أخرى قد فصّلت من قبل، وسنرى أن مجموعات هذا القسم كثيرة، وكلها تثنى فيها بعض المعاني، وبعض التفصيل مرّة بعد مرّة.
…
وهذه المجموعة تتكامل مع بعضها بحيث تؤدّي معنى متكاملا، فهي مع أدائها دورا في التفصيل الكلي للقرآن فإنّ لها دورها المستقل الذي تؤدّيه بحكم أنّها مجموعة متكاملة. وهكذا كل مجموعة من مجموعات الأقسام. وهكذا كل قسم من الأقسام.
فالمجموعة داخل القسم لها دورها المستقل، والقسم بالنسبة للقرآن له دوره المستقل، ولكن المجموعة تؤدّي دورها في تكامل القسم، والقسم يؤدّي دوره في تكامل القرآن، ومن خلال هذا يظهر تشابه القرآن مع هذا الكون في حيثية من الحيثيات (1). إنّ هذا القرآن يشبه هذا الكون فهذا أثر قدرة الله، وهذا أثر صفة الكلام لله، فكما أن في هذا الكون تكاملا وتناسقا فيهما تظهر وحدته، فكذلك هذا القرآن فيه تكامل وتناسق فيهما تظهر وحدته، وكما أنّ الوحدة الكونية لا تنفي وحدة المجموعات، ولا تنفي أن تؤدّي هذه المجموعات دورا مستقلا ضمن الوحدة الكلية، فكذلك الوحدة الكلية في القرآن لا تنفي وحدة الأقسام، ووحدة المجموعات التي تؤدّي دورا خاصا ضمن الوحدة الكلية.
…
وقد شرحنا موضوع التناسق والتكامل في الكون في كتابنا (الله جل جلاله تحت عنوان ظاهرة الوحدة. فكل جزء في الكون يكمّل الآخر، ثمّ مرجع الأشياء كلها إلى وحدة كلية، وضمن هذه الوحدة الكلية تجد آلافا من الوحدات تؤلف فيما بينها كلّا متكاملا، فكذلك هذا القرآن.
وكما أنك تستطيع من خلال أجزاء هذا الكون أن توجد ملايين المركبات، أو تفرز الشئ الواحد وتضمّه إلى بعضه فيخرج معك آلاف الأشياء، فكذلك هذا القرآن، إذا ركبت بعض مواضيعه إلى بعضها تجد ملايين المواضيع، وإذا فرزت مواضيعه كلّا على انفراد تجد ملايين المواضيع وهكذا، فما أحمق الذين يقترحون أن يكون القرآن على غير ما هو عليه، أو يعترضون على ما هو عليه، وما أحمق اعتراضهم على أنه لم تكن المواضيع القرآنية الواحدة بجانب بعضها. إنّ استخراج المواضيع ذات الصبغة الواحدة قد ترك للجهد البشري على مدى العصور؛ لأن المواضيع التي ينبغي أن تدرج بجانب بعضها تختلف باختلاف العصور، واحتياجات البشر فيها لا تتناهى، فإذا كان
(1) لكن الكون مخلوق، والقرآن كلام الله الأزلي.
القرآن يحوي كل المواضيع غير المتناهية التي تحتاجها البشرية، كما أن الكون يحوي كل الأشياء التي تحتاجها البشرية. وإذا كانت الوحدة فيه كالوحدة في هذا الكون، فذلك دليل أنه من عند الله، وهو موضوع سنكرر الكلام فيه شيئا فشيئا حتى نعرف أبعاده.
....
في هذا الكون تجد مجموعات ضمن الوحدة الكلية، كالمجموعة الشمسية بالنسبة لمجرّاتها، وتجد أقساما تضم مجموعات كالمجرّة بالنسبة للكون، وتجد الكون بمجموع مجرّاته، والمجموعة الشمسية تتألف من أجزاء كل جزء يشكّل وحدة مستقلة ضمن وحدة أكبر منها، وفي الجزء تجد وحدات أصغر منها، لها دورها المستقل ضمن وحدة كلية، فكذلك هذا القرآن، الآية ضمن السورة، والسورة ضمن المجموعة، والمجموعة ضمن القسم، والقسم ضمن القرآن، لكلّ دوره المستقل، مع أدائه دوره في الوحدة الأكبر منه، وهكذا نجد هذه المجموعة التي بين أيدينا، فلكل سورة منها محلّها ضمن مجموعتها، ومجموعتها تؤدّي دورا مستقلا ضمن إطار وحدة القسم، والقسم كله يؤدّي دورا.
....
تبدأ المجموعة بسور أربع تتحدث عن الإيمان وأثره العملي، وتبيّن أبعاده، وتأتي سورة الأحزاب لتأمر بمراعاة معان كثيرة هي بمثابة الطريق للوصول إلى المعاني المذكورة في السور الأربع، وما تحدّثت عنه السور الخمس يوصل إلى مقام الشكر، ومن ثمّ تأتي سورة سبأ، لتتحدث عن الشكر، وشروط حصوله. ثم تأتي سورة فاطر، لتبين نقطة البداية في طريق الشكر. ثم تأتي سورة يس، لتكمّل البناء ضمن الكلام عن مهمة الرسل الذين رسموا طريق الشكر.
....
وقد كان علينا من قبل أن نتحدّث عن موضوع الدور المستقل للسورة ضمن المجموعة، والدور المستقل للمجموعة ضمن القسم، ولكنّا أخرنا الكلام عن ذلك حتى لا يتشعّب الحديث، ولعلّنا بمناسبة الكلام عن هذه المجموعة نوفّي هذا الموضوع حقّه، لأن هذه المجموعة تكاد تكون نموذجا واضحا على ذلك.
....
والملاحظ أنّ سورا أربعا في هذه المجموعة تبدأ ب (الم) وهذا يشير إلى أنّها تفصّل في مقدّمة سورة البقرة، وسنرى ذلك بشكل واضح، كما سنرى أنّ تفصيل كل من السور الأربع لهذه المقدّمة يكمّل تفصيل الأخرى، فسورة (العنكبوت) مثلا تفصّل في قضايا الإيمان بالغيب وبالكتاب، ومستلزمات ذلك بشكل أخصّ، بينما سورة (الروم) تفصّل في قضايا الإيمان باليوم الآخر بشكل أخصّ، وكلّ من السور الأربع تفصّل في جانب من مقدّمة سورة البقرة، وفي امتدادات ذلك في سورة البقرة نفسها، لذلك نلاحظ أن كلّا من السور الأربع قد فصّل في مقدمة سورة البقرة، وفي آيات منها قد جاءت بعد ذلك، وكل ذلك سنراه تفصيلا إن شاء الله.