الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكذلك سخّر له طائفة من الجن يعملون بأمره بإذن ربه. والجن: كل مستور لا يراه البشر. وهناك خلق سماهم الله الجن ولا نعرف نحن من أمرهم شيئا إلا ما ذكره الله عنهم، وهو يذكر هنا أن الله سخّر طائفة منهم لنبيه سليمان- عليه السلام فمن عصى منهم ناله عذاب الله).
وقال رحمه الله عند قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ* فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ:
(وقد روي أنه كان متّكئا على عصاه حين وافاه أجله؛ والجن تروح وتجئ مسخّرة فيما كلفها إياه من عمل شاق شديد؛ فلم تدرك أنه مات، حتى جاءت دابة الأرض. قيل إنها الأرضة، التي تتغذى بالأخشاب، وهي تلتهم أسقف المنازل وأبوابها وقوائمها بشراهة فظيعة، في الأماكن التي تعيش فيها. وفي صعيد مصر قرى تقيم منازلها دون أن تضع فيها قطعة خشب واحدة خوفا من هذه الحشرة التي لا تبقي على المادة الخشبية ولا تذر. فلمّا نخرت عصا سليمان لم تحمله فخرّ على الأرض. وحينئذ فقط علمت الجن موته. وعندئذ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ .. فهؤلاء هم الجن الذين يعبدهم بعض الناس. هؤلاء هم سخرة لعبد من عباد الله. وهؤلاء هم محجوبون عن الغيب القريب؛ وبعض الناس يطلب عندهم أسرار الغيب البعيد!).
كلمة في السياق: [حول المجموعة وصلتها بما قبلها وبالمحور وعلة ورود قصة داود وسليمان مع قصة سبأ هنا]
1 -
نلاحظ أن هذه المجموعة ختمت بقوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ* فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ فلنتذكر صلة هذا بمقدمة السورة، قرّر الله عز وجل في الآية الأولى من السورة استحقاقه للحمد الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
…
وفي الآية الثانية قرّر الله عز وجل اختصاصه بالعلم يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ
مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
…
وقد جاءت قصة سليمان وداود عليهما السلام لتقرر استحقاقه للشكر، وختمت قصة داود وسليمان بما ينفي أن يكون غيره عالما بالغيب حتى ولو كانوا الجن الذين بلغ
من قوّتهم أن صنعوا لسليمان هذه الأشياء الضخمة التي تحدّثت عنها الآيات.
2 -
ختمت الآية السابقة على قصة داود وسليمان عليهما السلام بقوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ فالعبودية لله والإنابة له صفتان بهما تعرف آيات الله في الكون، وإذ يقصّ الله علينا قصة داود عليه السلام التي فيها وَاعْمَلُوا صالِحاً وقصة سليمان عليه السلام التي فيها اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
…
فإن ذلك يشير إلى أن المقام الأعلى للإنسان هو العمل الصالح، وهو الشكر، وأن ما يعطيه الله للإنسان ينبغي أن يقابل بالعمل الصالح وبالشكر. فالمجموعة تعلّمنا أنّ أدب أكرم الخلق مع الله العبودية؛ فلا يستنكفنّ أحد منها؛ فإنها باب الآيات الدالة على الله وعلى اليوم الآخر.
3 -
يلاحظ أن المقطع الأول ختم بقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
وأن المقطع الثاني بدأ بذكر سخرية الكافرين برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يدعو إلى اليوم الآخر هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وتأتي هذه المجموعة بعد ذلك لترينا نماذج من عطاء الله عز وجل لرسله عليهم الصلاة والسلام، وهو عطاء عجيب عظيم معجز، من تأويب للجبال والطير، وإلانة للحديد، وتسخير للريح والجن، فإذا ما أكرم الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن المعجز، فليس ذلك ببدع من الأمر، فعطاء الله عز وجل ليس له حدود، فكيف يسخرون من محمد عليه الصلاة والسلام.
مما مرّ ندرك صلة المجموعة بما قبلها سواء في ذلك المجموعة السابقة عليها، أو المقطع الأول، أو المقدمة.
4 -
لاحظ مجئ كلمة الإنابة في آخر المجموعة الأولى، وأوّل هذه المجموعة:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ثم جاء بعدها مباشرة وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ فكلمة: أوّبي معه تفيد أن داود عليه السلام كان يئوب إلى الله، وعلى هذا فبعد أن قال الله عز وجل إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أعطانا نموذجا على العبد المنيب في داود وابنه سليمان عليهما السلام، وأعطانا نماذج على ما يكرم الله عز وجل به عباده الأوّابين إذا أنابوا إليه، من عطاء ليس له حدود،