الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم
1 -
عنْ زينب الثَّقفية امرأة عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنهما قالتْ: قال
= ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) 92 من سورة يونس.
أي أتؤمن الآن، وقد أيست من نفسك، ولم يبق لك اختيار. (المفسدين): الضالين المضلين عن الإيمان (ننجيك): ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافياً، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل. (ببدنك): عارياً عن الروح أو كلاما سويا، أو عرياناً من غير لباس، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها لتكون لمن وراءك علامة إذ كان في نفوس بني إسرائيل من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه الصلاة والسلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحاً على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالا عن الطغيان، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن، وكبرياء الملك مقهور مملوك بعيد عن مظان الربوبية فقد كشف الله تزويرك، وأماط الشبهة في أمرك، وذلك دليل على كمال قدرة الخالق جل وعلا وعلمه وإرادته، وإن إزالة ملك هذا الطاغية معنى من معاني بغض الله وكراهته للظالمين، فالعدل يعمر، والظلم يدمر، وقديماً قيل: العدل أساس الملك. قال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) 50 من سورة القصص. أي الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، فما للهم وفقنا لنتبع السيد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونترسم شرعه. وقال تعالى:(قذ أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها) 11 من سورة الشمس. أي أنماها بالعلم والعمل، وفيه الحث على تكميل النفس، والإلتجاء إلى التضرع إلى الخالق جل وعلا رجاء السير على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم. (دساها): نقضها وأخفاها بالجهالة والفسوق.
المنفق يعطيه الله حتى يرضى، ويعافيه من العسر، وييسر له اليسر
تزود يا أخي ما أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن تتعود السخاء فيزيد الله رزقك، ويقيك المكاره، ويعينك على طاعته، ويهيئ لك طرق السداد والرشاد، ويذلل لك سبل السعادة، ومصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى:(فأما من أعطى وانقى 5 وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ما له إذا تردى. إن علينا للهدى. وإن لنا للآخرة والأولى. فأنذرتكم تاراً تلظى. لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى. وسيجنبها الأتقى. الذي يؤتى ماله يتزكى. وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف يرضى) 21 من سورة الليل: أي أعطى الطاعة وجاد في الخير، وأحسن إلى الفقراء، واتقى المعاصي، وخاف الله وعمل صالحاً. (بالحسنى): بكلمة التوحيد بمعنى أنه رجا الله، وواثق به وخشيه. (فسنيسره) فسنهيئه للخلة التي ودي إلى يسر وراحة كدخول الجنة.
(بخل): شح بما أمر به، ولم يؤد الزكاة ولم يتصدق بمعنى أه لم يفعل الواجبات والنوافل. (للعسرى): للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار. يا أخي: ثق بهذا وتصدق وافعل الخير، والله يجازيك الجزاء الأوفى، ويزيل عنك السوء ويحفظك ويشفيك، ويلهمك الصواب والحكمة، ولقد أخبرك جل وعلا أن مالك لا ينفعك إذا مت إلا إذا أنفقته في مرضاة الله، وابتغاء ثوابه. (تردى): هلك أو وقع في حفرة جهنم. (للهدى): تفضل من الله جل وعلا أن يبين الإرشاد إلى الحق. (وإن لنا للآخرة والأولى): أي الله تعالى مالك الدنيا والآخرة. يقول جلالة وعظمة: (تعطى في الدارين ما نشاء لمن نشاء، أو ثواب الهداية للمهتدين، أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء). (تلظى): تتلهب. (لا يصلاها): لا يلزم مقاسياً شدتها. =
رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدَّقْنَ يا معْشرَ النِّساء ولو منْ حُليِّكُنَّ، قالتْ: فرجعْتُ
= (إلا الأشقى): الكافر الذي كذب الحق، وأعرض عن الطاعة والفاسق، لا يلزمها (الأتقى): الذي اتقى الشرك والمعاصي. (يؤتى ماله): يصرفه في مصارف الخير. (ولسوف يرضى): وعد بالثواب الذي يرضيه. والآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة تولاهم المشركون فأعتقهم، ولذلك قيل: المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف أهـ بيضاوي.
