الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترغيب في صيام رمضان احتسابا، وقيام ليله سيما ليلة القدر وما جاء في فضله
1 -
عنْ أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: منْ قام ليلة القدر إيماناً (1) واحتسابا (2) غفر له ما تقدَّم من ذنبهِ، ومن صامَ (3) رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبهِ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه مختصراً.
2 -
وفي رواية للنسائي أنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: منْ صام (4) رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبهِ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّمَ من ذنبهِ. قال: وفي حديث قتيبة: وما تأخَّر.
(قال الحافظ): انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان، وهو ثقة ثبت، وإسناده على شرط الصحيح، ورواه أحمد بالزيادة بعد ذكر الصوم بإسناد حسن إلا حماداً شك في وصوله أو إرساله.
(قال الخطابي) قوله: إيماناً واحتساباً: أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق، والرغبة في ثوابه طيبة به نفسه غير كاره له ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب.
(وقال البغوي) قوله: احتساباً: أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه يقال: فلان يحتسب الأخبار، ويتحسبها: أي يتطلبها.
3 -
وعنْه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغِّب في قيام رمضان منْ
(1) أطاع الله طيلة الليلة، ثقة بالله، وراغبا في ثواب الله، وراجيا رحمة الله.
(2)
منتظرا رضاه، وفي النهاية: أي طلباً لوجه الله وثوابه، فالاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة: اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها. أهـ ص 225 جـ 1.
(3)
امتنع عن كل مفطر، وحفظ نفسه من المعاصي.
(4)
ق ع: ومن قام ص 334.
غير أن يأمرهم بعزيمةٍ (1) ثمَّ يقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبهِ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
4 -
وعنْ أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان وعرف حدوده (2)، وتحفَّظ مما ينبغي له أن يتحفَّظ كفَّر (3) ما قبْلهُ: رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي.
5 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ومنْ أدرك شهر رمضان بمكَّة فصامَهُ، وقام منه ما تيسَّر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما (4) سواه، وكتب له بكلِّ يومٍ عتق رقبةٍ، وبكلِّ ليلةٍ عتقَ رقبةٍ، وكلِّ يومٍ حملان (5) فرسٍ في سبيل الله، وفي كلِّ يومٍ حسنةً، وفي كلِّ ليلة حسنةً. رواه ابن ماجه، ولا يحضرني الآن سنده.
6 -
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُعْطيتُ أمتي خمس خصالٍ في رمضان لم تعْطهنَّ (6) أمَّة قبْلهمْ: خلوف فم الصَّائم أطْيبُ عند الله من ريح المسكِ، وتستغفر لهم الحيتان حتى يفطروا، ويزيِّن الله عز وجل كلَّ يوم جنَّتهُ، ثمَّ يقول: يُوشك (7) عبادي الصَّالحون أن يلْقوا عنهمُ المئونة، ويصيروا إليك، وتصفَّد فيه مردة الشَّياطين، فلا يخلصوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليهِ في غيره، ويغفرُ لهم في آخر (8) ليلةٍ. قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكنَّ التعامل إنما يوَّفى أجره إذا قضى عمله. رواه أحمد والبزار والبيهقي، ورواه
(1) فريضة. وفي النهاية (خير الأمور عوازمها): أي فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها، والمعنى ذوات عزمها التي فيها عزم، وقيل: هي ما وكدت رأيك وعزمك عليه، ووفيت بعهد الله فيه، والعزم الحد والصبر ومنه (ليعزم المسألة): أي ليجد فيها ويصبر أهـ.
(2)
أوامر الله فاتبعها، ومناهيه فاجتنبها في صومه.
(3)
أزال ذنوب ما اقترفها الصائم قبل هذا الصوم، وفيه أن الصوم على الشرع، والأخلاق الكاملة يغفر الذنوب.
(4)
كذا ط وع ص 334، وفي ن د: شهر مما سواه.
(5)
مقدار حمل وثقل، والحملان مصدر حمل يحمل حملان. وفي النهاية، وفي حديث تبوك قال أبو موسى: أرسلني أصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان، وذلك أنهم أرسلوه يطلب منه شيئاً يركبون عليه أهـ وفيه فضل صوم رمضان في مكة.
