الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزَّة التي لا ترام. أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك، ونور وجهك أن تنوِّر (1) بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرِّج به عنْ قلبي وأن تشرح به صدري، وأن تستعمل به بدني، فإنه لا يعينني على الحقِّ غيرك، ولا يؤتينيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمعٍ (2)، أوْ خمسا، أو سبعاً تجاب (3) بإذن الله، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قطُّ. قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: فوالله ما لبث عليٌّ إلا خمساً، أو سبعاً حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك المجلس، فقال يا رسول الله: إني كنت فيما خلا (4) لا آخذ إلا أربع آيات ونحوهن، فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن، وأنا أتعَلَّمُ اليوم أربعين آية ونحوها، فإذا قرأتهنَّ (5) على نفسي فأكنما كتاب الله بين عينيَّ (6) ولقد كنت أسمع الحديث، فإذا ردَّدْته تفلَّت (7)، وأنا اليوم أسمع الأحاديث، فإذا تحدَّثت بها لمْ أخرم منها حرفاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: مؤمن وربِّ الكعبة، يا أبا الحسن. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم.
ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، إلا أنه قال: يقرأ في الثانية بالفاتحة، وألم السَّجدة، وفي الثالثة: بالفاتحة والدُّخان، عكس ما في الترمذي، وقال في الدعاء: وأنْ تشغل به بدني مكان، وأن تستعمل، وهو كذلك في بعض نسخ الترمذي، ومعناهما واحد، وفي بعضها، وأن تغسل.
(قال المملي) رضي الله عنه: طريق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدا، والله أعلم.
(الترغيب في تعاهد القرآن وتحسين الصوت به)
1 -
عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّما مثلُ
(1) تضيء عيني فأنظر إلى الحلال الطيب.
(2)
أسابيع.
(3)
تدرك طلبتك بإذن الله الله وتيسيره.
(4)
خلا: سبق.
(5)
قرأتهن. كذا د وع ص 489، وفي ن ط: قرأتها.
(6)
متمثل أمامي فلا أخطئ ولا أنسى.
(7)
التفلت، والإفلات، والانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث.
صاحب القرآن كمثل الإبل المعقَّلة (1) إنْ عاهد عليها أمسكها، وإنْ أطلقها ذهبتْ. رواه البخاري ومسلم.
وزاد مسلم في رواية: وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره (2)، وإذا لم يقم به نسيه.
2 -
وعنْ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية (3)
كيتَ وكيْتَ، بلْ هي نسِّيَ، استذْكروا القرآن، فلهو أشدُّ تفصِّيا (4) من صدور الرِّجال من النَّعمِ بعقلها. رواه البخاري هكذا، ومسلم موقوفاً.
3 -
وعنْ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمدٍ بيده لهو أشدُّ تفلتاً من الإبل في عقلها. رواه مسلم.
4 -
وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ما أذن (5) الله لشيء كما أذن لنبيٍ حسن الصَّوت يتغنَّى (6) بالقرآن يجهر به. رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وأبو داود النسائي.
(قال الحافظ) أذن بكسر الذال. أي ما استمع لشيء من كلام الناس كما استمع
(1) التي تعقل: أي يوضع في رجليها العقال: الحبل الذي يربطها ويحكم حفظها.
قال النووي: فيه الحث على تعاهد القرآن وتلاوته والحذر من تعريضه النسيان، قال القاضي: ومعنى صاحب القرآن، أي الذي ألفه، والمؤالفة: المصاحبة أهـ ص 77 جـ 6.
(2)
يتعاهده ويكثر من تلاوته، وفيه الحث على قراءة القرآن رجاء (أن الله يبقي هذه النعمة محفوظة في صدره القارئ).
(3)
أي ذم ذلك الغافل الذي يسند لنفسه نسيان كلام الله تعالى. بل الذي أنساه ربه سبحانه، ونسي فعل ماضي مبني للمجهول والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى.
قال النووي: فيه كراهة قول: نسيت آية كذا، وهي كراهة تنزيه، وأنه لا يكره قول أنسيتها، وإنما نهي عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها، والتغافل عنها، وقد قال الله تعالى:(أتتك آياتنا فنسيتها) وقال القاضي عياض: أولى ما يتأول عليه الحديث: أن معناه ذم الحال لا ذم القول: أي نسيت الحالة: حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه.
(4)
انفصالا، والنعم تذكرو تؤنث، والمراد بروايته بالباء كما قال النووي من كما في قوله الله تبارك وتعالى (عيناه يشرب بها عباد الله).
