المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الترغيب في قراءة المعوذتين) - الترغيب والترهيب للمنذري - ت عمارة - جـ ٢

[عبد العظيم المنذري]

فهرس الكتاب

- ‌الترغيب في الصدقة والحث عليها وما جاء في جهد المقلومن تصدق بما لا يجب

- ‌الترغيب في صدقة السر

- ‌الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم

- ‌الترهيب من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل مالهفيبخل عليه، أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون

- ‌(الترغيب في القرض وما جاء في فضله)

- ‌الترغيب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه

- ‌(الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير كرما)والترهيب من الإمساك والادّخار شحا

- ‌ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن

- ‌الترغيب في إطعام الطعام وسقي الماءوالترهيب من منعه

- ‌(الترغيب في شكر المعروف ومكافأة فاعله والدعاء له)وما جاء فيمن لم يشكر ما أولى إليه

- ‌(كتاب الصوم)

- ‌الترغيب في الصوم مطلقاً وما جاء في فضله، وفضل دعاء الصائم

- ‌الترغيب في صيام رمضان احتسابا، وقيام ليله سيما ليلة القدر وما جاء في فضله

- ‌الترهيب من إفطار شيء من رمضان من غير عذر

- ‌الترغيب في صوم ست من شوال

- ‌(الترغيب في صيام يوم عرفة لمن لم يكن بها)وما جاء في النهى عنه لمن كان بها حاجا

- ‌الترغيب في صيام شهر الله المحرم

- ‌الترغيب في صوم يوم عاشوراء، والتوسيع فيه على العيال

- ‌(الترغيب في صوم شعبان)وما جاء في صيام النبي صلى الله عليه وسلم له، وفضل ليلة نصفه

- ‌(الترغيب في صوم ثلاثة أيام من كل شهر سيما الأيام البيض)

- ‌(الترغيب في صوم الاثنين والخميس)

- ‌(الترغيب في صوم الأربعاء والخميس والجمعة والسبت والأحد)وما جاء في النهي عن تخصيص الجمعة بالصوم أو السبت

- ‌(الترغيب في صوم يوم وإفطار يوم وهو صوم داود عليه السلام

- ‌(ترهيب المرأة أن تصوم تطوعا وزوجها حاضر إلا أن تستأذنه)

- ‌(ترهيب المسافر من الصوم إذا كان يشق عليه)وترغيبه في الإفطار

- ‌(الترغيب في السحور سيما بالتمر)

- ‌(الترغيب في الفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء)

- ‌الترغيب في إطعام الطعام

- ‌(ترغيب الصائم في أكل المفطرين عنده)

- ‌(الترغيب في الاعتكاف)

- ‌(الترغيب في صدقة الفطر وبيان تأكيدها)

- ‌(كتاب العيدين والأضحية)

- ‌الترغيب في إحياء ليلتي العيدين

- ‌الترغيب في التكبير في العيد وذكر فضله

- ‌الترغيب في الأضحية، وما جاء فيمن لم يضح مع القدرة، ومن باع جلد أضحيته

- ‌(الترهيب من المثلة بالحيوان ومن قتله لغير الأكل)وما جاء في الأمر بتحسين القتلة والذبحة

- ‌كتاب الحج

- ‌الترغيب في الحج والعمرة وما جاء فيمن خرج يقصدهما فمات

- ‌(الترغيب في النفقة في الحج والعمرة)وما جاء فيمن أنفق فيهما من مال حرام

- ‌(الترغيب في العمرة في رمضان)

- ‌الترغيب في التواضع في الحج والتبذل ولبس الدون من الثياباقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام

- ‌(الترغيب في الإحرام والتلبية ورفع الصوت بها)

- ‌(الترغيب في الإحرام من المسجد الأقصى)

- ‌الترغيب في الطواف واستلام الحجر الأسود والركن اليماني، وما جاء في فضلهما وفضل المقام ودخول البيت

- ‌الترغيب في العمل الصالح في عشر ذي الحجة وفضله

- ‌(الترغيب في الوقوف بعرفة والمزدلفة، وفضل يوم عرفة)

- ‌الترغيب في رمي الجمار، وما جاء في رفعها

- ‌(الترغيب في حلق الرأس بمنى)

- ‌(الترغيب في شرب ماء زمزم، وما جاء في فضله)

- ‌(ترهيب من قدر على الحج فلم يحج)(وما جاء في لزوم المرأة بيتها بعد قضاء فرض الحج)

- ‌الترغيب في الصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينةوبيت المقدس وقباء

- ‌(الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات وما جاء في فضلها)وفضل أُحُد، ووادي العقيق

- ‌(الترهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء)

- ‌(كتاب الجهاد)

- ‌الترغيب في الرباط في سبيل الله عز وجل

- ‌(الترغيب في الحراسة في سبيل الله تعالى)

- ‌الترغيب في النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة وخلفهم في أهلهم

- ‌الترغيب في احتباس الخيل للجهاد لا رياء ولا سمعة، وما جاء في فضلهاوالترغيب فيما يذكر منها، والنهي عن قص نواصيها لأن فيها الخير والبركة

- ‌ترغيب الغازي والمرابط في الاكثار من العمل الصالح من الصوموالصلاة والذكر ونحو ذلك، وتقدم في باب النفقة في سبيل الله

- ‌الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة، وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه

- ‌الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل الله تعالى

- ‌(الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه)

- ‌الترغيب في الجهاد في سبيل الله تعالى، وما جاء في فضل التكلم فيه والدعاء عند الصف والقتال

- ‌الترغيب في إخلاص النية في الجهادوما جاء فيمن يريد الأجر والغنيمة والذكر، وفضل الغزاة إذا لم يغنموا

- ‌(الترهيب من الفرار من الزحف)

- ‌الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر

- ‌(الترهيب من الغلول والتشديد فيه، وما جاء فيمن ستر على غال)

- ‌(الترغيب في الشهادة، وما جاء في فضل الشهداء)

- ‌التَّرْهِيب من أَن يَمُوت الْإِنْسَان وَلم يغز وَلم ينْو الْغَزْو وَذكر أَنْوَاع من الْمَوْت تلْحق أَرْبَابهَا بِالشُّهَدَاءِ والترهيب من الْفِرَار من الطَّاعُون

