الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبدا نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين
الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ في أحوالهم كلها، في دينهم ودنياهم، ولم يتوكّلوا في جميع ذلك إلا على الله.
كلمة في السياق:
1 -
إنّ الكلام عن الهجرة في سياق هذه السورة التي تبدأ بالكلام عن الامتحان لتحقيق الإيمان واضح المدلول. فالمحنة المستمرة قد يحتاج أصحابها إلى الهجرة، وقد تكون مصلحة الدّعوة نفسها في الهجرة، ومن ثمّ فقد تحدث الله عنها هنا، وفتح الباب إليها، وشجّع عليها بما أعدّ لأهلها.
2 -
نلاحظ أنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ قد جاء في سياق التشجيع على الهجرة، غير أنّ الآيتين قد بدئتا بالواو التي تشير إلى العطف. وعلى هذا فإنّها معطوفة على أمثالها في سياق السورة.
3 -
بدأت السورة بقوله تعالى: الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (الآيات: 1 - 4)
ثم جاء قوله تعالى: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (الآيات: 5 - 7) ثم بعد آية ورد قوله تعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (الآية: 9).
ثمّ جاء قوله تعالى (في الآية: 58): وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
فهذا يشير إلى أن الآية الأخيرة معطوفة على ما قبلها، فهي وما قبلها ممّا عطفت
عليه تحدّد خصائص أهل الإيمان الصادق، وتبشرهم وتبين لهم طريق النجاح في الامتحان. ويؤكّد هذا المعنى أنّ آخر آية في السورة هي:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ لاحظ صلتها بالآية الخامسة وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ فالآية الأخيرة تحدّد طريق الهداية، وهي معطوفة على مثيلاتها في السورة، وهي ومثيلاتها تدل على الطريق.
ولنعد الآن إلى التفسير:
بعد أن تحدّثت السورة عن الهجرة، وشجّعت عليها ذكرت الصبر والتوكل، فهما زادا المهاجر الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فالهجرة تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى توكل، ولمّا كان أهم ما يفكّر فيه المهاجر هو الرزق، فقد جاء الكلام عن الرزق في هذا السياق:
…
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ أي وكم من دابة، والدابة: كل نفس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله، أو لا تدّخره، وإنما تصبح فيرزقها الله اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أي لا يرزق تلك الدوابّ الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها، لأنّه لو لم يقدّر كم ولم يقدّر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده ومنها قولهم نخشى الفقر والعيلة الْعَلِيمُ بما في ضمائركم وحركاتكم وسكناتكم. قال النسفي في سبب نزول الآية:(لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم من مكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فنزلت) وكلام النسفي هذا يدل على ما ذهبنا إليه من أن ارتباط هذه الآيات بالذي قبلها من حيث صلة موضوع الرزق بموضوع الهجرة.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي سألت هؤلاء المشركين مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على ما هي عليه وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي ومن سخّر الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي فكيف يصرفون عن توحيد الله مع إقرارهم بهذا كله. والآية هذه- مع أنها تقيم الحجة على الكافرين الذين يضطهدون المسلمين حتى يضطروهم إلى الهجرة- فهي درس للمسلمين في قضية الرزق والتوكل على الله. فالله الذي خلق