الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتبليغي الرسالة فهو لكم، أي ليس لي فيه شئ، أي لا أريد منكم جعلا ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلّا منه، ولما كان سبب الكفر الرئيسي هو الجهل بالله، والجهل بأنّ من شأن الله أن ينزل وحيا،
قال تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ القذف هو الإلقاء بدفع، ومعنى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ: أي يلقيه وينزله على أنبيائه، أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه عَلَّامُ الْغُيُوبِ فهو وحده القادر على أن يبيّن الحق في كل شئ ويوضّحه، وإذا كان هذا شأن الله فلا عجب أن ينزل القرآن
قُلْ جاءَ الْحَقُّ أي الإسلام والقرآن وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي زال الباطل وهلك، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي، فعدمهما عبارة عن الهلاك، قال ابن كثير: أي جاء الحق من الله، والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، وهذا رد على ما قالوه في أوّل المقطع لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وإذ كان الإنسان بدون وحي الله لا بد ضال مهما كان من صفاء الفطرة،
فإن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي إن ضللت فمنّي وعليّ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أي فبتسديده بالوحي إليّ أهتدي. قال النسفي: (وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دخل تحته- مع جلالة محلّه وسداد طريقته- كان غيره أولى به) وهذا يفيد أن الإنسان بدون الوحي ضال مهما كان، فهذا محمد صلى الله عليه وسلم أصفى الخلق فطرة، وأعظم الناس عقلا، أمره الله عز وجل أن يقول ذلك؛ فهذا دليل على أنّه لا بدّ من الوحي، فكفر الكافرين بالقرآن خبال، وهو فرع الكفر بالله، إذ لو عرفوا الله حق معرفته لأيقنوا بأنه سيوحي وسيهدي إِنَّهُ سَمِيعٌ لأقوال عباده، أو سميع لما أقوله لكم قَرِيبٌ مني ومنكم، يجازيني ويجازيكم، فلو كنت مدّعيا عليه لعاقبني.
…
كلمة في السياق:
1 -
رأينا أن المقطع قد ابتدئ بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ
بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ورأينا أنه قد جاء بعد ذلك مباشرة قوله تعالى:
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
…
وقد رأينا في المجموعة الأخيرة ردودا على الكافرين في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن، والآن تأتي آيات مصدرة بقوله تعالى: وَلَوْ تَرى
…
ففي أول آية في المقطع جاءت وَلَوْ تَرى وهاهنا تأتي كذلك؛ مما يدل دلالة واضحة على صلة المجموعة الأخيرة ببداية المقطع.
2 -
لقد أعلن الكافرون كفرهم بالقرآن، وبما بين يديه من أمور الآخرة، وقد عرض الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما سيجدونه أمامهم في بداية المقطع، وخواتيمه وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ
…
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
…
وفيما بين ذلك كان تصحيح وإقامة حجة، كما رأينا، فلنر الآيات الأخيرة.
…
وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ فَزِعُوا عند البعث فَلا فَوْتَ أي فلا مهرب ولا مفرّ لهم ولا وزر ولا ملجأ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ أي من الموقف إلى النار، وليس في ذلك من بعد
وَقالُوا حين عاينوا العذاب آمَنَّا بِهِ أي بالرسول صلى الله عليه وسلم أو باليوم الآخر، أو بالله أو بالقرآن وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي التناول مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم، يريد أن التوبة كانت تقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا، وبعدت عن الآخرة، قال ابن كثير:(أي وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء، لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا، لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الآخرة، لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشئ لمن يتناوله من بعيد)
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ أي بالحق أو بالرسول أو باليوم الآخر مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا قال ابن كثير:
(أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذّبوا الرّسل) وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أي وكانوا يتكلمون بالغيب، أو بالشئ الغائب قذفا وسبّا، أو رميا وإلقاء، نافين وجوده قائلين: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ عن الصدق، أو عن الحق والصواب، وقال قتادة ومجاهد في الآية: يرجمون بالظنّ لا بعث ولا جنة ولا نار
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل، ومن الآخرة وما فيها، فمنعوا منه قال النسفي: