المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلموالترهيب من تركها عند ذكره، صلى الله عليه وسلم - الترغيب والترهيب للمنذري - ت عمارة - جـ ٢

[عبد العظيم المنذري]

فهرس الكتاب

- ‌الترغيب في الصدقة والحث عليها وما جاء في جهد المقلومن تصدق بما لا يجب

- ‌الترغيب في صدقة السر

- ‌الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم

- ‌الترهيب من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل مالهفيبخل عليه، أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون

- ‌(الترغيب في القرض وما جاء في فضله)

- ‌الترغيب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه

- ‌(الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير كرما)والترهيب من الإمساك والادّخار شحا

- ‌ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن

- ‌الترغيب في إطعام الطعام وسقي الماءوالترهيب من منعه

- ‌(الترغيب في شكر المعروف ومكافأة فاعله والدعاء له)وما جاء فيمن لم يشكر ما أولى إليه

- ‌(كتاب الصوم)

- ‌الترغيب في الصوم مطلقاً وما جاء في فضله، وفضل دعاء الصائم

- ‌الترغيب في صيام رمضان احتسابا، وقيام ليله سيما ليلة القدر وما جاء في فضله

- ‌الترهيب من إفطار شيء من رمضان من غير عذر

- ‌الترغيب في صوم ست من شوال

- ‌(الترغيب في صيام يوم عرفة لمن لم يكن بها)وما جاء في النهى عنه لمن كان بها حاجا

- ‌الترغيب في صيام شهر الله المحرم

- ‌الترغيب في صوم يوم عاشوراء، والتوسيع فيه على العيال

- ‌(الترغيب في صوم شعبان)وما جاء في صيام النبي صلى الله عليه وسلم له، وفضل ليلة نصفه

- ‌(الترغيب في صوم ثلاثة أيام من كل شهر سيما الأيام البيض)

- ‌(الترغيب في صوم الاثنين والخميس)

- ‌(الترغيب في صوم الأربعاء والخميس والجمعة والسبت والأحد)وما جاء في النهي عن تخصيص الجمعة بالصوم أو السبت

- ‌(الترغيب في صوم يوم وإفطار يوم وهو صوم داود عليه السلام

- ‌(ترهيب المرأة أن تصوم تطوعا وزوجها حاضر إلا أن تستأذنه)

- ‌(ترهيب المسافر من الصوم إذا كان يشق عليه)وترغيبه في الإفطار

- ‌(الترغيب في السحور سيما بالتمر)

- ‌(الترغيب في الفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء)

- ‌الترغيب في إطعام الطعام

- ‌(ترغيب الصائم في أكل المفطرين عنده)

- ‌(الترغيب في الاعتكاف)

- ‌(الترغيب في صدقة الفطر وبيان تأكيدها)

- ‌(كتاب العيدين والأضحية)

- ‌الترغيب في إحياء ليلتي العيدين

- ‌الترغيب في التكبير في العيد وذكر فضله

- ‌الترغيب في الأضحية، وما جاء فيمن لم يضح مع القدرة، ومن باع جلد أضحيته

- ‌(الترهيب من المثلة بالحيوان ومن قتله لغير الأكل)وما جاء في الأمر بتحسين القتلة والذبحة

- ‌كتاب الحج

- ‌الترغيب في الحج والعمرة وما جاء فيمن خرج يقصدهما فمات

- ‌(الترغيب في النفقة في الحج والعمرة)وما جاء فيمن أنفق فيهما من مال حرام

- ‌(الترغيب في العمرة في رمضان)

- ‌الترغيب في التواضع في الحج والتبذل ولبس الدون من الثياباقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام

- ‌(الترغيب في الإحرام والتلبية ورفع الصوت بها)

- ‌(الترغيب في الإحرام من المسجد الأقصى)

- ‌الترغيب في الطواف واستلام الحجر الأسود والركن اليماني، وما جاء في فضلهما وفضل المقام ودخول البيت

- ‌الترغيب في العمل الصالح في عشر ذي الحجة وفضله

- ‌(الترغيب في الوقوف بعرفة والمزدلفة، وفضل يوم عرفة)

- ‌الترغيب في رمي الجمار، وما جاء في رفعها

- ‌(الترغيب في حلق الرأس بمنى)

- ‌(الترغيب في شرب ماء زمزم، وما جاء في فضله)

- ‌(ترهيب من قدر على الحج فلم يحج)(وما جاء في لزوم المرأة بيتها بعد قضاء فرض الحج)

- ‌الترغيب في الصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينةوبيت المقدس وقباء

- ‌(الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات وما جاء في فضلها)وفضل أُحُد، ووادي العقيق

- ‌(الترهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء)

- ‌(كتاب الجهاد)

- ‌الترغيب في الرباط في سبيل الله عز وجل

- ‌(الترغيب في الحراسة في سبيل الله تعالى)

- ‌الترغيب في النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة وخلفهم في أهلهم

- ‌الترغيب في احتباس الخيل للجهاد لا رياء ولا سمعة، وما جاء في فضلهاوالترغيب فيما يذكر منها، والنهي عن قص نواصيها لأن فيها الخير والبركة

- ‌ترغيب الغازي والمرابط في الاكثار من العمل الصالح من الصوموالصلاة والذكر ونحو ذلك، وتقدم في باب النفقة في سبيل الله

- ‌الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة، وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه

- ‌الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل الله تعالى

- ‌(الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه)

- ‌الترغيب في الجهاد في سبيل الله تعالى، وما جاء في فضل التكلم فيه والدعاء عند الصف والقتال

- ‌الترغيب في إخلاص النية في الجهادوما جاء فيمن يريد الأجر والغنيمة والذكر، وفضل الغزاة إذا لم يغنموا

- ‌(الترهيب من الفرار من الزحف)

- ‌الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر

- ‌(الترهيب من الغلول والتشديد فيه، وما جاء فيمن ستر على غال)

- ‌(الترغيب في الشهادة، وما جاء في فضل الشهداء)

- ‌التَّرْهِيب من أَن يَمُوت الْإِنْسَان وَلم يغز وَلم ينْو الْغَزْو وَذكر أَنْوَاع من الْمَوْت تلْحق أَرْبَابهَا بِالشُّهَدَاءِ والترهيب من الْفِرَار من الطَّاعُون

- ‌كتاب قراءة القرآن

- ‌الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة

- ‌الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمهوما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء

- ‌(الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن)

- ‌(الترغيب في تعاهد القرآن وتحسين الصوت به)

- ‌الترغيب في قراءة سورة الفاتحة، وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمرانوما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها

- ‌الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولهاأو عشر من آخرها

- ‌(الترغيب في قراءة سورة يس وما جاء في فضلها)

- ‌(الترغيب في قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك)

- ‌(الترغيب في قراءة إذا الشمس كورت وما يذكر معها)

- ‌(الترغيب في قراءة إذا زلزلت وما يذكر معها)

- ‌(الترغيب في قراءة ألهاكم التكاثر)

- ‌الترغيب في قراءة قل هو الله أحد

- ‌(الترغيب في قراءة المعوذتين)

- ‌(كتاب الذكر والدعاء)

- ‌(الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرَّا وجهرا والمداومة عليه وما جاء فيمن لم يكثر ذكر الله تعالى)

- ‌(الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى)

- ‌(الترغيب في كلمات يكفرن لغط المجلس)

- ‌(الترغيب في قول: لا إله إلا الله وما جاء في فضلها)

- ‌(الترغيب في قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)

- ‌(الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه)

- ‌(الترغيب في جوامع من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)

- ‌(الترغيب في قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)

- ‌(الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء)

- ‌(الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات)

- ‌الترغيب فيما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره

- ‌(الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل)

- ‌(الترغيب فيما يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد وغيره وإذا دخلهما)

- ‌(الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها)

- ‌الترغيب في الاستغفار

- ‌الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في كلمات يستفتح بها الدعاء وبعض ما جاء في اسم الله الأعظم

- ‌الترغيب في الدعاء في السجود ودبر الصلوات وجوف الليل الأخير

- ‌الترهيب من استبطاء الإجابة، وقوله دعوت فلم يستجب لي

- ‌الترهيب من رفع المصلي رأسه إلى السماء وقت الدعاء وأن يدعو الإنسان وهو غافل

- ‌الترهيب من دعاء الإنسان على نفسه وولده وخادمه وماله

- ‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلموالترهيب من تركها عند ذكره، صلى الله عليه وسلم

- ‌كتاب البيوع وغيرها

- ‌الترغيب في الاكتساب بالبيع وغيره

- ‌الترغيب في البكور في طلب الرزق وغيرهوما جاء في نوم الصبحة

- ‌(الترغيب في ذكر الله تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة)

- ‌الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيهوما جاء في ذمّ الحرص وحب المال

- ‌الترغيب في طلب الحلال والأكل منهوالترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك

- ‌الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور

- ‌الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء

- ‌(الترغيب في إقالة النادم)

- ‌(الترهيب من بخس الكيل والوزن)

- ‌الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع وغيره

- ‌الترهيب من الاحتكار

- ‌ترغيب التجار في الصدقوترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين

- ‌الترهيب من خيانة أحد الشريكين الآخر

- ‌الترهيب من التفريق بين الوالدة وولدها بالبيع ونحوه

- ‌الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوجأن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت

- ‌الترهيب من مطل الغني والترغيب في إرضاء صاحب الدين

- ‌(الترغيب في كلمات يقولهن المديون والمهموم والمكروب والمأسور)

- ‌(الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس)

الفصل: ‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلموالترهيب من تركها عند ذكره، صلى الله عليه وسلم

دعاء الوالد (1) يفضي (2) إلى الحجابِ. ويأتي في باب دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب أحاديث فيها ذكر دعاء الوالد.

‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

والترهيب من تركها عند ذكره، صلى الله عليه وسلم

كثيراً دائماً

1 -

عنْ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منْ صلى (3) عليَّ صلاةً واحدة صلَّى (4) الله عليه عشراً. رواه مسلم، وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان في صحيحه.

وفي بعض ألفاظ الترمذي: من صلَّى عليَّ مرَّةً واحدة كتب الله له بها عشر حسناتٍ.

2 -

وعنْ أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: منْ ذكرت (5) عنده فيصلِّ عليَّ، ومن صلَّى عليَّ مرَّة صلى الله عليه بها عشراً.

وفي رواية: من صلَّى عليَّ، ومن صلَّى عليَّ مرَّة صلى الله عليه بها عشراً.

وفي رواية: منْ صلَّى عليَّ صلاة واحدةً صلى الله عليه عشر صلواتٍ، ويحُطُّ (6) عنه بها عشر سيئاتٍ، ورفعه بها عشر درجاتٍ (7). رواه أحمد والنسائي، واللفظ له،

(1) أي الأصل لفرعه من أب أو جد إلى ابنه.

(2)

أي يصعد ويصل إلى حضرة القبول فلا يحول بينه وبين الاجابة حائل. والحجاب: المحجوب هو الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن دعاء الوالد يوصل توصيلا جيداً إلى أنوار الله ويفتق الحجب الكثيفة التي تحجبه عن رحماته.

(3)

أي طلب ودعاء لي بزيادة القرب منه تعالى، فما من كمال إلا وعند الله أكمل منه.

(4)

أي تجلي عليه سبحانه فرحمه عشر رحمات وأمده بنعمه أضعافاً وأحسن إليه مرارا. وفي الجامع الصغير قال العلقمي: قال ابن العربي: إن قيل قال الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) فما فائدة هذا الحديث؟ قلنا أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء بحسنة تضاعف عشرة. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حسنة بمقتضى القرآن أن يعطي عشر درجات في الجنة فأخبر أن الله تعالى يصل على من صل على رسوله عشرا، وذكر الله العبد أعظم من الحسنة مضاعفة، قال: ويحقق ذلك أن الله تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره، وكذلك جعل جزاء ذكر نبيه ذكره لمن ذكره. قال العراقي: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفعه عشر درجات كما ورد في الأحاديث. وقال القاضي: معناه رحمته وتضعيف أجره كقوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وقد تكون الصلاة على وجهها وظاهرها، تشريفاً له بين الملائكة كما في الحديث (وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) أهـ ص 340 جـ 3، وانظر إلى دعاء سيدنا موسى عليه السلام (قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين) فأعقب الدعاء بالثناء والاعتراف بأنه تعالى أرحم بنا منا على أنفسنا، وضم أخاه له ترضية ودفعاً للشماتة.

(5)

مرت سيرتي وتلى اسمي فليقل: اللهم صلى على سيدنا محمد، أو بأي صيغة.

(6)

يمحو.

(7)

أعطاه عشر درجات من أبواب العز والرقي وزيادة النعم.

ص: 494

وابن حبان في صحيحه، والحاكم ولفظه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلَّى عليَّ واحدةً صلَّى الله عليه عشر صلواتٍ وحطَّ عنه عشرة خطيئاتٍ.

3 -

والطبراني في الصغير والأوسط، ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلَّى الله عليه عشراً، ومن صلَّى عليَّ عشراً صلَّى الله عليه مائةً، ومن صلَّى عليَّ مائة كتب الله بين عينيه براءة (1) من النِّفاق، وبراءةً من النار، وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء (2). وفي إسناده إبراهيم بن سالم بن شبل الهجعي لا أعرفه بجرح، ولا عدالة.

4 -

وعنْ عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتَّبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود حتى خفتُ، أو خشيت أن يكون الله قد توفَّاه أو قبضه. قال: فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: مالك يا عبد الرَّحمن؟ قال: فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن جبريل عليه السلام قال لي: ألا أبشرك (3) إن الله عز وجل يقول: من صلى عليك صلَّيتٌ عليه، ومن سلم عليك سلَّمت عليه. زاد في روايةٍ: فسجدت الله شكراً. رواه أحمد، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

5 -

ورواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلي، ولفظه قال: كان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم منا خمسة، أو أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ينوبه (4) منْ حوائجه بالليل والنهار. قال: فجئته وقد خرج فاتَّبعته، فدخل حائطاً (5) من حيطان الاشراف فصلى فسجد فأطال السجود فبكيت وقلت: قبض الله روحه، قال: فرفع رأسه فدعاني فقال: مالك؟ فقلت: يا رسول الله أطلت السجود، وقلت: قبض الله روح رسوله لا أراه أبداً. قال: سجدت شكراً لربي فيما أبلاني في أمتي، من صلى عليَّ

(1) إجازة: أي سلم من التذبذب، والخداع، والإلحاد، والمروق من الدين.

(2)

الأبرار الصالحين.

(3)

أبشرك: كذا ود ع ص 550، وفي ن ط يسرك: أي أقدم لك البشري الطيبة المفرحة ويسرك، ألا يفرحك.

(4)

يعتريه من قضاء بعض طلباته: أي هم رضي الله عنهم ملازمون النبي صلى الله عليه وسلم لييسروا ما يحتاج اليه ويوفروا عليه مشاق التعب في إنجاز حاجاته.

(5)

بستاناً.

ص: 495

صلاة من أمتي كتب الله له عشر حسناتٍ، ومحاعنهُ عشر سيئاتٍ. لفظ أبي يعلي، وقال ابن أبي الدنيا: من صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشراً، وفي إسنادهما موسى بن عبيدة الزبذي.

[قوله فيما أبلاني] أي فيما أنعم عليَّ، والإبلاء: الإنعام.

6 -

وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى عليَّ مرَّةً كتب الله له عشر حسناتٍ، ومحا عنه عشر سيئاتٍ، ورفعه بها عشر درجاتٍ، وكنَّ له عدل (1) عشر رقابٍ. رواه ابن أبي عاصم في كانت الصلاة عن مولى للبراء لم يسمه عنه.

7 -

وعنْ أبي بردة بن نيارٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلَّى عليَّ من أمتي صلاة مخلصاً (2) من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلواتٍ، ورفعه بها عشر درجاتٍ، وكتب له بها عشر حسناتٍ، ومحا عنه بهر عشر سيئاتٍ، رواه النسائي والطبراني والبزار.

8 -

وعنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم المؤذِّن - معلن الأذان: أي الإشعار بدخول وقت الفريضة (3) فقولوا مثل ما يقول، ثمَّ صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً، ثمَّ سلوا لي الوسيلة (4) فإنها منزلة من الجنَّة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلَّتْ (5) له الشفاعة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

(1) قدر ثواب عتق عشرة أشخاص، وإزالة عبوديتهم وإطلاق حريتهم.

(2)

قاصدا نبيه معظما حبيبه بيقظة.

(3)

معلن الأذان: أي الإشعار بدخول وقت الفريضة.

(4)

قال أهل اللغة: الوسيلة المنزلة عند الملك، وقد فسرها صلى الله عليه وسلم بأنها منزلة في الجنة.

(5)

أي وجبت، وقيل: نالته. قال النووي: وفيه استجاب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من متابعة المؤذن، واستحباب سؤال الوسيلة له صلى الله عليه وسلم، واستحباب قول سامع المؤذن مثل ما يقول إلا في الحيعلتين، (حي على الصلاة حي على الفلاح) فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويستحب أن يقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن مها، ولا ينتظر فراغه من كل الأذان. وفيه يستحب أن يقول بعد قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، وأنا أشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام ديناً، وفيه أن يستحب لمن يرغب غيره في خير أن نذكر له شيئا من دلائله لينشطه لقوله صلى الله عليه وسلم (فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ومن س أل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) وفيه أن الأعمال يشترط لها القصد والإخلاص لقوله صلى الله عليه وسلم (من قلبه). وأعلم أنه يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة أهـ. ص 88 جـ 4.

ص: 496

9 -

وعنه رضي الله عنه قال: من صلَّى علي النبيِّ صلى الله عليه وسلم واحدةً صلَّى الله عليه وملائكته سبعين صلاةً. رواه أحمد بإسناد حسن.

10 -

وعنْ أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً طيِّب النفس يرى في وجهه البشر. قالوا: يا رسول الله! أصبحت اليوم طيِّب النفس يرى في وجهة البشر. قالوا: يا رسول الله! أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر؟ قال: أجل: أتاني آتٍ من ربِّي عز وجل، فقال: من صلَّى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسناتٍ، ومحا عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وردَّ عليه مثلها. رواه أحمد والنسائي.

وفي رواية لأحمد: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذلك يوم السروري ويرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله! إنا لنرى السرور في وجهك؟ فقال: إنه أتاني الملك، فقال: يا محمد! أما يرضيك أنَّ ربك عز وجل يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمَّتك إلا صليت (1) عليه عشراً، ولا يسلِّم عليك أحد من أمتك إلا سلمتُ عليه عشراً؟ قال: بلى: ورواه ابن حبان في صحيحه بنحو هذه، ورواه الطبراني، ولفظه:

قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسارير (2) وجهه تبرقُ، فقلت: يا رسول الله: ما رأيتك أطيب نفساً، ولا أظهر بشراً من يومك هذا. قال: وما لي (3)

(1) شملته برحمتي، وحللت عليه رضواني وأمنته وضاعفت له الأجر.

(2)

الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر واحدها سر أو سرر وجمعها أسرار وأسرة، وجمع الجمع أسارير قال الشاعر:

أسرة وجه المرء عند كلامه

تفصل من أسراره كل مجمل

والمعنى ظهرت عليه صلى الله عليه وسلم علامات السرور والانشراح في محياة المشرق.

(3)

أي شيء يمنع من هذا الفرح العظيم والبهجة، وقد يربح الفائز الذاكر المصلي علي:

أ - كسب عشر حسنات.

ب - إزالة مثلها من الذنوب.

جـ - السمو والرقي عشر درجات. وهذه بشرى عظيمة تدعو المسلمين إلى كثرة الصلاة عليه، وصلى الله عليه وسلم رجاء القبول، ووعد الله تعالى لا يتخلف، هذا إلى أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تحببك إلى العمل بشريعته، والهدى بهديه، والاقتداء به واتباع سنته. قال تعالى:(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) 31 من سورة آل عمران.

المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها إلى ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا الله، وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غير فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة =

ص: 497

لا تطيب نفسي، ويظهر بشرى؟ وإنما فارقني جبريل عليه السلام الساعة، فقال: يا محمد! منْ صلَّى عليك من أمَّتك صلاة كتب الله له بها عشر حسناتٍ، ومحا عنه عشر سيئاتٍ، ورفعه بها عشر درجاتٍ، وقال له الملك: مثل ما قال لك. قلت: يا جبريل! وما ذاك الملك؟ قال: إنَّ الله عز وجل، وكلَّ ملكاً من لدنْ خلقك إلى أن يبعثك لا يصلي عليك أحدٌ من أمَّتك إلا قال: وأنت صلى الله عليك.

11 -

وعنْ أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنَّه أتاني جبريل آنفاً (1) عن ربِّه عز وجل، فقال: ما على الأرض (2) من مسلم يصلِّي عليك مرَّة واحدة، إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشراً. رواه الطبراني عن أبي ظلال عنه، وأبو ظلال وثِّق، ولا يضر في المتابعات.

12 -

وروي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى عليَّ مرَّة صلى الله عليه عشراً، ملك موكَّلٌ بها حتى يبلغنيها. رواه الطبراني في الكبير.

13 -

وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله ملائكة سيَّاحين (3) يبلِّغوني عن أمتي السلام رواه النسائي وابن حبان في صحيحه.

14 -

وعن الحسن بن علي رضي الله عنما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حينما كنتمْ فصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلغني (4). رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.

15 -

وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلَّى عليَّ بلغتني صلاته وصلَّيت (5) عليه، وكتب له سوى ذلك عشر

= لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته أهـ (يحببكم الله) يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة.

(1)

في أول وقت يقرب مني.

(2)

ليس على الأرض مسلم يذكرك يا رسول الله مصلياً عليك إلا دعوت له وقربته من رحمتي ورضيت عنه.

(3)

طوافين يمرون على الخلق ليوصلوا الصلاة والسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوها.

(4)

ترد إلى بنصها وفصها، وفيه الحث على الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في أي مجلس، وفي أي وقت رجاء زيادة الحسنات ومحبته صلى الله عليه وسلم.

(5)

دعوت له، وفاز برضاي، ونور الله قلبه بالإيمان وشرح الله صدره للصالحات، وهيأ له الصواب، ووفقه وألهمه الرشاد هذا إلى تدريج عشر حسنات في صحيفته.

ص: 498

حسنات. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به.

16 -

وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما منْ أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردَّ الله إليَّ روحي (1)

حتى أردَّ عليه السلام. رواه أحمد وأبو داود.

17 -

وعنْ عمَّار بن ياسرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وكل (2) بقبري ملكاً أعطاه الله أسماء الخلائق فلا يصلِّي عليَّ أحدٌ إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه: هذا فلان بن فلان قد صلَّى عليك. رواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان، ولفظه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تبارك وتعالى ملكاً أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم (3) على قبري إذا متُّ (4) فليْس أحد يصلي عليَّ صلاة إلا قال: يا محمد صلَّى

(1) أي رد على نطقي لأنه صلى الله عليه وسلم حي دائما، وروحه لا تفارقه لأن الأنبياء أحياء في قبورهم أهـ عزيزي في الجامع الصغير ص 256 جـ 3.

وقال الحفني (ما من أحد) أي مؤمن يسلم الخ. ظاهره، ولو بعيداً عن القبر لكن خصه بعض الأئمة بالقريب منه، أما البعيد فيبلغه الملك، وأراد بالروح النطق من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم: أي فهو صلى الله عليه وسلم في البرزخ مشغول بالمشاهدة كما كان في الدنيا إلا أنه تعالى أعطاه قوة في الدنيا على تبليغ الأحكام والاشتغال بالخلق ظاهرا مع شغل باطنه بشهود مولاه، وفي البرزخ لا شغل له بالخلق أصلا، بل بالشهود فلا ينطق بالكلام إلا إذا سلم عليه شخص فيرد عليه إكراماً له، فنطقه صلى الله عليه وسلم موجود بالقوة، فلما لم يوجد بالفعل لشغله بحضرة القدس صار كالممنوع عن النطق فلذلك قال صلى الله عليه وسلم:(رد الله على روحي) أي نطقي، أو يقال رد النطق كناية عن الالتفات من مقام الشهود إلى مخاطبة المسلم، فالله تعالى لما صيره ملتفتاً لذلك كأنه رد عليه نطقه أهـ هامش. صلى الله عليه وسلم يا سيدي يا رسول الله في الرفيق الأعلى، وفي الدرجات العالية، وتتعلق بأمتك، وتدعو أفرادها إلى عبادة الله تعالى وطاعته بالصلاة عليك، وتحثهم على السلام عليك رجاء أن تدعو لهم بخير وبتوفيق، وتسلم عليهم وترجو لهم الأمن والطمأنينة، يعلم رسول الله أمته أن تتعلق به وتعتصم بحبله، وتكثر من ذكره بعد ذكر الله سبحانه وتعالى رجاء أن الله يأذن له فيرد على المسلم السلام.

(2)

أسند الاعتماد عليه وجعله نائبا وعرفه أسماء الناس ليبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه الحث على الصلاة والترغيب في فعلها وإحصاء ما يقوله العبد.

(2)

أسند الاعتماد عليه وجعله نائبا وعرفه أسماء الناس ليبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه الحث على الصلاة والترغيب في فعلها وإحصاء ما يقوله العبد.

(3)

حفيظ مراقب مشاهد موظف.

(4)

التحق بالرفيق الأعلى، وفيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته أن الله تعالى يكرمه بإغداق الحسنات على من يصلي عليه حيا، ويوصل الملك صلاة المصلي بعد مماته صلى الله عليه وسلم، فالله يحصي كل شيء.

أ - قال تعالى (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير) 29 من سورة آل عمران.

ب - (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير) 284 من سورة البقرة.

إن شاهدنا (قدير) أي يقدر على إحياء الملك أن يرتبه موظفاً يوصل رسائل السلام لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ويزيد الله تعالى المصلي من فيض كرمه وجليل إحسانه.

ص: 499

عليك فلان بن فلان. قال: فيصلي الرَّبُّ تبارك وتعالى على ذلك الرَّجل بكلِّ واحدةٍ عشراً. ورواه الطبراني في الكبير بنحوه.

[قال الحافظ] رووه كلهم عن نعيم بن ضمضم، وفيه خلاف عن عمران بن الحميري، ولا يعرف.

18 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة (1). رواه الترمذي، وابن حبان في صحيحه، كلاهما من رواية موسى بن يعقوب الزمعي.

19 -

وعن عامر بن ربيعة عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ويقول: من صلى عليَّ صلاة لم تزل (2) الملائكة تصلِّي عليه ما صلَّى عليَّ فليقل عبد من ذلك أو ليكثر. رواه أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن ماجه كلهم عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر، وعاصم وإن كان واهي الحديث فقد مشاه بعضهم وصحح له الترمذي، وهذا الحديث حسن في المتابعات، والله أعلم.

20 -

وعن أبي بن كعبٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل. قام فقال: يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الرَّاجفة (3) تتبعها الرَّادفة (4) جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه. قال أبيُّ بن كعبٍ: فقلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة: فكم أجعل لك من صلاتي؟ (5). قال: ما شئت (6) قال: قلت: الرُّبُعَ. قال: ما شئْتَ، وإنْ زدت فهو خير لك؟ قال: فقلت:

(1) أي أحق الناس بشفاعتي من كروب يوم القيامة الذين أكثروا من الصلاة علي في حياتهم عند الشدائد، ينفع العمل الصالح، ومنه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم. فأكثر يا أخي من الصلاة والسلام على خير البرية رجاء أن تلحظك عناية البارئ جل وعلا فيشفع لك البشير النذير الحبيب (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد) 30 من سورة آل عمران.

(2)

أي تستمر الملائكة تدعو له بالبركة والرحمة والعفو والمغفرة مدة صلاته علي. والمصلي حر إن شاء قلل أو أكثر، فمن شاء الاستزادة من دعوات الملائكة المقربين المستجابة فليزدد من الصلاة عليَّ.

(3)

الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله تعالى (يوم ترجف الأرض والجبال) أو الواقعة التي ترجف الأجرام عندها، وهي النفخة الأولى.

(4)

التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتشر وتنتشر، أو النفخة الثانية قال تعالى:(يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة) آية 6 - 9 من سورة النازعات.

(5)

كم من الزمن استغرقه في صلاتي.

(6)

بحسب رضاك وانشراح صدرك وشوقك واستزادتك من الحسنات.

ص: 500

فثلثين؟. قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلتُ: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك. قال: أجعل لك صلاتي كلها؟، قال: إذاً يكفي همُّك (1)، ويغفر لك ذنبك. رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وفي رواية لأحمد عنه: قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذاً يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمَّك (2) من دنياك وآخرتك، وإسناد هذه جيد. قوله: أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي؟. معناه أكثر الدعاء فكمْ أجعل لك من دعائي صلاة عليك.

21 -

وعنْ محمد بن يحيى بن حبَّان عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله أجعل ثلث صلاتي عليك؟ قال: نعم إن شئت. قال: الثلثين؟ قال: نعمْ إن شئت. قال: فصلاتي كلها؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذاً يكفيك الله ما أهمَّك من أمْر دنياك وآخرتك. رواه الطبراني بإسناد حسن.

22 -

وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلَّى عليَّ في يومٍ ألف مرَّةٍ (3)

لمْ يمتْ (4) حتى يرى مقعده من الجنَّة. رواه

(1) يقيك الله شرور الهموم، ويزيل عنك الغموم، ويفرج الكروب وتمحي سيئاتك.

(2)

أي يحفظك الله من هموم حياتك، وبعد مماتك (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) معناه: الذي يكثر من الصلاة على رسول الله يوسع الله رزقه عليه ويبسطه ويزيده فرحاً، ويفرج كربه ويزيل عسره ويقيه شر المصائب والكوارث ويدخر له حسنات تملأ صحيفته فتمنع عنه عذاب القيامة.

(3)

معناه الذي يصلي عليه صلى الله عليه وسلم عدد ألف وحافظ على ذلك نور الله قلبه وشرح صدره وأزال عنه ظلمات الضلال، وهداه وأفرحه برؤيا سارة مبشرة بقبوله فيرى نعيم الله، وما أعده للصالحين المتقين المصلين على المصطفى المجتبي قال تعالى:

أ - (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) أي بالعدل، أو لقيامهم بالعدل في أمورهم أو بإيمانهم لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، ومن الإيمان كثرة الصلاة على سيد ولد عدنان، صلى الله عليه وسلم.

ب - (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم) 62 - 64 من سورة يونس (أولياء الله) الذين يتواونه بالطاعة، ومنها الصلاة على المختار، صلى الله عليه وسلم، ويتولاهم سبحانه بالكرامة (البشرى) الرؤيا الصالحة، وما يسنح لهم من المكاشفات وبشرى الملائكة عند النزع (وفي الآخرة) بتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة (لا تبديل) لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده، أهـ بيضاوي.

(4)

أي يحيا حتى يرى مكانه الذي أعده الله له سبحانه في الجنة.

ص: 501

أو حفص بن شاهين.

23 -

وروي عن أبي كاهلٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا كاهلٍ من صلى عليَّ كلَّ يومٍ ثلاث مراتٍ (1)، وكل ليلة ثلاث مرات حبا وشوقاً إليَّ (2) كان حقا (3) على الله أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة، وذلك اليوم. رواه ابن أبي عاصم والطبراني في حديث طويل، إلا أنه قال: كان حقا على الله أن يغفر له بكلِّ مرَّة ذنوب حولٍ (4)، وهو بهذا اللفظ منكرٌ، وأبو كاهل أحمسيّ، وقيل: بجليٌّ، يقال اسمه عبد الله بن مالك، وقيل: قيس بن عائد، وقيل: غير ذلك، والله أعلم.

24 -

وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيُّما (5) رجلٍ مسلم لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهمَّ صلِّ على محمد عبدك ورسولك، وصلِّ على المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، فإنها زكاة (6) وقال: لا يشبع مؤمن خيراً (7) حتى يكون منتهاه (8) الجنَّة. رواه ابن حبان في صحيحه من طريق دراج عن أبي الهيثم.

25 -

وعنْ أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1) كذا ط وع ص 554، وفي ن د كل يوم ثلاث مرات حباً وشوقاً إلي.

والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد المصلي عليه صباح مساء بغفران الله خطاياه في ذلك اليوم والليلة، وفيه إشارة إلى أن المسلم يكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ليعفو الله عنه ويسامحه ويرزقه التوفيق ويقيه المعاصي ويبعد عنه الرذائل فيسلم عن غوائل يوم وليلته، قال تعالى:(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) وشاهدنا (ويزكيهم) والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم الآن طهارة ومغفرة للمسلمين ونعمة جالبة للسعادة.

(2)

أي يصل لزيادة محبته صلى الله عليه وسلم واشتياقاً لذاته المصونة المحفوفة بالإجلال.

(3)

أي تكرم الله وجعل جزاءه الغفران. قال تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) يعني به ما قدره من الحكمة.

(4)

خطايا سنة فعلها المصلي عليه في اليوم ثلاثاً، وفي الليلة ثلاثاً.

(5)

ما زائدة: أي كل مسلم فقير أو مسلمة يحبان ثواب الصدقة فليكثرا في تلاوة هذه الصيغة.

(6)

طهرة من الذنوب وجالية حسنات جمة.

(7)

مؤمن خيراً، كذا د وع ص 554، وفي ن ط: المؤمن من خير.

(8)

عاقبته الحسنى، والمعنى أن المؤمن يحب في حياته أن يزداد خيراً حتى ينال حسن الخاتمة. ويحظى بنعيم الله فعليك أخي بالإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، لتغرس الصالحات في حياتك فتثمر السعادة وتدخل الجنة بسلام.

ص: 502

أكثروا (1) عليَّ من الصلاة كلَّ يوم الجمعة فإنه مشهود (2) تشهده (3) الملائكة، وإنَّ أحداً لنْ يصلِّي عليَّ إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ (4) منها، قال قلت: وبعد الموت (5)؟ قال: إن الله حرَّم (6) على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. رواه ابن ماجه بإسناد جيد.

26 -

وعنْ أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا عليَّ من الصلاة في كل يوم الجمعة، فإنَّ صلاة أمتي تعرض عليَّ في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم منِّي منزلة (7) رواه البيهقي بإسناد حسن إلا أن مكحولا قيل: لم يسمع من أبي أمامة.

27 -

وعن أوسِ بن أوسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفضل أيَّامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض (8)، وفيه النَّفخة (9)،

(1) أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يزيدوا عدد مرات الصلاة عليه في يوم الجمعة لأنها عيد المؤمنين. ومصدر الإحسان، وباب الخير.

(2)

تحضره ملائكة الرحمة وتنزل فيه وتقيم سرادق للزينات ابتهاجا بالمطيعين، وتكب أجر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم للمصلين، وكفى بهم شهوداً عدولا.

(3)

تنزل فيه وتدعو بالبركات وعموم الخيرات للطائعين المصلين.

(4)

ينتهي.

(5)

وبعد موتك يا رسول الله صلى الله عليك، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه حي في قبره يسمع صلاة المصلي فيأذن الله تعالى له أن يرد عليه السلام.

(6)

حفظ أجسادهم صلوات الله وسلامه عليهم، ومنع الأرض أن تبليها أو تأكلها.

(7)

يرفع الله درجاته في الجنة، ويجعل مكانه قريباً بجوار الحضرة النبوية. وفي حديث البخاري (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس) والفردوس أعلى مكان في الجنة.

(8)

يكني بالقبض عن الموت.

(9)

النفخ: نفخ الريح في الشيء. قال تعالى (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم قيام ينظرون) 68 من سورة الزمر (ونفخ) يعني المرة الأولى (فصعق) خر ميتاً أو مغشياً عليه (إلا من شاء الله) قيل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل (قيام) قائمون من قبورهم أو متوقفون (ينظرون) يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين، أؤ ينتظرون ما يفعل بهم. أهـ بيضاوي.

يا أخي، رسول الله يرشدك إلى انتهاز فرصة يوم الجمعة لتكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقيك الله من شدة البعث والنشور، وحسبك حفظا أن يعرضا بررة عليه، صلى الله عليه وسلم، ويقيد لك ثوابها فتبيض صحيفتك، ويبقى كتابك ويدخر لك كنزا عند الله جل وعلا.

قال تعالى:

أ - (ما عندكم وما عند الله باق) 96 من سورة النحل.

ب - (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) 61 من سورة الزمر. =

ص: 503

وفيه الصَّفقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ. قالوا يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت يعني بليت:؟ فقال: إن الله عز وجل حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصحيحه.

[أرمت] بفتح الهمزة والراء وسكون الميم، وروي بضم الهمزة وكسر الراء.

28 -

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال جزى الله عنَّا محمداً ما هو أهله أتعب سبعين كاتباً ألف صباحٍ (1). رواه الطبراني في الكبير والأوسط.

29 -

وروي عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبدين متحابين (2) يستقبل أحدهما صاحبه، ويصليان على النبي صلى الله عليه وسلم، لمْ يتفرَّقا حتى يغفر لهما ذنوبهما ما تقدَّم منهما وما تأخَّر (3). رواه أبو يعلي.

30 -

وعن رويفع بن ثابتٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وأنزله له المقعد (4) المقرَّب عندك يوم

= (بمفازتهم) بفلاحهم، مفعلة من الفوز، وتفسيرها بالنجاة: تخصيصها بأهم أقسامه بالسعادة، والعمل الصالح إطلاق لها على السبب. أهـ بيضاوي.

وإن الصلاة على سيد رسول الله صلى الله عليه وسلم معين النجاح، وراية الفلاح وعنوان الإخلاص لله ولباب العمل الصالح. والبعث: إحياء الأبدان من القبور، وذلك أنه بعد موت الخلائق بالنفخة الأولى، وهي نفخة الصعق، وبين النفختين أربعون عاما. والنشر: يأمر الله تعالى سيدنا إسرافيل فيأخذ الصور وهو قرن من نور كهيئة البوق الذي يزمر به لكنه عظيم كعرض السماء والأرض. والحشر: سوق الناس إلى المحشر (الموقف) والحساب: توقيف الله تعالى العباد قبل انصرافهم من المحشر فيرفع عنهم سبحانه الحجاب. قال تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون). والصحائف: الكتب التي كتبت فيها الملائكة أعمال العباد في الدنيا.

(1)

والمعنى يقوم أولئك اليررة بتقييد حسنات قائل هذه الصيغة في صحيفته مدة ألف يوم.

(2)

إنسانين متصافيين متوادين.

(3)

يتقابلان فيصليان على خير الخلق فلم ينصرفا إلا بغفران الله، وفي ن د. يغفر الله لهما، وفيه التعاهد على الطاعة والتعاون على البر.

(4)

المكان والمقام المحمود المحفوف بالكرامة.

ص: 504

القيامة وجبتْ له شفاعتي. رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وبعض أسانيدهم حسن.

31 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذ صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة فإنكم لا تدرون لعلَّ ذلك يعرض عليه. قال: فقالوا له: فعلِّمنا، قال قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد ع بدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهمَّ ابعثه مقامًا محمودًا (1) يغبطه (2) به الأولون والآخرون. اللهمَّ صلِّ على محمد، وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلي آل إبراهيم، إنك حميد (3) مجيد (4)، اللهمَّ بارك على محمدٍ، وعلي آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد. رواه ابن ماجه موقوفًا بإسناد حسن.

32 -

وعن علي رضي الله عنه قال: كلُّ دعاء محجوب (5) حتى يصلي على محمدٍ صلى الله عليه وسلم. رواه الطبراني في الأوسط موقوفًا، ورواته ثقات، ورفعه بعضهم، والموقوف أصحّ.

33 -

ورواه الترمذي عن أبي قرة الأسدي عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب موقوفًا قال: إنَّ الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم.

(1) يستحق الثناء الشفاعة: أي مقاما يحمده القائم فيه، وكل من عرفه، وهو مطلق في كل مقام يتضمن كرامة.

(2)

يتمنى مثله السابقون واللاجئون. قال تعالى: (ومن الليل فتهجد به انافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) 79 من سورة الإسراء.

(3)

فاعل ما يستوجب به الحمد. كثيره. صيغة مبالغة.

(4)

كثير الخير والإحسان. قال تعالى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) 73 من سورة هود والمعنى أن هذه الصيغة اختارها سيدنا رسول الله صلاة وسلاما عليه وعلمناها رجاء أن يتبعها المحسنون المتقون.

(5)

ممنوع أن يصعد به إلى الله جل وعلا حتى يتبعه الصلاة على حبيبه صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وأنها سبب إجابة الدعاء. قال تعالى:{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بأن الدعاء محبوس بين السماء والأرض معلق وواقف لا يذهب مناه شيء إلى حضرة الذات العلية القدسية، ويستمر وقفه حتى يصل الداعي على حضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكأن الصلاة عليه الموصل الجيد، والمذياع الناقل إلى الملكوت الأعلى ليجيب الله من ناده.

ص: 505

34 -

وعنْ كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احضروا فحضرنا، فلما ارتقى درجة (1) قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله: لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنَّا نسمعه؟ قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلمْ يغفر له (2). قلت: آمين، فلما رقيت الثانية. قال: بعد (3)

من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنَّة. قلت: آمين. رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

35 -

وعن مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلما رقى عتبةً. قال: آمين، ثمَّ

(1) صعد سلما.

(2)

أي صام أيامه فلم يكتسب غفران الذنوب.

(3)

طرد من رحمة الله، وحرم من الخير ذلك الجاف الخشن الفظ الذي سمع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه. كذا الموجود مع والديه ولم يبرهما، ولم يحسن إليهما ولم يسببا له دخول الجنة. والمعنى خسر ثلاثة وباءوا بذنوب جمة:

أ - مفطر رمضان.

ب - غير المصلي على السيد المصطفى عند شذى سيرته الذكية.

جـ - عاق والديه مؤذيهما، غير مطيع لأوامرهما، وقد أمن صلى الله عليه وسلم على ذلك، والله سميع مجيب سبحانه وتعالى. فليحذر العصاة والفسقة ضياع هذها لفرص السانحة، وليقبلوا على التوبة والاستغفار، والإكثار من الصلاة على المختار جزاء المغفرة والرضوان.

قال الله تعالى:

أ - (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى 74 ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا 75 جنات عدن تجري عن تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى) 76 من سورة طه.

(مجرما) يموت على كفره وعصيانه (الصالحات) في الدنيا، ومنها الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم (الدرجات) المنازل الرفيعة (تزكى) تطهر من أدناس الكفر والمعاصي.

ب - يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا 45 وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا 46 وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) 47 من سورة الأحزاب.

(شاهدا) على من بعث إليه بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم (بإذنه) بتيسيره (سراجا) يستضاء به عن ظلمات الجهالات، ويقتبس من نوره أنوار البصائر (فضلا) على سائر الأمم أو على جزاء أعمالهم أهـ بيضاوي.

إن شاهدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم مصدر البركات، والصلوات عليه رحمات وقربان وطاعات، وموصلة إلى الجنة، وبها يستظل المصلى عند الصعوبات.

ص: 506

رقى أخرى، فقال آمين، ثمَّ رقى عتبة ثالثةً، فقال آمين، ثمَّ قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد: من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فقلت: آمين. قال: ومن أدرك والديه أوْ أحدهما، فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين. قال: ومن ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك فأبعده الله. قل: آمين، فقلتُ: آمين. رواه ابن حبان في صحيحه.

36 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ارتقى (1) على المنبر فأمَّن (2) ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ قال: أتدرون لم أمَّنت؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: جاءني جبريل عليه السلام، فقال: إنه من ذكرت عنده، فلمْ يصلِّ عليك فأبعده (3) الله، وأسحقه (4). قلت: آمين. قال: ومن أدرك أبويه، أو أحدهما فلمْ يبرَّهما (5) دخل النار فأبعده الله وأسحقه. قلت: آمين، ومن أدرك رمضان فلمْ يغفر له دخل النار فأبعده الله وأسحقه، فقلت: آمين. رواه الطبراني بإسناد لين.

37 -

وروي عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزَّبيديِّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، وصعد المنبر، فقال. آمين آمين آمين، فلمَّا انصرف (6) قيل: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئاً ما كنت تصنعه، فقال: إنَّ جبريل تبدَّى لي أوَّل درجةٍ (7)، فقال: يا محمد من أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة فأبعده الله، ثمَّ أبعده، فقلت: آمين ثم قال لي في الدرجة الثانية: ومن أدرك شهر رمضان فلمْ يغفر له فأبعده الله، ثمَّ أبعده، فقلت: آمين، ثمَّ تبدي (8) لي في الدرجة الثالثة، فقال: ومن ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك فأبعده الله، ثمَّ أبعده فقلت: آمين. رواه البزار والطبراني.

38 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، فقال: آمين. آمين. آمين قيل: يا رسول الله صلى إنَّك صعدت المنبر، فقلت:

(1) صعد وسما.

(2)

قال آمين.

(3)

طرده من رحمته وأقصاه.

(4)

رماه في النار مذموماً مدحوراً.

(5)

يطعمهما ويحسن إليهما ويكرمهما.

(6)

ذهب.

(7)

مرقي ومصعد وسلم.

(8)

ظهر. صلى الله عليه وسلم عليك يا رسول الله ونفحنا رضاك.

ص: 507

آمين. آمين. آمين، فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلمْ يغفرْ له، فدخل النار فأبعده الله. قلْ: آمين، فقلت: آمين. ومن أدرك أبويْه، أو أحدهما فلم يبرَّهما، فمات فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، ومن ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك فمات، فدخل النار فأبعده الله. قلْ: آمين، فقلت: آمين. رواه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه، واللفظ له.

39 -

وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجلٍ ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثمَّ انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجلٍ أدرك عنده أبواه الكبر، فلمْ يدخلاه الجنَّة. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.

[رغم] بكسر الغين المعجمة: أي لصق بالرغام، وهو التراب ذلا وهوانا، وقال ابن الأعرابي: هو بفتح الغين، ومعناه: ذل.

40 -

وعنْ حسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذكرتُ عنده فخطئ (1) الصلاة عليَّ خطئ (2) طريق الجنَّة. رواه الطبراني وروي مرسلا عن محمد بن الحنفية.

41 -

وفي رواية لابن أبي عاصم عن محمد بن الحنفية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذكرت عنده فنسي الصلاة على خطئ طريق الجنة.

42 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نسي الصلاة على خطئ (3)

طريق الجنة. رواه ابن ماجه والطبراني وغيرهما عن جبارة المغلس

(1) تعمد تركها، وضل عن النطق بها.

(2)

ضل وتاه ومشي بلا هداية هائما على وجهه. وفيه أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم نبراس مضيء سبيل النعيم، موصل إلى الجنة، وتاركها أعمى لا يدري أني يذهب وكيف يسير (فنسي) أي تركها.

(3)

(خطئ) بمعنى تعمد أن يسلك طريق النار، وسبيل العصيان عمدا أو سهوا، ويقال أخطأ لمن لم يتعمد وفي الجامع الصغير، يقال خطئ وأخطأ: إذا سلك سبيل الخطأ، ومن أخطأ. قال الدميري: فإن قيل هذا الحديث: إن حمل على ظاهره أشكل، فإن الظاهر أنه ذم للناسي، والنسيان لا يترتب عليه ذلك للحديث الحسن المشهور:(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ولما تقرر أن الناسي غير مكلف، وغير المكلف لا لوم عليه.

فالجواب أن المراد بالناسي التارك كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) وكقوله: (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ننسى). =

ص: 508

وهو مختلف في الاحتجاج به، وقد عد الحديث من مناكيره.

43 -

وعن حسين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البخيل (1)

= قال الهروي: فالأولى معناه تركوا أمر الله فتركهم من رحمته، (وكذلك اليوم تنسى): أي تترك في النار، ولما كان التارك لها لا صلاة له والصلاة عماد الدين، فمن تركها حق له ذلك. أهـ ص 360 جـ 3.

وفيه التشديد على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وطلب الانتباه للترنم بذكره صلى الله عليه وسلم فإن عدم الصلاة عليه ضلال، ويظلم القلب، ويزيل نور الإيمان، ويبعد بهاء الحق وبهجة الإسلام، ويترك الشخص يوم القيامة يتخبط في دياجير الشدائد والعذاب.

(1)

الموصوف بالبخل والتقتير، والدناءة والشح. ذلك الذي مر عليه اسمي ولم يصل عليه، إنه لجبان وجماد، وجلمود صخر، ومقصر في كسب الحسنات ونيل الدرجات. لماذا؟ لأن السيرة الذكية نفحت وعبرت وعبق شذاها، ولم يشمها، ولم يلفظ لسانها بالصلاة والسلام على صاحبها.

قال تعالى:

أ - (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي في الأمور كلها فإنه لا يأمرهم، ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، بخلاف النفس فلذلك أطلق فيجب عليهم أيكون أحب إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذ عليهم من أمرها وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها. أهـ بيضاوي.

وقال تعالى:

ب - (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) 56 من سورة الأحزاب. (يصلون) يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه (صلوا عليه) اعتنوا أنتم أيضا فانكم أولى بذلك، وقولوا: اللهم صل على محمد (وسلموا) وقولا السلام عليك أيها النبي، وقيل: وانقادوا لأوامره، والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة، وقيل تجب الصلاة كما جرى ذكره.

قال صلى الله عليه وسلم: (من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله) وتجوز الصلاة على غيره تبعا وتكره استقلالا لأنه في العرف صار شعار ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك كره أن يقال محمد عز وجل، وإن كان عزيزا وجليلا أهـ بيضاوي صلى الله عليه وسلم يا خير الورى، ونفعنا الله بك وأمدنا بنعمة وتوفيقه.

وقال الصاوي: هذه الآية فيها أعظم دليل على أنه صلى الله عليه وسلم مهبط الرحمات، وأفضل الخلق على الإطلاق، إذ الصلاة من الله على نبيه رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن الله على غير النبي مطلق الرحمة لقوله تعالى:(هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) فانظر الفرق بين الصلاتين والفضل بين المقامين، والمراد بالملائكة جميعهم، والصلاة من الملائكة الدعاء للنبي بما يليق به، وهو الرحمة المقرونة بالتعظيم وحينئذ فقد وسعت رحمة النبي كل شيء تبعا لرحمة الله فصار بذلك مهبط الرحمات ومنبع التجليات (صلوا عليه) أي ادعوا له بما يليق به، وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين على النبي تشريفهم بذلك حيث اقتدوا بالله في مطلق الصلاة وإظهار تعظيمه صلى الله عليه وسلم ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق لأنه الواسعة العظمى في كل نعمة وصلت لهم، وحق على من وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، فصلاة جميع الخلق عليه مكافأة لبعض ما يجب عليهم من حقوقه. إن قلت إن صلاتهم طالب من الله أن يصلي عليه، وهو مصل عليه مطلقا طلبوا أولا.

أجيب بأن الخلق لما كانوا عاجزين عن مكافأته صلى الله عليه وسلم طلبوا من القادر المالك أن يكافئه ولا شك أن الصلاة الواصلة للنبي صلى الله عليه وسلم من الله لا تقف عند حد فكلما طلبت من الله زادت على نبيه فهي دائمة بدوام الله. وعند مالك تجب الصلاة والسلام في العمر مرة، وعند الشافعي تجب في التشهد الأخير من كل فرض، وعند غيرهما تجب في كل مجلس مرة، وقيل تجب عند ذكره، وقيل يجب الاكثار منها من غير تقييد بعدد، وبالجملة فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمرها عظيم وفضلها جسيم، وهي من أفضل الطاعات وأجل =

ص: 509

من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ. رواه النسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه الترمذي، وزاد في سنده عليّ بن أبي طالب، وقال: حديث حسن صحيح غريب.

44 -

وعنْ أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: خرجت ذات يومٍ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركمْ بأبخل النَّاس؟ قالوا: بلى (1) يا رسول الله.

= القربات حتى قال بعض العارفين: أنها توصل إلى الله تعالى من غير شيخ لأن الشيخ والسند فيها صحيح لأنها تعرض عليه ويصلى على المصلي، بخلاف غيرها من الأذكار فلا بد فيها من الشيخ العارف وإلا دخلها الشيطان ولم ينتفع صاحبها بها وصيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة وأفضلها ما ذكر فيها لفظ الآل والصحب، فمن تمسك بأي صيغة منها حصل له الخير العظيم. أهـ ص 220 جـ 4. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاة تقربنا إلى الله تعالى وتحشرنا مع الصالحين وتطهرنا من الذنوب. وتكسبنا درجات الجنة يا رب.

(1)

نعم أخبرنا جزاك الله عنا ما هو أهله، فأنبأهم صلى الله عليه وسلم أنه الجبان المقصر في المحامد الظالم نفسه بتضييع فرص كثيرة الحسنات وزيادة الدرجات لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده فغفل، فذلك أبخل وأشجع.

قال تعالى:

أ - (من يطع الرسول فقد أطاع الله) والذي لا يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ع اص مهمل مقصر متعمد الإجرام.

وقال تعالى:

ب - (إنا أرسلناك شاهدا، ومبشراً ونذيراً 8 لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا 9 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) 10 من سورة الفتح.

(شاهدا) على أمتك (ومبشراً) على الطاعة (ونذيراً) على المعصية، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته عسى أن تسلك منهجه، وتحذو حذو سنته، وتكثر من الصلاة عليه، والعمل بشريعته عليه الصلاة والسلام (وتعزروه) وتقووه بتقوية دينه ورسوله (وتوقووه) وتعظموه (وتسبحوه) وتنزهوه، أو تصلوا له (بكرة وأصيلا) غدوة وعشيا أو دائماً، وهذا شاهدنا المطلوب الإقبال على تعاليم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرة الصلاة عليه، وعقد النية على الهداية بأنواره، وشد أزر العزيمة على الكتاب والسنة، وهذا عهد الله وبيعته (نكث) نقض العهد (فإنما ينكث على نفسه) أي فلا يعود ضرر نقض العهد وجموده عند ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا على نفسه: أي يؤخرها عن كسب المحامد، ويبعدها عن الدرجات العالية.

جـ - وقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 81 فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) 82 من سورة آل عمران.

إنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، وقيل المراد أولاد النبيين (إصرى) عهدي فليشهد بعضكم على بعض بالاقرار، وقيل الخطاب فيه للملائكة (الفاسقون) المتمردون من الكفرة، وإن شاهدنا إقرار الله وملائكته وأنبيائه على تعظيمه والصلاة عليه، ولقد أخذ الله العهد على أنبيائه وأتباعهم بالإيمان بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصره، والدعوة إلى صدقه. ليكثر المحسنون من الصلاة والسلام عليه، ولقبلوا على تعاليمه الصحيحة (قالوا أقررنا) قال تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف =

ص: 510

قال: من ذكرتُ عنده فلمْ يصلِّ عليَّ، فذلك أبخل الناس. رواه ابن أبي عاصم

= عليهم ولا هم يحزنون 48 والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون) 49 من سورة الأنعام.

(مبشرين) المؤمنين بالجنة (ومنذرين) الكافرين بالنار، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم (وأصلح) ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم (يفسقون) بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة.

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اعتراف برسالته وتصديق بنبوته، وسبب دخول الجنة. وعمل صالح باق في صحيفته لا يفيوت ثوابا ويمنع عقابا، وترك الصلاة فسق وجالب ع ذاب الله. ويقلل الرزق.

وفي كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر اللهم إلا أن يحمل الوعيد فيها على من ترك الصلاة على وجه يشعر بعدم تعظيمه صلى الله عليه وسلم وكأن يتركها لاشتغاله بلهو ولعب ومحرم فهذه الهيئة الاجتماعية لا يبعد أن يقلل إنه حفها من القبح والاستهتار بحقه صلى الله عليه وسلم ما اقتضى أن الترك حينئذ لما اقترن به كبيرة مفسق أهـ. ليحلل.

أ - رأى جمع من الشافعية والمالكية، والحنفية، والحنابلة أنه تجب الصلاة عليه صلى الله وسلم كلما ذكر.

ب - ويوفق بين من قال إنه مخالف للإجماع قبل هؤلاء على أنها لا تجب مطلقا في غير الصلاة. فعلى القول بالوجوب يمكن أن يقال إن ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند سماع ذكره كبيرة، وأما ما عليه الأكثرون من عدم الوجوب فهو مشكل مع هذه الأحاديث الصحيحة. اللهم إلا أن يحمل على قصد الازدراء به صلى الله عليه وسلم. أهـ بتصرف ص 95 جـ 1.

وأنا أميل إلى الرأي الأول الداعي إلى وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما من ذكره وفاحت سيرته الذكية، ونفح شذاه، وذاع عطره، وانتشر طيبة عسى أن تدرك المصلى عليه رحمة الله تعالى فينفح بمحبته وفي المدخل لابن الحاج في باب (كراهة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأجل البيع) ص 101 جـ 4 وبعضهم تكون سلعته رديئة فيمدحها ويثنى عليها، وبعضهم يزيد على ذلك فيصل على النبي صلى الله عليه وسلم حين ندائه على سلعته وبيعها وشرائها، وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن فاعل ذلك ينهي عنه ويؤدب ويزجر لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون على ما شرعت عليه من التعبد لا أنها تذكر على السلع حين بيعها وشرائها، وليس هذا خاصا به. بل هو عام فيما اعتاده بعضهم أو أكثرهم من أنه إذا رأى شيئاً يعجبه يقول: صلى الله عليك يا رسول الله، وكذلك إذا سمع المؤذن يعرض عن حكاية المؤذن بقوله صلى الله عليك يا رسول الله، وكذا إذا أراد أن يفسح له في الطريق ويقول: صلوا على محمد إلى غير ذلك، والذي يتعين من ذلك توقير النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه وتعظيمه بأن لا يذكر اسمه، ولا يصلى عليه إلا على سبيل التعبد لا على سبيل العوائد المتخذة المخالفة للسلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين.

أ - عدم إعانتهم.

ب - الإنكار عليهم.

الثمرات المرجوَّة، والكنوز المدخرة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

أولا: أخبرنا صلى الله عليه وسلم في أحاديثه أن فائدة الصلاة عليه مرة يقبل الله على المصلى برحماته، ويغدق عليه بخيراته، ويزيده من نعمائه المرء بعشر أمثالها من الله جل وعلا (صلى الله عليه عشرا). =

ص: 511

في كتاب الصلاة من طريق علي بن يزيد عن القاسم.

= ثانيا: الصلاة عليه تكسب الحسنات، وترفع الدرجات وتمحو السيئات. قال تعالى:(من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها).

ثالثاً: المصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة مرة حاز شهادة الإيمان الكامل، ونال إجازة الصالحين، واطمأن على مستقبله السعيد دنيا وأخرى، وبشر بالخير ونجح في حياته (وكتب الله بين عينيه براءة من النفاق ومن النار).

رابعاً: تارك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم خسران، وندمان ومضيع، وظالم نفسه بجحوده، ومبعد مسكنه من جوار الصالحين.

خامسا: المصلى والمسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد في صفوف المقربين الذين رضي الله عنهم وصلح أن يحشره في زمرتهم، وأخذ من الله وعدا صادقاً (ومن سلم عليك سلمت عليه).

سادساً: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم توازي ثواب فك الحريات وطلق الأسارى وطرد الاستعمار وشذى الاستقلال في بلاد الإسلام (وكن له عدل عشر رقاب).

سابعاً: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تضمن شفاعته عليه الصلاة والسلام للمصلي، وتجلب له الاطمئنان وتكنز له الثواب (ثم صلوا علي ثم سلوا الله لي الوسيلة).

ثامناً: المصلى عليه صلى الله عليه وسلم يصحبه ملك الرحمة يرافقه في غدواته وروحاته يدعو له ويتمنى له الخير ويطلب له السعادة ما دام يصلي على سيد رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكان ملكا من لدن خلقك إلى أن يبعثك).

تاسعاً: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلم يقوم بها ملك خاص يبلغها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (ملائكة سياحين يبلغوني).

عاشراً: المصلى والمسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشرف بمحادثة الذات النبوية، ويسمو بمخاطبة الحضرة المصطفية، ويأذن الله لحبيبه عليه الصلاة والسلام أن يرد عليه السلام بنفسه، ويعطيه سبحانه قدرة النطق كما كان في الحياة، ويهب له المشافهة، ويمتعه بأن يرد على أحد أفراد أمته وينقله سبحانه عن الاستغراق في المحامد، ومشاهد الذات العلية إلى رد السلام على المسلم (رد الله إلى روحي).

الحادي عشر: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الكروب، وتزيل الغموم، وتبعد الهموم، وتوسع الأرزاق، وتحط الخطايا (إذا يكفي همك ويغفر لك ذنبك).

الثاني عشر: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ألف مرة تشرح الصدر، وتنير القلب بالإيمان، وتدعو إلى الإكثار من طاعة الله سبحانه، والاستكثار من الصالحات (حتى يرى مقعده من الجنة).

الثالث عشر: الورد من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يغسل الذنوب وبمحوها (من صلى على كل يوم ثلاث مرات).

الرابع عشر: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تغني عن الصدقات، وتقوم مقام الإحسان وفعل البر (مسلم لم يكن عنده صدقة).

الخامس عشر: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يضاعف ثوابها وتحضرها ملائكة الرحمة (فانه مشهود).

السادس عشر: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تقرب جوارك لرسول الله، وتجعل مسكنك في الجنة قريبا منه، ويحفك الله برحماته ويزيدك من إنعامه (كان أقربهم مني منزلة).

السابع عشر: أرشدك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صيغة تحافظ عليها وردا صباح مساء لتسخر جملة من الكتبة البررة يكتبون ثوابها عند الله تعالى في صحيفتك (جزى الله عنا محمدا ما هو أهله).