(5)
أذن: استمع، ويستحيل على الله الاستماع. بل هو مجاز معناه الكناية عن تقريبه القارئ وإجزال ثوابه، لأن سماع الله تعالى لا يختلف فوجب تأويله. أهـ ص 78 جـ 6.
(6)
قال الشافعي وموافقوه: معناه تخزين القراءة وترقيقها.
الله إلى من يتغنى بالقرآن: أي يحسِّن به صوته، وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء، وهو مردود.
5 -
وروي ابن جرير الطبري هذا الحديث بإسناد صحيح، وقال فيه: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيٍ حسن التَّرنّمِ (1) بالقرآن.
6 -
وروي الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم والبيهقي عن فضالة بن عبيد: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: لله أشدُّ أذناً للرجل الحسن الصَّوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينتهِ. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.
(القينة) بفتح القاف، وإسكان الياء المثناة تحت بعدها نون: هي الأمة المغنِّية.
7 -
وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيِّنوا القرآن بأصواتكمْ. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(قال الخطابي) معناه: زيِّنوا (2) أصواتكم بالقرآن. هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب كما قالوا: عرضت الناقة على الحوض: أي عرضت الحوض على الناقة، وكقولهم إذا طلعت الشعري، واستوى العود على الحرباء. أي استوت الحرباء على العود، ثم روي بإسناده عن شعبة. قال: نهاني أيوب أن أحدث: زينوا القرآن بأصواتكمْ. قال. رواه معمر عن منصور عن طلحة، فقدّم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح أخبرناه محمد بن هاشم، حدثنا الديري. عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن منصور، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
زيِّنوا أصواتكمْ بالقرآنِ، والمعنى: اشغلوا أصواتكم بالقرآنِ، والهجوا به، واتخذوه شعاراً، وزينةً. انتهى.
8 -
وروي عن سعدٍ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
(1) الترنم: الترطيب والتغني، وتحسين الصوت بالتلاوة، ويطلق على الحيوان والجماد. يقال ترنم الحمام والقوس. أهـ نهاية.
الله تعالى يقبل برحمته وإحسانه ورضوانه على ذلك القارئ المرتل المجيد الألفاظ، كثير الخشية والرغبة أشد من إقبال السيد المقبل على سماع صوت جاريته، وهذا مجاز ليفهم القارئ أنه في كنف الله وإحاطته إذا أجاد تلاوته، وأحسن قراءته.
(2)
أجيدوا.
الله عليه وسلم يقول: إنَّ هذا القرآن نزل بحزنٍ (1)، فإذا قرأتموه فابكوا، فإنْ لمْ تبكوا، فتباكوا وتغنَّوا به، فمنْ لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا، رواه ابن ماجه.
9 -
وروي عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ منْ أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه (2) يخشى الله. رواه ابن ماجه أيضاً.
10 -
وعن ابن أبي مليكة قال: قال عبيد الله بن أبي يزيد رضي الله عنهما: مرَّ بنا أبو لبابة فاتَّبعناه حتى دخل بيته فدخلنا عليه، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منَّا من لمْ يتغنَّ بالقرآن. قال: فقلتُ لابن أبي مليكة: يا أبا محمدٍ: أرأيت إنْ لمْ يكنْ حسن الصَّوْتِ؟ قال: يحسِّنُه (3)
(1) لشدائد ومهام أعمال، وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزنه أمر صلى: أي أوقعه في الحزن. أقرأ بالتحزين أرق صوته به.
(2)
ظننتموه. قال صالح المري: قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قرأتم سجدة سبحان فلاتعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب. أهـ ص 249 جـ 1 إحياء الغزالي.
(3)
يرتل بتؤدة، ويكفر في معنى ما يقرأ، ويجتنب الهذرمة الاستعجال، وقد نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب من أن أقرأ القرآن كله هذرمة.
ونقل الإجماع استجاب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن. وأخرج أبو داود من طريق بن أبي مسجعة قال (كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم) ص 74 جـ 9 فتح.
(فقه الباب)
أولا: الذي يداوم على قراءة القرآن يذلل الله على لسانه، ويسهل على قراءته. فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه.
ثانياً: شبه صلى الله عليه وسلم درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد. فما زال التعاهد موجودا فالحفظ موجودا، كما أن البعير ما دام مشدودا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورا.
ثالثاً: بئسما. بئس فعل ماض الذم، ومان كرة مصوفة، وأن يقول مخصوص بالذم: أي بئس شيئاً قول الرجل.
رابعاً: نسي. قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان تعليه لتفريطه في معاهدته، واستذكاره =