هذا أبو بكر رضي الله عنه منذ ظهر فجر الإسلام وسيرته أندى من المسك لأنه أنفق لله، وأحب في الله، وهو جدير بكل ثناء ومدح.
فسر بنا في ذمام (1) الليل معتسفا (2)
…
فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل (3)
فالحب (4) حيث العدا (5) والأسد رابضة
…
حول الكناس (6) لها غاب (7) من الأسل (8)
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها
…
ما (9) بالكراثم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهن في كبد
…
حري ونار القرى منهم على القلل (10)
(الغني يخلد في النعيم إذا أنفق ماله لله في الصالحات، والمال الكثير يجر إلى المعاصي)
إذا أعطى الله الإنسان مالا وفيرا، فصرفه في وجوه الخير، وفي الطيبات، وأدى حقوق الله فيه فاز بعز الله، وتمتع بالسعادة في حياته ومماته. أما إذا بخل، وقصر في الزكاة، ونأى عن الصدقات جرى مضاره في شهواته وضيعه في الموبقات وارتكب به الخطايا، وامتلأت مجالسه بالغيبة والنميمة، وباء بالخسران، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن (الأخنس بن شريق) وكان مغياباً، أو (الوليد بن المغيرة) واغتيابه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:
أ - (ويل لكل همزة لمزة. الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخذه. كلا لينبذن في الحطمة) 4 من سورة الهمزة الهمز: الكسر كالهمز، واللمز. الطعن فشاعا في الكسر من أعراض الناس، والطعن فيهم. (وعدده) أي جعله عدة للنوازل أو عدة مرة بعد أخرى. (أخلده): تركه خالداً في الدنيا فأحبه كما يحب الخلود، أو حب المال أغفله عن الموت، أو طول أمله حتى حسب أنه مخلد، فعمل عمل من لا يظن الموت، وفيه تعريض بأن المخلد هو السعي للآخرة. (كلا): ردع له عن حسبانه. (لينبذن في الحطمة): ليطرحن في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها.
وشاهدنا رجل ثري اغتر بكثرة ماله وبغى واغتاب ونم، وعادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن به صلى الله عليه وسلم، ولم يعمل صالحا فاستحق عذاب الله. (وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدة) من سورة الهمزة. (تطلع على الأفئدة): تعلو أوساط القلوب لأنها محل العقائد الزائغة، ومنشأ الأعمال القبيحة. (مؤصدة): مطبقة وموثقين في أعمدة ممدة مثل المقاصرة التي تقطر فيها اللصوص أهـ بيضاوي.
انتقل أيها الأخ إلى سيرة أبى لهب، فإنه صلى الله عليه وسلم جمع أقاربه كما أمره سبحانه وتعالى:(وأنذر عشيرتك الأقربين) فأنذرهم، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا، وأخذ حجراً ليرميه به فنزلت. =
_________
(1)
كفالة وضمانة.
(2)
سالكا طريقاً من غير دليل.
(3)
رائحتهم الذكية تدلنا على بيوتهم.
(4)
المحبوب.
(5)
مبتدأ والخبر محذوف أي به.
(6)
موضع الظبى في الشجر.
(7)
أجمة.
(8)
الشجر الطويل. صلى الله عليه يا من صاحبت فأحببت وأثمرت وأعليت.
(9)
فاعل زاد.
(10)
أعالي الجبال.
إلى عبد الله بن مسعودٍ، فقلت: إنَّك رجل خفيف ذات اليد، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدْ أمرنا بالصَّدقة فائتهِ فاسْأله، فإنْ كان ذلك يجزئ عنِّي وإلا صرفتها إلى غيركمْ، فقال عبْد الله بل ائْتهِ أنت، فانْطلقتُ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل (1) حاجتها حاجتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيتْ عليه المهابة، فخرج ع لينا بلال رضي الله عنه فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن أمرأتين بالباب يسألانك أتجزئ الصَّدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخْبرهُ من نحن. قالتْ: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال
= ب - (تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب): أي مكسوبه بماله من النتائج والأرباح والوجاهة والأتباع، أو عمله الذي ظن أنه ينفعه أو ولده عتبة، وقد افترسه أسد في طريق الشام، وقد أحدق به العير، ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدوده، وترك ثلاثاً حتى أنتن، ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، فهو إخبار عن الغيب طابقه وقوعه أهـ بيضاوي.