الثامن عشر: يرشدك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستقبل صاحبك فتحمدا الله، وتصليا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك سبب غفران ذنوبكما (متحابين يستسقبل أحدهما صاحبه ويصليان على النبي صلى الله عليه وسلم. =

ص: 512

[قال الحافظ المملي]: من هذا الكتاب أبواب متفرقة، وتأتي أبواب أخر إن شاء الله

= التاسع عشر: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلم الدعاء الذي يصعد به إلى الرب سبحانه وتعالى ليجيبه (الدعاء موقوف).

العشرون: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقت بها دعوة مستجابة للمصلى أن يغفر الله له، ومن لم يصل فلن يغفر الله له، وهذا وعد الله الذي لا يختلف. جاء به جبريل عليه السلام (من ذكرت عنده فلم يصل ع ليك فقلت آمين).

الحادي والعشرون: تارك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتار يوم القيامة (خطئ طريق الجنة).

الثاني والعشرون: تارك الصلاة جماد شحيح في كسب الحسنات مقصر في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم (أبخل الناس).

قال تعالى:

أ - (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) 33 من سورة الأنعام.

اعترف الكفار بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولكنهم يجحدون بآيات الله ويكذبونها. فوضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا بجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم، والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب.

روي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذبك، وإنك عندنا لصادق، وإنما نكذبك ما جئتنا به فنزلت أهـ بيضاوي.

ب - قال تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) 34 من سورة الأنعام.

فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأس بهم يا محمد واصبر، وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين، وكلمات الله: مواعيده.

جـ - وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) 80 من سورة النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحقيقة مبلغ، والآمر هو الله سبحانه وتعالى، والتشحيح: المعدوم الخير منه خالف أمر الله تعالى (صلوا عليه).

روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله، فقال المنافقون لقد قارف الشرك، وهو ينهى عنه، ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، فنزلت أهـ. (حفيظا) تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم.

د - قال تعالى: (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) 40 من سورة الرعد.

هـ: قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) 107 من سورة الأنبياء.

أي لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف، والمسخ وعذاب الاستئصال. أهـ بيضاوي.

قال الصاوي: أي أنه صلى الله عليه وسلم نفس الرحمة لما ورد أن الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا عين الرحمة لما في الحديث: (إنما أنا رحمة مهداة) أهـ.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم للبر والفاجر، وللمؤمن والكافر.

و- قال تعالى: (قل إنما يوحي إليَّ أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون 108 فإن تواوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما تعودون 109 إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون 110 =

ص: 513

فتقدم: ما يقوله من خاف شيئاً من الرياء في باب الرياء، وما يقوله بعد الوضوء في كتاب

= وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين 111 قال رب أحكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) 112 من سورة الأنبياء.

إن شاهدنا أمر الله تعالى لنبيه الذي ندعو المسلمين إلى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: أن نوحده، وأن نسلم: أي نخلص العبادة له وحده على مقتضى الوحي المصدق بالحجة، ودليل ذلك الإقبال على طاعة لله ورسوله وثمرتها العمل بشريعته وزيادة محبته (احكم) أي اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضي لاستعجال العذاب، التشديد عليهم بالنكال رجاء التوبة والاستغفار، والعمل لإرضاء الجبار القهار، ونخشى الآن أن نعذب، ورأينا آثار ذلك في نزع البركة من الزروع والثمار، والوظائف والصنائع. فاتقوا الله عباد الله، وأقبلوا على دين (الرحمن): أي كثير الرحمة على خلقه (المستعان): أي المطلوب منه المعونة.

نحن الآن نشكو من الأمراض وكثرتها، ومن آفات الحاصلات ورخصها ومن الأزمة، وعلاج ذلك ثلاثة:

أ - التوبة.

ب - كثرة الاستغفار، والذكر والصلاة والسلام على المختار.

جـ - العمل بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:(وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما 111 ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما) 112 من سورة طه.

إن شاهدنا ألا يخاف المحسن، المصلى على النبي صلى الله عليه وسلم زيادة سيئات ظلما أو نقص حسنات هضما، فالله عدل، وأن تذل الوجوه وتخضع خضوع العتاة الأسارى في يد الملك القهار. وقال تعالى:(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى 123 ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى 124 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا 125 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى 126 وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) 127 من سورة طه.

فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (ذكرى) الهدي الذاكر لي، والداعي إلى عبادتي، ومنها الصلاة على حبيب الله صلى الله عليه وسلم (ضنكا) ضيقا (أعمى) البصر أو القلب. فجاءتك آياتنا واضحة نيرة سهلة التكاليف عذبة فتركتها غير منظور إليها (تنسى) تترك في العمى والعذاب وشدة الظلام (من أسرف) بالانهماك في الشهوات والإعراض عن الآيات، وترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال النسفي: لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في العقبى نختم آيات الوعيد بقوله:(ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) أي للحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشد من ضيق العيش المنقضي، وورد في (ضنكا) عن ابن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع فمع الدين التسليم والقناعة، والتوكل فتكون حياته طيبة، ومع الاعراض والحرص والشح. فعيشه ضنك، وحاله مظلمة كما قال بعض المتصوفة: لا يعرض أحدكم عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوق عليه رزقه أهـ.

آمنت بالله، وفهمت أن الصلاة على رسول الله جلاء البصر ونور الهدى يضيء القلوب فتطيع الله: اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتفضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات، وعلى آله وصحبه وسلم.

(إثبات الانشراح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع ذكره)

قال تعالى: (ألم نشرح لك صدرك 1 ووضعنا عنك وزرك 2 الذي أنقض ظهرك 3 ورفعنا لك ذكرك) =

ص: 514

الطهارة، وما يقوله بعد الأذان، وما يقوله بعد صلاة الصبح والعصر والمغرب والعشاء في كتاب

= (نشرح) فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. وعن الحسن: مليء حكمة وعلما. سبحانه رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة، والأذان الإقامة، والخطب والتشهد، وفي غير موضع من القرآن:

أ - (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول).

ب - (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) 71 من سورة الأحزاب.

جـ - (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وفي تسميته رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبي الله، ومنه ذكره في كتب الأولين أهـ. نسفي.

(نشرح) قال الصاوي: المراد هنا توسعة الصدر بالنور الإلهي ليسع مناجاة الحق ودعوة الخلق. فصار مهبط الرحمات ومنبع البركات.

روي أن جبريل عليه السلام: أتاه وهو عند مرضعته حليمة وهو ابن ثلاث سنين أو أربع فشق صدره وأخرج قلبه وغسله، ونقاء وملأه علما وإيمانا، ثم رده في صدره، وحكمة ذلك لينشأ على أكمل حال، ولا يعيث كالأطفال، وشق أيضاً عند بلوغه عشرين سنين، ليأتي عليه البلوغ وهو على أجمل الأخلاق وأطيبها، وعند البعثة ليتحمل القرآن والعلوم، وليلة الإسراء ليتهيأ لملاقاة أهل الملأ الأعلى، ومناجاة الحق جل جلاله، ومشاهدته، وتلقيه عنه فمرأت الشق أربع زيادة في تنظيفه وتطهيره ليكون كاملا مكملا، لا يعلم قدره غير ربه.

قال البوصيري:

ما مضت فترة من الرسل إلا

بشرت قومها بك الأنبياء

قال البيضاوي: (ألم نشرح) ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق. فكان غائبا حاضرا، أو لم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم، وأزلنا عنه ضيق الجهل، أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك، وقيل إنه إشارة إلى ما روي: أن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صباه، أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه، ثم ملأه إيمانا وعلما، ولعله إشارة إلى نحو ما سبق، ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته (ورفعنا لك ذكرك) بالنبوة وغيرها، وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه تعالى في كلمتي الشهادة وجعل طاعته طاعته، وصلى عليه ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، وخطابه بالألقاب. أهـ. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والخلاصة التي أنشدها: أن يكثر المسلمون من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يمنحهم ربهم برضوانه، وينفحهم بنفحات مصطفاه. فهو سبحانه اختاره صدره صلى الله عليه وسلم كان قال الشيخ محمد عبده بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم. فكان يلتمس الطريق لهدايتهم. فعلمه الله كيف يسلك إلى نفوسهم، وهداه بالوحي إلى الدين الذي ينقذهم به من الهلكة التي كانوا أشرفوا عليها، وقد كان ما يهمه من أمرهم حملا ثقيلا عليه. فوضعه الله عنه وأراحه من ثقله بقيادة الله له في سبيل نجاتهم، وتعهده بالوحي كلما التبس عليه أمر، أو ضاق عليه مذهب فبهذه الهداية التي تكفل الله بها قد وضع ذلك العبء الثقيل كما قال:(ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) 3 من سورة الشرح.

هداه الله إلى إنقاذ أمة، بل أمم كثيرة من ورق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة: حرية العقل والإرادة والإصابة في معرفة الحق، ومعرفة من يقصد بالعباد فاتحدت كلمتهم في الاعتقال بالإله الواحد فاستخلصوا حياة كانت في مخالب الموت كما قال:(وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم) فمن كان هذا عماه فأي ذكر أرفع من ذكره، وأي شأن أعلى من شأنه؟ هذا إلى ما فرض الله من الإقرار بنبوته، =

ص: 515

الصلاة، وما يقول حين يأوى إلى فراشه في كتاب النوافل، وكذلك ما يقول إذا استيقظ

= والاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته، وجعلها شرطا في دخول جنته. فهذا هو قوله تعالى:(ورفعنا لك ذكرك) أهـ ص 117.

وقال تعالى مبينا كرامته حبيبه صلى الله عليه وسلم (ما ودعك ربك وما قلى 3 وللآخرة خير لك من الأولى 4 ولسوف يعطيك ربك فترضى) 5 من سورة الضحى.

أي ما قطعك قطع المودع، وما تركك وما أبغضك ردا على قول المشركين في تأخير الوحي مرة (إن محمدا ودعه ربه وقلاه) ثم بين سبحانه وتعالى أنه لا يزال يواصله بالوحي من الكرامة في الدنيا، وأعد له ما هو أعلى وأجل من ذلك في الآخرة، أو لنهاية أمرك خير من بدايته. فإنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال (فترضى) وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر، وإعلاء الدين، ولما ادخره له مما لا يعرف كنهه سواه، واللام للابتداء (ولـ) أنت (سوف يعطيك) وجمعها مع سوف للدلالة على أن الإعطاء كائن ولا محالة، وإن تأخر لحكمة. أهـ بيضاوي.