- ‌كتاب قراءة القرآن

- ‌الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة

- ‌الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمهوما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء

- ‌(الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن)

- ‌(الترغيب في تعاهد القرآن وتحسين الصوت به)

- ‌الترغيب في قراءة سورة الفاتحة، وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمرانوما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها

- ‌الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولهاأو عشر من آخرها

- ‌(الترغيب في قراءة سورة يس وما جاء في فضلها)

- ‌(الترغيب في قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك)

- ‌(الترغيب في قراءة إذا الشمس كورت وما يذكر معها)

- ‌(الترغيب في قراءة إذا زلزلت وما يذكر معها)

- ‌(الترغيب في قراءة ألهاكم التكاثر)

- ‌الترغيب في قراءة قل هو الله أحد

- ‌(الترغيب في قراءة المعوذتين)

- ‌(كتاب الذكر والدعاء)

- ‌(الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرَّا وجهرا والمداومة عليه وما جاء فيمن لم يكثر ذكر الله تعالى)

- ‌(الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى)

- ‌(الترغيب في كلمات يكفرن لغط المجلس)

- ‌(الترغيب في قول: لا إله إلا الله وما جاء في فضلها)

- ‌(الترغيب في قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)

- ‌(الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه)

- ‌(الترغيب في جوامع من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)

- ‌(الترغيب في قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)

- ‌(الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء)

- ‌(الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات)

- ‌الترغيب فيما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره

- ‌(الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل)

- ‌(الترغيب فيما يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد وغيره وإذا دخلهما)

- ‌(الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها)

- ‌الترغيب في الاستغفار

- ‌الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في كلمات يستفتح بها الدعاء وبعض ما جاء في اسم الله الأعظم

- ‌الترغيب في الدعاء في السجود ودبر الصلوات وجوف الليل الأخير

- ‌الترهيب من استبطاء الإجابة، وقوله دعوت فلم يستجب لي

- ‌الترهيب من رفع المصلي رأسه إلى السماء وقت الدعاء وأن يدعو الإنسان وهو غافل

- ‌الترهيب من دعاء الإنسان على نفسه وولده وخادمه وماله

- ‌الترغيب في إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلموالترهيب من تركها عند ذكره، صلى الله عليه وسلم

- ‌كتاب البيوع وغيرها

- ‌الترغيب في الاكتساب بالبيع وغيره

- ‌الترغيب في البكور في طلب الرزق وغيرهوما جاء في نوم الصبحة

- ‌(الترغيب في ذكر الله تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة)

- ‌الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيهوما جاء في ذمّ الحرص وحب المال

- ‌الترغيب في طلب الحلال والأكل منهوالترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك

- ‌الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور

- ‌الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء

- ‌(الترغيب في إقالة النادم)

- ‌(الترهيب من بخس الكيل والوزن)

- ‌الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع وغيره

- ‌الترهيب من الاحتكار

- ‌ترغيب التجار في الصدقوترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين

- ‌الترهيب من خيانة أحد الشريكين الآخر

- ‌الترهيب من التفريق بين الوالدة وولدها بالبيع ونحوه

- ‌الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوجأن ينويا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت

- ‌الترهيب من مطل الغني والترغيب في إرضاء صاحب الدين

- ‌(الترغيب في كلمات يقولهن المديون والمهموم والمكروب والمأسور)

- ‌(الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس)

الفصل: ‌(الترغيب في قراءة المعوذتين)

9 -

ورواه البخاري أيضاً والترمذي عن أنس أطول منه، وقال في آخره: فلمَّا أتاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كلِّ ركعةٍ؟ فقال: إنِّي أحبها، فقال حُبُّك إيَّاها أدخلك الجنَّة.

(قال الحافظ): وفي باب ما يقوله دبر الصلوات وغيره أحاديث من هذا الباب، وتقدم أيضاً أحاديث تتضمن فضلها في أبواب متفرقة.

(الترغيب في قراءة المعوذتين)

1 -

عنْ عقبة بن عامرٍ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

= قال: وقيل محبتهم له استقامتهم على طاعته، وقيل الاستقامة ثمرة المحبة، وحقيقة المحبة له ميلهم إليه لاستحقاقه سبحانه وتعالى المحبة من جميع وجوهها. أهـ ص 96 جـ 6.

قال القرطبي: اشتملت هذه السورة على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال لم يوجدوا في غيرها مسور: وهما الأحد والصمد. لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف المال، وبيان ذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال لأنه الذي انتهى إليه سؤدده فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولايتم ذلك على وجه التحقيق رلا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثا. أهـ.

وقال غيره: تضمنت هذه السورة توجيه الاعتقاد وصدق المعرفة، وما يجب إثباته لله من الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص، ونفى الولد والوالد المقرر لكمال المعنى، ونفى الكفء المتضمن لنفي الشبيه والنظير، وهذه مجاميع التوحيد الاعتقادي، ولذلك عدلت ثلث القرآن لأن القرآن خبر وإنشاء، والإنشاء أمر ونهي وإباحة، والخبر خبر عن الخالق وخبر عن خلقه فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عن الله، وخلصت قارئها عن الشرك الاعتقادي، ومنهم من حمل المثلية على تحصيل الثواب.

فقال معنى كونها ثلث القرآن أن ثواب يحصل للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن. أهـ. فتح ص 50 جـ 9.

وفي البخاري باب قوله (الله الصمد) والعرب تسمى أشرافها الصمد. قال أبو وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده، وفي العيني أشار بهذا إلى أن المعنى الصمد عند العرب الشرف، ولهذا يسمون رؤساءهم الأشراف بالصمد، وعن ابن عباس: هو السيد الذي قد تكمل بأنواع الشرف والسؤدد، وقيل هو السيد المقصود في الحوائج. كفؤا، وكفيئا على وزن فعيل، وكفاء بالكسر على وزن وفعال بمعنى واحد، والكفؤ: المثل والنظير، وليس لله عز وجل كفو ولا مثيل، وقال الثعلبي: أي ليس له أحد كفوا. أهـ ص 9 جـ 20.

ص: 382

(ألم تر آياتٍ أنزلت الليلة لمْ يرَ مثلهنَّ (1):

قل أعوذ بربِّ الفلقِ، وقُل أعوذ

(1) في زيادة الأجر وجليل الفائدة، إذ فيها الاستعاذة بالخالق رب الصبح. قال البيضاوي: وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخالفه، وفيها الاستعاذة به سبحانه من جميع خلقه الإنس والجن، وإحراق النار وإهلاك السموم، والكفر، والظلم (غاسق) ليل عظيم ظلامه (وقب) دخل ظلامه في كل شيء (النفاثات) السواحر، أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها، والنفث النفخ مع ريق، وتخصيصه لما روي أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر فمرض النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت المعوذتان، وأخبره جبريل عليه الصلاة والسلام بموضع السحر فأرسل عليا رضي الله عنه فجاءه به فقرأهما عليه فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد بعض الخفة، ولا يوجد ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر، وقيل المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعاد من تليين العقد بنفث الريق ليسهل حلها، وإفرادها بالتعريف لأن كل نفاثة شريرة بخلاف كل حاسد وغاسق (حسد) أظهر حسده وعمل بمقتضاه. فإنه لا يعود ضرر منه قبل ذلك إلى المحسود، بل يخص به لاغتمامه بسروره وتخصيصه. لأنه العمدة في إضرار الإنسان بل الحيوان غيره (رب الناس) استعاذ من المضار البدنية، والأضرار التي تعم الإنسان وغيره، وكذا استعاذ بالأضرار التي تعرض للنفوس البشرية فإنه سبحانه يملك أمور الناس ويستحق عبادتهم (الوسواس) الوسوسة (الخناس) الذي عادته أن يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه أهـ.

قال النووي: وفيه بيان عظم فضل هاتين السورتين ص 96 جـ 6، وعن أبي هريرة: الفلق جب في جهنم مغطى، وعن كعب: الجب بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شر حره، وفي البخاري، ويذكر عن ابن عباس: الوسواس إذا ولد المولود خنسه الشيطان. فإذا ذكر الله عز وجل ذهب، وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه. خنسه: أخره، وأزاله عن مكانه لشدة نخسه، وطعنه في خاصرته. أهـ عيني ص 11 جـ 20.

والمعوذات: الإخلاص، والفلق، والناس، وفي الفتح، وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة، وأحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عامر. قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن، وفي لفظ: اقرأ المعوذات دبر كل صلاة فذكرهن. أهـ ص 51 جـ 9، وفي البخاري حديثا السيدة عائشة رضي الله عنها.

أ - (كان إذا اشتكى صلى الله عليه وسلم يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلماذا اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها).

ب - (كان صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات) أهـ.

وتقدمت أسماء السور: الكهف. الملك. يس. البقرة. آل عمران، ولنذكر لك غيرها: آية الكرسي. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم).

(سورة الزلزلة)

(إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها. بأن ربك أوحى لها. يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). =

ص: 383

برب الناس. رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود، ولفظه قال:

= (سورة الكافرون)

وقال عز شأنه: (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين).

(سورة التكوير)

(إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت. وإذا النفوس زوجت. وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت. وإذا الصحف نشرت. وإذا السماء كشطت. وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس ما أحضرت. فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس. إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون. إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين).

(سورة التكاثر)

(ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين. ثم لتسألن يومئذ عن النعيم).

(سور المعوَّذات)

(قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد).

(قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد).

(قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس).

قال تعالى:

أ - (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا يهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم 52 صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصبر الأمور) 53 من سورة الشورى.

ب - (إنه لقرآن كريم 77 في كتاب مكنون 78 لا يمسه إلا المطهرون 79 تنزيل من رب العالمين) 80 من سورة الواقعة.

(روحا) القرآن الذي تحيا به القلوب، وتطمئن إليه النفوس، وتستضيء به العقلاء المهتدون (تصير) ترجع كل الأشياء بيد الله القادر المالك. اللهم أهدنا إلى الحق وفقهنا في الدين.

(قراءة القرآن كلها منافع، وقراءة سورة يس على الموتى)

قد مر عليك فوائد سورة الفاتحة والبقرة، وآل عمران وآية الكرسي وغير أولئك، ونذكر لك نبذة من شرح قوله صلى الله عليه وسلم:(اقرءوا يس على موتاكم) رواية سيدنا معقل بن يسار رضي الله عنه. رواه أبو داود والنسائي وأحمد. =

ص: 384

كُنتُ أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في السَّفر، فقال يا عقبة: ألا أعلِّمكَ

= أي الذين حضرهم الموت فيستأنسون بها لما فيها من ذكر الله، وأحوال البعث والقيامة، والجنة والنار، وما اشتملتا عليه، والتحذير من فتنة الشيطان، ولأنها قلب القرآن كما يأتي في فضل القرآن: أي فالقراءة مشروعة على المحتضر فقط، وليست مشروعة على الأموات. كذا قال جماعة تبعا لعمل السلف الصالح، وهو ظاهر كلام مالك والشافعي وجمهور المذهبين، وقال الإمام أحمد وبعض المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية: إن القراءة مشروعة على الأموات، وينتفعون بها لعموم الحديث، ولعمل الأمة الآن، وهذا هو الظاهر الذي ينبغي الاعتماد عليه الأمور الآتية:

أولا: أن لفظ الموتى في الحديث نص فيمن مات فعلا، وتناوله للحي المحتضر مجاز، ولا يأتي المجاز إلا بقرينة ولا قرينة هنا. كذا قاله الشوكاني، وقال المحب الطبري: إن العمل بعموم الحديث هو الظاهر. بل هو الحق لحديث الدارقطني (من دخل القبور فقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب ثوابها للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات).

ثانيا: أن من حكم القراءة التخفيف، وهو كما يطلب للمحتضر يطلب الميت، ففي مسند الفردوس (ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون عليه)، وقال الإمام أحمد: كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يس لميت خفف الله عنه بها.

وثالثا: القياس على قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وإلا كان تحكما.

ورابعا: (السلام) القياس على السلام المطلوب للموتى في زيارة القبور الآتية. فإذا كان الميت يأنس بالسلام الذي هو من كلام البشر، فكيف لا يأنس ويسر بكلام الرحمن جل شأنه؟

وخامسا: أن السكينة والرحمة ينزلان في محل قراءة القرآن، والميت والمحتضر. بل كل مخلوق في أشد الحاجة إلى رحمة الله تعالى.

وسادساً: القياس على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخلق وأكملهم يرتقي في الكمالات بسبب صلاة الأمة عليه. فكيف لا ينفع الأوات بقراءة القرآن.

وسابعا: ما يأتي في فضل القرآن: من أن رجلا كان في سفر مع رفقة، فضرب خباءة على قبر وهو لا يشعر فسمع فيه إنسانا يقرأ (تبارك الذي بيده الملك) حتى ختمها. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر (انظر ص 372) فإذا ثبت قراءة القرآن من الميت في قبره فكيف نمنعها من الحي على القبر؟ بل هو أولى لأفضليته فضلا عما تقدم. فالمانع ليس له دليل، ومعلوم في الشرع أن النفي والإثبات لا بد لهما من دليل ولا دليل له، ولعل مالكا والشافعي لم يصح عندهما هذا الحديث:(اقرءوا يس على موتاكم) وإلا لقالا به لما اشتهر عن الشافعي: إن صح الحديث فهو مذهبي. بل وعمل السلف لا يخصص عموم الحديث، وهذا كله ما لم يوهب ثواب القراءة للميت، وإلا كان نوعا من الدعاء الذي ينتفع به الميت قطعاً لما يأتي في سؤال القبر (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ولا يرد قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سمي) لأنها في السابقين، أو هي من العام المخصوص بغير ما ورد كالصدقة والدعاء والقراءة، أو هي في الكافر، وفي هذا إقناع لمن أراد الإنصاف، ومن أراد تأييد مذهب فليذهب كما يشاء. أهـ من كتاب التاج للشيخ منصور ناصف في باب الذكر والدعاء والقرآن عند المحتضر ص 368 جـ 1.

وورد في تفسير الشيخ الصاوي قوله صلى الله عليه وسلم:

أ - (وما من ميت يقرأ عليه يس إلا هون الله عليه).

ب - (إن في القرآن لسورة تشفع لقارئها وتغفر لمستمعها ألا وهي سورة يس، تدعى في التوراة المعمة. قيل =

ص: 385

خير سورتين قرئتا فعلَّمني: قل أعوذ بربِّ الفلق، وقل أعوذ برب الناس، فذكر الحديث.

= يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال تعم صاحبها بخير الدنيا، وتدفع عنه أهوال الآخرة، وتدعى أيضاً الدافعة والقاضية قيل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: تدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضي له كل حاجة.

جـ - (من قرأ يس حين يصبح أعطي يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلة أعطى يسر ليلة حتى يصبح) أي بتكرارها تصفو مرآة القلب، وترق طبيعته لأنها اشتملت على الوحدانية والرسالة والحشر، والإيمان بذلك متعلق بالقلب فلذلك سميت قلبا، ومن هنا أمر بقراءتها عند المحتضر، وعلى الميت لكونه القلب قد أقبل على الله ورجع عما سواه فليقرأ عنده به قوة ويقيناً. أهـ ص 254 جـ 4.

اللهم اجعل القرآن لنا نوراً وشفيعاً، وفهمنا أحكامه ووفقنا للعمل به.

(أسماء سورة الإخلاص)

أولا: الإخلاص. ثانياً: التنزيل. ثالثاً: التجريد، من تعلق بها تجرد عن الأغيار.

رابعاً: التوحيد. خامساً: النجاة، تنجي قارئها من النار.

سادساً: الولاية، من تعلق بها أعطاه الله الولاية.

سابعاً: الجمال، لدلالتها على جمال الله تعالى: (أي اتصافه بالكمالات، وتنزيهه عن النقائص.

ثامناً: المعرفة، من فهمها عرف الله تعالى. تاسعاً: المقشقشة: المبرئة من الشرك والنفاق.

عاشراً: المعوذة: المحصنة لقارئها من فتن الدنيا والآخرة.

الحادي عشر: الصمد. الثاني عشر: النسبة لقول المشركين انسب لنا ربك.

الثالث عشر: الأساس لأنها أصل الدين.

الرابع عشر: المانعة: تمنع فتنة القبر وعذاب القبر.

الخامس عشر: المحتضر، لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت.

السادس عشر: المنفرة، لأن الشياطين تنفر عند قراءتها.

السابع عشر: البراءة لأنها براءة من الشرك.

الثامن عشر: المذكرة، تذكر العبد خالص التوحيد.

التاسع عشر: النور، لأنها تنور القلب.

العشرون: الإنسان: لأنه لا غنى لأحد عنها أهـ صاوي.

(القرآن الكريم وأثره في اللغة)

القرآن: (كاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) فيه آيات بينات، ودلائل واضحات، وأخبار صادقة، ومواعظ رائعة، وشرائع راقية، وآداب عالية بعبارات تأخذ بالألباب، وأساليب ليس لأحد من البشر بالغاً ما بلغ من الفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها، أو يفيكر في محاكاتها فهو آية الله الدائمة، وحجته الخالدة (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكم حميد) أنزله الله على رسوله ليبلغه قومه، وهم فحول البلاغة وأمراء الكلام، وأباة الضيم، وأرباب الأنفة والحمية. فبهرهم بيانه، وأذهلهم افتنانه، فاهتدى به من صح نظره واستحصف. (1) عقله، ولطف ذوقه وصد عنه (2) أهل العناد والمكابرة واللجاج (3). فتحداهم. (4) أن يأتوا بمثله فنكصوا. (5) ثم بعشر سور مثله فعجزوا ثم بسورة من مثله فانقطعوا (6) فحق عليهم إعجازه (7). =

_________

(1)

استحكم.