وشاهدنا رجل طمس الله على بصيرته، فلم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه الغرور بماله فلم يشيد به الصالحات، ولعل في ذلك عبرة للمسلمين الأغنياء أن يقبلوا على طاعة الله، ويعملوا صالحا، وينفقوا حبا في الله، فالإنسان بفطرته يحب المال، ولكن يعالجها بالإنفاق، والميل إلى فعل الخيرات.
قال تعالى:
جـ - (إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) وانه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يؤمئذ لخبير) (11) من سورة العاديات.
(لكنود): أي لكفور يجحد نعمة الله ويعصيه، فإن علامة شكر الله سبحانه طاعته والعمل بكتابه وسنة حبيبه. (لشهيد): يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو إن الله سبحانه وتعالى على كفران نعمه لشهيد، فيكون وعيدا. (لحب الخير): المال، من قوله سبحانه وتعالى:(إن ترك خيراً): أي مالا. (بعثر): بعث (ما في القبور): من الموتى. (الصدور): ظهر من خيرا أو شر. (الخبير): عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه، وعلى هذا الإنفاق من علامات المتقين كما أخبر الله تعالى في محكم كتابه، والبخل من شيم الأشرار كما رأيت. قال عز شأنه:
أ - (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) 2 من سورة البقرة.
ب - (يأيها النفس المطمئنة 27 ارجعي إلى ربك راضية مرضية 28 فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) 29 من سورة الفجر.
جـ - (وجود يومئذ ناعمة 9 لسعيها راضية. في جنة عالي. لا تسمع فيها لاغية. فهيا عين جارية. فيها سرر مرفوعه، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة) 17 من سورة الغاشية.
د - (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره 7 ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) 8 من سورة الزلزال.
هـ - (فأما من ثقلت موازينه 6 فهو في عيشة راضية 7 وأما من خفت موازينه 8 فأمه هاوية 9 وما أدراك ماهيه 10 نار حامية) 11 من سورة القارعة.
(1)
في ن ع حذف مثل ص 304.
له رسول الله صلى الله عليه وسلم: منْ هُما؟ فقال: امرأة من الأنصار، وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الزَّيانب؟ قال: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهما أجْران القرابة، وأجر الصدقةِ (1) رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.
2 -
وعن سلمان بن عامرٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرَّحم ثنتان: صدقة، وصلة (2). رواه النسائي والترمذي وحسنه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ولفظ ابن خزيمة قال:
الصَّدقة على المسكين صدقة، وعلى القريب صدقتان: صدقةٌ، وصلةٌ.
3 -
وعن حكم بن حزامٍ رضي الله عنه أنَّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن الصَّدقات أيها أفضل؟ قال: على ذي الرَّحم الكاشح. رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن.
(الكاشح) بالشين المعجمة: هو الذي يضمر عداوته في كشحه، وهو خصره، يعني: أنَّ أفضل الصَّدقة على ذي الرَّحم القاطع المضر العداوة في باطنهِ.
4 -
وعنْ أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصَّدقة: الصَّدقة (3) على ذي الرَّحم الكاشح. رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
5 -
وعنْ أبي أمامة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ الصَّدقة على ذي قرابة يضعَّف أجرها مرَّتين. رواه الطبراني في الكبير من طريق عبيد الله بن زحر.
(1) أي أعطاك الله الثواب مضاعفا جزاء الاحسان إلى الأقارب والإنفاق لله.
(2)
بر، وعطف، ومودة، وعنوان محبة، وسبب تآلف، وراحة ضمير، ومعين شفقة.
(3)
كذا ع ص 304 وط وفي ن د: أفضل الصدقة على ذي الرحم: أي على صاحب قرابة لك من العمومة والخؤولة.