وقال الشيخ محمد عبده: (ولسوف يعطيك) من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك، ومن ظهور دينك وعلو كلمتك، وإسعاد قومك بما تشرع لهم، وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة (فترضى) بما تراه من تلك النعم التي ليس وراءها مطلب لطالب.

كأنه عليه الصلاة والسلام كان يجد في نفسه أن للأمر تتمة لم تأت بعد، وكان في الفترة إبطاء بتلك التتمة، وهو شغف بحصولها. فلم تكن نفسه راضية دون أن يبلغ ما أعده له من إكمال دينه. فأكد له الوعد بأنه سيعطيه مما تتطلع نفسه إليه، ولا يزال يعطيه حتى يرضى ويعلن عباده المؤمنين بقوله تعالى:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) من سورة المائدة.

وقد كان ذلك في أكثر من عشرين سنة. أهـ ص 110.

وقيل عطاؤه هو الشفاعة العظمى. فأنت ترى وعد الله الذي لا حد له في إكرامه صلى الله عليه وسلم وإرضائه. قال صلى الله عليه وسلم: (إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار).

قال الصاوي: أي الموحدين، فالمراد أمة الإجابة وقد أشار لذلك بعض العارفين بقوله:

قرأنا في الضحى ولسوف يعطي

فسر قلوبنا ذاك العطاء

وحاشا يا رسول الله ترضى

وفينا من يعذب أو يساء

إن شاهدنا ثبوت الشفاعة للسيد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأنه جدير بكل ثناء واحترام عسى أن يشفع لنا، ولقد ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تبارك وتعالى في إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني) الآية وقال عيسى صلى الله عليه وسلم (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه وقال: أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: (يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك) فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم. فقال الله تعالى: (يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).

وقال النووي: الحكمة في إرسال جبريل إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بالمحل الأعلى فيسترضي ويكرم بما يرضيه والله أعلم (لا نسوءك) لا نحزنك وننجي الجميع من النار. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لهذه الأمة، وبيان عظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله عز وجل، وعظيم لطفه وكمال شفقة المصطفى صلى الله عليه وسلم بأمته واهتمامه بأمرهم. أهـ ص 172 مختار الإمام مسلم، وشرح النووي.

أرأيت رأفة أكثر من هذه المحبة؟ يتعلق صلى الله عليه وسلم بأمته ويحن إليها، ويبكي رجاء رحمة الله لها =

ص: 516

من الليل، وما يقول إذا أصبح وأمسى، ودعا الحاجة فيه أيضاً، ويأتي إن شاء الله في كتاب

= والله تعالى وعده أن يرضيه ولا يغضبه، ويزيده فرحاً ويقر عينه، ويدخل أمته الجنة بفضلة سبحانه، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

(خلاصة أقوال العلماء)

سيدنا عمر بن الخطاب يبين فضيلة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله.

روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. لقد كان جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم. فحن الجذع لفراقك حتى جعلك يدك عليه فسكن، فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعل طاعتك طاعته .. فقال عز وجل:(من يطع الرسول فقد أطاع الله) بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب. فقال تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال عز وجل. (وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون: يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار. فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليه وسلم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر. فماذا بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك. بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى. فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت لك الذراع: لا تأكلني فإني مسمومة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. لقد دعا نوح على قومه فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) 26 من سورة نوح.

ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا كلنا. فلقد وطئ ظهرك، وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. بأبي أنت وأمي يا رسول الله: لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره، ولقد آمن بك الكثير وما آن معه إلا القليل. بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تواكل إلا كفؤا لك وما واكلتنا. فلقد والله جالستنا ونكحت إلينا، وواكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك تواضعاً منك. صلى الله عليه وسلم أهـ ص 280 جـ 1 إحياء الغزالي.

وفي الفتح في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 118 جـ 11.

(خلاصة أقوال العلماء في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:

أولاً: قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبات، وادعى الإجماع على ذلك.

ثانياً: نقل ابن القصار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة.

ثالثاً: تجب في العمرة في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد قاله أبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم وغيرهما. =

ص: 517

البيوع: ذكر الله في الأسواق، ومواطن الغفلة، وما يقوله المديون والمكروب والمأسور،

= رابعاً: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي ومن تبعه.

خامساً: تجب في التشهد وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه.

سادساً: تجب في الصلاة من غير تعيين لمحل: وهو عن أبي جعفر الباقر.

سابعاً: يجب الاكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.

ثامناً: كلما ذكر. قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية، والحليمي وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: انه الأحوط وكذا قال الزمخشري.

تاسعاً: في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا، حكاه الزمخشري.

عاشراً: في كل دعاء حكاه أيضا. أهـ.

معنى صلاة الله وملائكته على رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومعنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته. ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له، وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن ابن عباس: أن معنى صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وقال المبرد: الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة، وتعقب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله:(أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) وعن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه، طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة، ونقل عياض عن أبي بكر القشيري قال: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي) وقال قبل ذلك في السورة المذكورة (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها، وقال الحليمي في الشعب: معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، وإيداء فضيلته بالمقام المحمود وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى (صلوا عليه) ادعوا ربكم بالصلاة عليه. أهـ.

ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه. فإنه لا يمتنع أن يدعي لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به أهـ ص 121.

(صيغة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أولا: اللهم صلي على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته، وأهل بيته، عند أبي داود من حديث أبي هريرة.

ثانياً: وقال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: (اللهم صلي على محمد النبي الأمي وعلى آله محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك مثله وزاد: في العالمين إنك حميد مجيد). =

ص: 518

وفي كتاب اللباس: ما يقوله من لبس ثواباً جديداً. وفي كتاب الطعام: التسمية، وحمد الله

= ثالثاً: وعن ابن مسعود: (اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك) الحديث أخرجه ابن ماجه، والمراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل المراد ذلك واستمراره (حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه وهو ما حصل له من صفات الحمد وأكملها، وقيل هو بمعنى الحامد: أي يحمد أفعال عباده (مجيد) من المجد: وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام، ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين. أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، والمعنى أنت فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة. كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. أهـ ص 128.

رابعاً: في البخاري: حدثنا آدم حدثنا شعبة، حدثنا الحكم قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى: قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسفم عليك فكيف نصلي عليك؟ قالوا قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

خامساً: وفي رواية أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، وآل محمد: ذريته وأتباعه في الدين.

قال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، وقد علم أن محمد وآل محمد من أهل بيت إبراهيم. فكأنه قال أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما ختمت به الآية، وهو قوله: إنك حميد مجيد، وقال ابن القيم أحسن منه أن يقال: هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) قال محمد من آل إبراهيم. فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ. ولسيدي مجد الدين الشيرازي عن بعض أهل الكشف: أي اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشريعة كما صليت على إبراهيم بأن جعلت في أتباعه أنبياء يقررون الشريعة، والمراد بقوله، وعلى آل محمد اجعل من أتباعه ناسا محدثين بالفتح يخبرون بالمغيبات كما صليت على آل إبراهيم بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيبات، والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد وهم أتباعه في الدين كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم أهـ ص 127.

(وللإمام البوصيري نفعنا الله بحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم

أبان مولده عن طيب عنصره

يا طيب مبتدأ منه ومختتم

جاءت لدعوته الأشجار ساجدة

تمشي إليه على ساق بلا قدم

ما سامني الدهر ضيما واستجرت به

إلا ونلت جواراً منه لم يضم =

ص: 519

بعد الأكل. وفي كتاب القضاء: ما يقوله من خاف ظالماً. وفي كتاب الأدب: ما يقول من ركب دابته، ومن عثرت به دابته، ومن نزل منزلا، ودعا المرء لأخيه بظهر الغيب. وفي كتاب الجنائز: الدعاء بالعافية، وما يقوله من رأى مبتلى، وما يقوله من آلمه شيء من جسده، وما يدعي به للمريض، وما يدعو به المريض، وما يقول من مات له ميت. وفي كتاب صفة الجنة والنار: سؤال الجنة والاستعاذة من النار، من الله نسأل التيسير والإعانة.

= ولا التمست غني الدارين من يده

إلا استلمت الندى من خير مستلم

كم أبرأت وصبا باللمس راحته

وأطلقت أربا من ربقة اللمم

وأحيت السنة الشهباء دعوته

حتى حكت غرة في الأعصر الدهم

بشرى لنا معشر الاسلام إن لنا

من العناية ركنا غير منهدم

لما دعا الله داعينا لطاعته

بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم

ومن تكن برسول الله نصرته

إن تلقه الأسد في آجامها تجم

ولن ترى من ولي غير منتصر

به ولا من عدو غير منفصم

أحل أمته في حرز ملته

كالليث حل مع الأشبال في أجم

كفاك بالعلم في الأمي معجزة

في الجاهلية والتأديب في اليتم

ان آت ذنبا فما عهدي بمنتقض

من النبي ولا حبل بمنصرم

فإن لي ذمة منه بتسميتي

محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم

إن لم يكن في معادي آخذا بيدي

فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه

أو يرجع الجار عنه غير محترم

ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه

وجدته لخلاصي خير مغتزم

ولن يفوت الغني منه يدا تربت

إن الحيا يثبت الأزهار في الأكم

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به

سواك عند حلول الحادث العمم

ولن يضيق رسول الله جاهك بي

إذا الكريم تحل باسم منتقم

فإن من جودك الدنيا وضرتها

ومن علومك اللوح والقلم

يا رب واجعل رجائي غير منعكس

لديك واجعل حسابي غير منخرم

والطف بعبدك في الدارين إن له

صبرا متى تدعه الأهوال ينهزم

وأذن لسحب صلاة منك دائمة

على النبي الأهوال ومنسجم

اللهم صلى عليه وعلى آله وأصحابه، فهو بشارة الخير ومصدر الإحسان والهداية. قال تعالى: آمرا له (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) 188 من سورة الأعراف.

رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد مرسل لإنذار الناس، وهدايتهم فجدير بالصلاة والسلام عليه رجاء الانتفاع به صلى الله عليه وسلم وبالعمل بشريعته (لو كنت أعلم الغيب) أي لو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي علمه من استكثار المنافع واجتناب المضار حتى لا يمسني السوء (يؤمنون) يصدقون وينتفعون بالذي جئت به.

ص: 520