(2)

أعرض عنه.

(3)

الخصومة.

(4)

تحدي الرجل خصمه: باراه ونازعه الغلبة في الشيء.

(5)

أحجموا.

(6)

انقطع في المحاجة: غلب وسكت بهراً أو انقطعت حجته.

(7)

أجمع المسلمون على أن القرآن معجز، وسلكوا إلى بيان إعجازه طرقا شتى، ونشير هنا إلى نقطة من بحر مما قالوه فهو معجز.

ص: 386

2 -

وفي رواية لأبي داود قال: بينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

= قال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)(1) 88 من سورة الإسراء، وقد علمت مما تقدم في حالة اللغة ما كان له من الأثر البين في توحيد اللغة ونشرها، وترقيتها من حيث أغراضها ومعانيها، وألفاظها وأساليبها، ونزيد هنا أنه قد أثر فيها ما لم يؤثره أي كتاب سماوية كان، أو غير سماوي في اللغة التي كانت بها. رذ ضمن لها حياة طيبة وعمرا طويلا وصانها من كل ما يشوه خلقها، ويذوي (2) غضارتها (3) فأصبحت، وهي اللغة الحية الخالدة من بين اللغات القديمة التي انطمست آثارها، وصارت في عداد اللغات التاريخية الأثرية، وأنه قد أحدث فيها علوما جمة وفنونا شتى لولاه لم تخطر على قلب، ولم يخطها قلم: منها اللغة، والنحو والصرف، والاشتقاق، والمعاني والبديع والبيان، والأدب، والرسم، والقراءات، والتفسير، والأصول، والتوحيد والفقه.

(إعجاز القرآن)

أجمع المسلمون على أن القرآن معجز، وسلكوا إلى بيان إعجازه طرقا شتى، ونشير هنا إلى نقطة من بحر مما قالوه فهو معجز.

أولا: من جهة أغراضه ومقاصده فتجده في كل غرض، وموضوع غ اية من الإبانة والجلاء، ونهاية في الإصابة واطراد الأحكام. فمن تشريع خالدة، وتهذيب بارع وتعليم جامع، وأدب بالغ، وإرشاد شامل، وقصص واعظ، ومثل سائر، وحكمة بالغة، ووعد ووعيد، وإخبار بمغيب إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد، وقد كان فحول البلاغة لا يبرز أحدهم إلا في فن واحد من أنواع القول. فمن يبرع في الخطابة لا ينبغ في الشعر، ومن يحسن الرجز لا يجيد القصيد، ومن يستعظم منه الفخر لا يستعذب منه النسيب، ولأمر ما ضربوا المثل بامرئ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب، والنابغة إذا رهب.

ثانياً: من جهة ألفاظه وأساليبه. فلا تجد منه إلا عذوبة في اللفظ، ودمائه في الأساليب، وتجاذبا في التراكيب، وليس فيها وحشي متنافر ولا سوق مبتذل، ولا تعبير عويص، ولا فواصل مستعملة على شيوع ذلك في كلام المفلقين، وأهل الحيطة المتروين حتى إنك لترى الجملة المقتبسة منه في كلام أفصح الفصحاء منهم تكسبه جمالا، وتشمله نورا، وتكسوه روعة وجلالا، إلى إجمال في خطاب الخاصة، وتفصيل في إفهام العامة، وتكنية العربي وتصريح للأعجمي، وغير هذا مما يقصر عن إحصائه الإلمام، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام.

ثالثاً: من جهة معانيه، فإنك تجدها من غير معين العرب الذي منه يستقون لا طراد صدقها وقرب تناولها واطمئنان النفوس إليها، وابتكارها البديع على غير مثال معهود من حجج باهرة، وبراهين قاطعة، وأحكام مسلمة، وتشبيهات رائعة على نماذج وتواصل، وبراءة من التقاطع والتدابر، وهو في جملته نزهة النفوس، وشفاء الصدور. وهو الكتاب الخالدة الذي لا تبديل لكلماته، ولا ناسخ لأحكامه ولا ناقض لحكمه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) 9 من سورة الحجر.

(جمع القرآن وكتابته)

نزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما على حسب الوقائع ومقتضيات الأحوال في بضع وعشرين سنة، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر كتاب وحيه بكتابة ما ينزل فكانوا يكتبونه بين يديه =

_________

(1)

مساعداً ومعيناً.

(2)

يذبل.

(3)

غضارة النبات والعيش ونضارته.

ص: 387

بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم

= في عسب (1) أو لخاف (2) أو أكناف (3) وهو يرشدهم إلى موضع كل آية من السورة التي ينبغي أن تكون فيها، وفي صحيح البخاري: أن جبريل كان يعارض (4) النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل عام مرة، وأنه عارضه به مرتين في العام الذي توفي فيه، وفي الإتقان (5) للسيوطي: أن زيد بن ثابت أكبر كتاب الوحي. شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها للرسول صلى الله عليه وسلم وقرأها عليه، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمع القرآن، وولاه عثمان كتابه المصاحف.

وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن كله مكتوب، وفي صدور الصحابة محفوظ، وإن لم يتفقوا في حفظه وترتيبه لأسباب شتى، ولما رأى عمر رضي الله عنه أن القتل قد استحرّ (6) بالحفاظ في وقعة اليمامة (7) حتى قتل منهم سبعمائة أشفق من ضياع القرآن. فذهب إلى أبي بكر وأخبره الخبر، وبعد أخذ ورد اتفقا على جمع القرآن وكتابته، وعهدا بذلك إلى زيد بن ثابت فجمعه من العسب واللخاف، والأكتاف والصدور، وكتبه صحفا، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حياته، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر.

وفي مدة عثمان كثرت الفتوح وانتشر القراء في الأمصار، وقرءوا القرآن بلغاتهم على تعددها، وأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا فخشي عثمان تفاقهم (8) أمر فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور، واقتصر فيه من جميع اللغات على لغة قريش لنزوله بلغتهم. أهـ ص 100 من الوسيط في الأدب العربي، وتاريخه تأليف أستاذي الشيخ أحمد الأسكندري والشيخ مصطفى عناني.

وقد قال القرطبي في مقدمة تفسير القرآن: جعل الله أمثاله عبرا لمن تدبرها، وأوامره هدى لمن استبصرها، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرق فيه بين الحلال والحرام، وكرر فيه المواعظ والقصص للأفهام، وضرب فيه الأمثال، وقص فيه غيب الأخبار. فقال تعالى:(ما فرطنا في الكتاب من شيء) خاطب به أولياءه ففهموا وبين لهم فيه مراده فعلموا. فقراء القرآن حملة سر الله المكنون، وحفظة علمه المخزون، خلفاء أنبيائه، وأمناؤه وهم أهله فيه مراده فعلموا. فقراء القرآن حملة سر الله المكنون، وحفظه علمه المخزون، خلفاء أنبيائه، وأمناؤه وهم أهله وخاصته، وخيرته وأصفياؤه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله أهلين منا. قالوا يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) أخرجه ابن ماجه في سننه، وأبو بكر البزار في مسنده. فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحييه. فإنه قد حمل أعباء الرسل، وصار شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل. قال الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) ألا وإن الحجة على من علمه فأغفله أوكد منها على من قصر عنه وجهله، ومن أوتي علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحا، ومن الجرائم فضوحا كان القرآن حجة عليه وخصما لديه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (القرآن حجة لك أو عليك) أخرجه مسلم. فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حتق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه ويتبين غرائبه. قال الله تعالى:(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته) وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته. =

_________

(1)

العسيب: الذي لم ينبت عليه الخوص من الجريد.

(2)

حجارة بيض رقاق.

(3)

مفردها كتف، وهو عظيم اللوح من الحيوان.

(4)

يقابله ويصنع معه مثل ما يصنع في القراءة.

(5)

كتاب السيوطي خاص بعلوم القرآن.

(6)

اشتد.

(7)

وهي الواقعة التي قتل فيها خالد بن الوليد مسيلمة المتنبي الكذاب.

(8)

تعاظم.

ص: 388

يتعوَّذ بأعوذ بربِّ الفلق، وأعوذ بربِّ الناس ويقول: يا عقبة تعوَّذْ بهما، فما تعوَّذ

= ويتدبره حق تدبره، ويقوم بقسطه ويوفي بشرطه، ولا يلتمس الهدى في غيره، وهدانا لأعلامه الظاهرة وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خيري الدنيا والآخرة. فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة، ثم جعل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا، وتفسير ما كان منه مشكلا، وتحقيق ما كان منه محتملا ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به ومنزلة التفويض إليه. قال الله تعالى:(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على مانيه، وأشار إلى أصول ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد. فيمتازوا بذلك عن غيره، ويختصوا بثواب اجتهادهم. قال الله تعالى:(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فصار الكتاب أصلا، والسنة له بيانا، واستنباط العلماء إيضاحا وتبيانا. أهـ ص 6 جـ 1.

(قارئ القرآن وواجباته عند القراءة)

أولاً: (يتغنى بالقرآن) أي يمد في قراءته ويرتلها، أو يستغني به عما سواه كما ذهب إليه البخاري. قال تعالى:(أو لم يكفهم أنا أنزلنا الكتاب يتلى عليهم) وقيل معنى (يتغنى به) يتحزن به: أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزير كأزير المرجل من البكاء. الأزيز: صوت الرعد وغليان القدر.

ثانياً: الترتيل في القراءة: التأني فيها والتمهل، وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالنغم المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن: قال الله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) 4 من سورة المزمل.

ثالثاً: اجتناب الرياء وتحذير أهل القرآن والعلم منه.

أ - قال سفيان بن عيينة بلغنا عن ابن عباس أنه قال: (لو أن حملة القرآن أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس.

ب - وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله تعالى: (فكبكبوا فيها هم والغاوون) قال قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره ص 17 جـ 1 قرطبي.

رابعاً: ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ونهاره في الصلاة، أو في غير الصلاة لئلا ينساه (كالإبل المعلقة) ويصون نفسه عن الشبهات، ويتواضع للفقراء، ويتحلى بالحلم والوقار، والرفق والأدب، ويؤمن شره ويرجي خيره، ويتعلم أحكام القرآن. قال تعالى:(ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب) ولذا قال الضحاك: حق على كل من تعلم القرآ أن يكون فقيها ص 18 جـ 1.

(ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته، كما ذكرها القرطبي)

ألا يمسه القارئ إلا طاهرا، وأن يقرأ وهو على طهارة، وأن يستاك ويتخلل فطيب فاه، وأن يلبس كما يلبس للدخول على الأمير لأنه مناج، وأن يستقبل القبلة لطهارته، وأن يتمضمض كلما تنخع، وإذا تثاءب يمسك عن القراءة لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج، والتثاؤب من الشيطان، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتدائه للقراءة، ويقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة، وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلامه فيخلطه بجوابه، وأن يقرأ على تؤدة وترسل وترتيل، وأن يستعمل ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به، وأن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى =

ص: 389

متعوِّذ بمثلهما. قال: وسمعته يؤُمُّنا بهما في الصلاة.

= ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه، وأن يتأمل في أمثاله فيمتثلها، وأن يلتمس غرائبه وأن يؤدي بكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما فإن له بكل حرف عشر حسنات، وإذا انتهت قراءته يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك أنه حق فيقول: صدقت ربنا، وبلغ رسولك، ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط، ثم يدعو بدعوات، وإذا قرأه لا يلتقط الآي من كل سورة فيقرأ (أي يقرأ على السور) وإذا وضع الصحيفة لا يتركه منشورا، ولا يضع فوقه شيئاً من الكتب حتى يكون أبدا عاليا، وأن يضعه في حجره إذا قرأه، أو على شيء بين يديه ولا يضعه بالأرض، وألا يمحوه من اللوح بالبصاق بل يغسله بالماء ويتوفى النجاسات، وكان السلف الصالح يستشفي بغسالته، وألا يتخذ الصحيفة وقاية للكتاب، وألا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة، وأن يعطي عينيه حظهما منه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أعطوا أعينكم حظها من العبادة. قالوا يا رسول الله وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف والتفكير فيه والاعتبار عند عجائبه) وألا يتأوله عندما يعرض له شيء من أمر الدنيا: أي إذا جاءك أحد فلا تقل (جئت على قدر يا موسى) أو (كانوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، وألا يقعر في قراءته، وألا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل الفسق، ولا بترجيع النصارى ولا نوح والرهبانية وأن يجلل تخطيطه إذا خطه، وألا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ما يسمع كهيئة المغالبة، وألا يماري أو يجادل فيه في القراءات، وألا يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللغط واللغو ومجمع السفهاء. ألاترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن، وأثنى عليهم بأنهم رذا مروا باللغو مروا باللغو مرورا كراما هذا لمروره بنفسه فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء، وألا يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه، ولا يرمي به إلى صاحبه إذا أراد أن يناوله، وألا يصغر المصحف (مصيحف كمسيجد) وألا يخلط فيه ما ليس منه، وألا يحلى بالذهب ولا يكتب بالذهب فتخلط به زينة الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم:(إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم): الدبار الهلاك، وألا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل بهذه المساجد المحدثة.

مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب في أرض. فقال لشباب من هذيل: ما هذا؟ قال من كتاب الله كتبه يهودي. فقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه) ورأى عمر بن عبد العزيز ابناً له يكتب القرآن على حائط فضربه، وأن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور كما كان صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات لئلا يكون في هيئة المهجور، ويستحب له إذا ختم القرآن أن يجمع أهله (أي دعا) وألا يكتب التعاويذ منه، ثم يدخل في الخلاء به إلا أن يكون في غلاف من أدم: أي جلد أو فضة أو غيره فيكون كأنه في صدرك، وإذا كتبه وشربه سمي الله تعالى على كل نفس وعظم النية فيه. فإن الله تعالى يعطيه على قدر نيته، وعن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب يس في جام بزعفران ثم يشربه. أهـ ص 26 جـ 1.

قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وفي صفحة 77 جـ 1 من كتاب الترغيب والترهيب كتبت في الفتح الجديد ما فهمته من فقه الأحاديث الواردة، وأرجو أن أرضي ربي جل وعلا، وحبيبه صلى الله عليه وسلم، ومعاذ الله أن أحرم حلالا أو أحلل حراما، ولأذكر ما أتحفنا به أصحاب الفضيلة السادة العلماء:

أ - من محاضرة أستاذنا العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقاً. =

ص: 390

3 -

ورواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: قلت يا رسول الله: أقرئني آياً من سورة

= قال حفظه الله تعالى:

قد علمت أن الذي يسمع من الكلام بواسطة تلك الآلة المسماة بالراديو ألفاظ وكلمات حقيقة، وليست صدى كلمات كالذي يسمع في الجبال وغيرها.

فإن الصدى هو انعكاس سماع المسموع فيسمع مرة ثانية كانعكاس أشعة البصر التي بها تبصر الصورة في المرأة وحينئذ إذا كانت الألفاظ المسموعة ألفاظا قرآنية فهي قرآن حقيقة، وهي كلام الله كالذي سمعه موسى عليه السلام بلا واسطة، أو بواسطة الشجرة، وإنما كانت كلام الله، لأن الكلام إنما ينسب للمتكلم باعتبار ترتبه إياه أزلا بلا حرف ولا صوت، إما في نفسه كما في كلام البشر. فإن الإنسان يرتب كلام نفسه بلا حرف ولا صوت بملكته التي تسمي كلام أيضا، وهي ضد الجرس الباطني، ثم يتكلم به أو يكتبه لأجل التفهيم والتفهم حتى لو اطلع غيره على ما في نفسه لفهم معنى الكلمات التي في نفسه دون حاجة إلى تكلم، ولا كتابة ولا غير ذلك مما يحتاج إليه في التفهيم والتفهم، وإما في علمه أزلا كما في كلام الله تعالى فإنه أزلا رتب كلامه الأزلي في علمه بلا حرف ولا صوت بصفته الأزلية المسماة كلاما أيضا، وهي صفة واحدة ذاتية له تعالى يقال فيها ما قيل في سائر الصفرات من القدرة والإرادة الخ، ثم يبرزه كلمات لفظية مرتبة على وفق ترتيب الكلمات النفسية لأجل التفهيم والتفهم.

فالحادث هو اللفظ لا الملفوظ. فكان أن كلام زيد الذي رتبه في نفسه ينسب إليه بهذا الاعتبار ولو تكلم به غيره، كذلك كلام الله ينسب إليه تعالى باعتبار أنه رتبه في علمه أزلا ولو تكلم به ألف متكلم وتلك الكلمات اللفظية هي التي نزل بها جبريل عليه السلام، وأقرأها لمحمد صلى الله عليه وسلم باعتبار أن الله تعالى أجراها على لسان جبريل عليه السلام بدون تدخل في ذلك لأحد ليكون ذلك دليلا على الكلمات الأزلية النفسية. يفهم منها ما يفهم من الكلمات النفسية فهي كلام الله تعالى أيضا، وهي القرآن بقطع النظر عمن صدرت عنه أو سمعت منه، ومتى علمت أن الذي يسمع من ألفاظ القرآن بواسطة الراديو هو قرآن حقيقة، وهو كلام الله تعالى بلا شك. نقول إذا صدرت تلك الكلمات القرآنية بواسطة الراديو هو قرآن حقيقة، وهو كلام الله تعالى بلا شك. نقول إذا صدرت تلك الكلمات القرآنية بواسطة الراديو مستوفية للشروط وأحكام التجويد من مد وغنة: وتفخيم وترقيق، وإخفاء وإظهار، وفك وادغام، ووصل ووقف بحيث تخرج الحروف من مخارجها، ويستعمل ذلك في موضعه دون إسراع، وإفراط في المد، وإشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة ياء، أو إدغام في غير موضعه. نقول إذا صدرت تلك الكلمات القرآنية بواسطة الراديو دون خلل في القراءة، ومع مراعاة أحكام التجويد، ولو لم يقصد القارئ التعبد بتلاوتها، وإسماعيل للعظة والاعتبار والتدبر، وفي محل غير ممتهن. فلا شك في الجواد، وفي أن كلا من القراءة والسماع عبادة. أما إذا اختلت حروف تلك الكلمات ولم تصدر مستوفية لما ذكرناه، أو قصد بقراءتها وإسماعيل اللهو واللعب، والعبث والتلهي مثلا، أو كانت في محل ممتهن كالخمارات والقهاوي، وأماكن الرقص ومواضع الملاهي، وفي كل موطن لا يليق قراءة القرآن فيه ولا سماعه. فلا شك في منع ذلك وعدم جوازه لأن ذلك استهزاء وإخلال بكلمات الله جل شأنه، ولما كان المسموع من الراديو هو صوت إنسان ذي قصد وشعور: والمسموع هو القرآن دون محاكاة، ولا صدى لصوته. فله كل حكم يتعلق بسماع القرآن بغير راديو وحينئذ يجب على سامع آية السجدة أو يسن له سجود التلاوة يفعله متى أمكنه ذلك. وبالجملة فوجوب سجود التلاوة عند سماع آية السجدة، أو سنيته يتوقف بعد كون المسموع قرآنا على شروط قد تكفلت ببسطها كتب الفقه الإسلامية، وقد يقال: قد لا يجب سجود التلاوة إذا سمعت آية السجدة من مكان بعيد لم تجر العادة بسماع الصوت منه قياسا على رؤية هلال رمضان حيث لا يجب الصوم إذا رآه حاد البصر جدا وإنما يجب إذا رآه معتدل البصر وهو وجه وجيه، إلا أن الأحوط أن يسجد عند الإمكان وهو الأفضل، وحيث كانت القراءة =

ص: 391

هودٍ، وآياً من سورة يوسف، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا عقبة بن عامر، إنَّك لن تقرأ سورة أحبَّ إلى الله، ولا أبلغ عنده من أن تقرأ: قلْ أعوذ برب الفلق. فإن استطعت أن لا تفوتك في الصلاة فافعلْ. ورواه الحاكم بنحو هذه. صحيح الإسناد، وليس عندهما ذكر: قلْ أعوذ بربِّ الناس.

= صحيحة على الصورة المتقدمة. فإن الاستماع حينئذ يكون عبادة يثاب عليها المستمع فحينئذ يطلب الاستماع من كل إنسان مكلف لقوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعكلم ترحمون) أي أقصدوا سماعه مع إنصات وعدم كلام، ولعب وشرب دخان في مجلسه. إذ أن مجلس قراءة القرآن أو سماعه هو مجلس مناجاة العبد لربه، والمخلوق لخالقه الذي له ملك السماوات والأرض، وقال في ص 35: وأما الخلل الذي يقع في الراديو فيؤثر على القراءة سواء كان مصدره الاضطرابات الجوية، أو سواء أدب التالي أو سوء قصد المذيع والمستعمل للجهاز، أو جاء من ناحية المستمع، أو تسبب عنه امتهان للقرآن الكريم.

فهو منكر تجب إزالته، ويدخل حكمه تحت باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهما فريضتان على جماعة المسلمين: فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع وارتكب كل فرد وزرا ومعصية.

تلك كلمة نقلتها من مجلة الإرشاد لسان حال أئمة المساجد والوعاظ للسنة الأولى غرة ربيع الثاني سنة 1352 هـ العدد الثاني عشر صفحة 230.

(سماع القرآن من الراديو كما في باب الفتاوى والأحكام)

إن الذي يسمع من الكلام بواسطة الراديو هو كلام المتكلم وصوت القارئ، وليس صدى كلمات كالذي يسمع في الجبال والصحاري وغيرها، وعلى هذا يكون المسموع من الراديو قرآنا حقيقة، فمتى كان القارئ جالسا في محل غير ممتهن، وكان في قراءته مراعيا ما تجب مراعاته، مستوفيا شروط القراءة، وليس في قراءته خلل كانت قراءته جائزة، والمسموع منه قرآنا سماعه جائز ومثاب عليه. أما إذا لم يستوف الشروط كأن جلس في محل ممتهن، أو أخل بشرط من القراءة، أو قصد من قراءته اللهو واللعب فلا تجوز: ولا يضر القارئ متى كان مستوفيا الشروط، مراعيا أحكام التجويد، وكان على الوصف الذي قدمنا أن يسمع صوته في محل لا يجوز القراءة فيه، وعلى السامع أن يستمع، وإذا وجد من يشوش نهاه عن التشويش، ومثل القراءة غيرها في أن المسموع هو نفس المتكلم. فإن كان مغنيا فحكمه حكم الغناء، وإن تكلم بما هو مباح فحكمه الإباحة، وإن تكلم بمحرم كان ذلك محرما والله أعلم. أهـ من مجلة نور الإسلام ص 358 المجلد الرابع سنة 1352 لفضيلة الأستاذ المرحوم الشيخ طه حبيب رحمه الله تعالى.

وفي كتاب بلغة السالك لأقرب المسالك تأليف الشيخ أحمد الصاوي على شرح سيدي أحمد الدردير نفعنا الله ببركتهما، وأعاد علينا من نفحاتهما ص 142 جـ 1 إرشاد السيد الملطي بك مدير الضرائب.

أما قراءة القرآن على الأبواب وفي الطريق قصدا لطلب الدنيا فحرام، ولا يجوز الاعطاء لفاعل ذلك لما فيه من الإعانة على المحرم. لا سيما في مواضع الأقذار. فكادت أن تكون كفروا، والرضا بها من أولى الأمر ضلال مبين. أهـ.

وإني أريد أن يحترم المسلمون كتابهم العزيز، ويقبلوا على تعاليمه ليعلموا، ويتحلوا بآدابه، ويهجر واللغو أثناء قراءته عسى الله أن يرحمنا جميعا، ويظلنا بالسكينة ويرأف ويرأف بنا ويوفقنا. وأقول كما قال القرطبي: فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه، وآذاننا موارد سنن نبيه، وهممنا مصروفة إلى تعلمهما، والبحث عن عرائبهما. طالبين بذلك رضا رب العالمين، ومتدرجين به إلى علم الملة والدين.

ص: 392