(6)
كذا ع، وفي ن د وط: لم تعطهن من أمة.
(7)
يقرب.
(8)
كذا ط وع ص 335، وفي ن د: آخر.
أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب إلا أن عنده: وتستغفر لهم الملائكة بدل الحيتانُ.
7 -
وعنْ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلمن قال: أُعطيتْ أمَّتي في شهر رمضان خمساً لمْ يُعطهُنَّ نبيٌّ قبلي. أمَّا واحدة فإنه إذا كان أوَّل ليلةٍ من شهرِ رمضان نظر (1) الله عز وجل إليهمْ، ومن نظر الله إليه لمْ يُعذبه أبداً، وأما الثانية فإنَّ خلوف أفواههم حين يُمْسونَ أطيب عند الله من ريح المسكِ، وأمَّا الثَّالثة فإنَّ الملائكة تستغفر لهم في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وأما الرَّابعة فإنَّ الله عز وجل يأمر جنَّته فيقول لها استعدِّي وتزيني لعبادي أوْشك (2) أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإنَّه إذا كان آخر ليلةٍ غفر الله لهم جميعاً، فقال رجل من القومِ: أهي ليلة القدر؟ فقال: لا ألمْ تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم. رواه البيهقي، وإسناده مقارب أصلح مما قبله.
8 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصَّلوات الخمسُ، والجمعة إلى الجمعةِ، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجْتنبتِ الكبائر، رواه مسلم.
(قال الحافظ) وتقدم أحاديث كثيرة في كتاب الصلاة، وكتاب الزكاة تدل على فضل صوم رمضان فلم نعدها لكثرتها، فمن أراد شيئاً من ذلك فليراجع مظانه.
9 -
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احْضروا المنبر، فحضرنا، فلما ارتقى درجةً قال: آمين (3)، فلما ارتقى (4) الدَّرجة الثانية قال: آمين، فلمَّا ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل: قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنَّا نسمعه؟ قال: إنَّ جبريل عليه السلام عرض لي، فقال: بعد من أدرك رمضان (5) فلمْ يُغفرْ له قلتُ: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعدَ منْ ذكرت (6) عنده، فلمْ يُصلِّ عليك، فقلتُ: آمين، فلما رقيت الثَّالثة قال: بعُدَ
(1) كذا د وع، وفي ن ط: ينظر.
(2)
كذا ط وع، وفي ن د: يوشك.
(3)
اللهم استجب.
(4)
صعد وسما.
(5)
من وجد في زمن رمضان وصام صوما صحيحا على سنن الشرع.
(6)
ورد اسمك صلى الله عليه وسلم، ومعنى بعد: أي ذم وطرد من رحمة الله. عليك الصلاة والسلام يا رسول الله. =
من أدرك أبويهِ الكبرُ عنده أوْ أحدهما فلمْ يدخلاهُ الجنَّة قُلتُ: آمين. رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
10 -
وعن الحسن بن مالك بن الحويرثِ عن أبيه عن جدِّه رضي الله عنه قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلما رقى عتبةً. قال: آمين، ثمَّ رقى أخرى فقال: آمين، ثمَّ رقى عتبة ثالثة فقال: آمين، ثم قال: أتاني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمَّد من أدرك رمضان فلمْ يغفرْ له فأبعده الله، فقلتٌ: آمين. قال: ومنْ ذكرتَ عندهُ فلمْ يُصلِّ عليك (1) فأبعده الله، فقلت آمين. رواه ابن حبان في صحيحه.
11 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صعد المنبرَ فقال: آمين. آمين. آمين. قيل: يا رسول الله إنَّك صعدت المنبر، فقلتُ: آمين آمين، فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلمْ يُغفرْ له، فدخل النار (2) فأبعده الله. قلْ: آمين، فقلتُ: آمين، الحديث: رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه، واللفظ له.
12 -
وروي عن أبي سعيدٍ الخدرِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أوَّل ليلةٍ من رمضان فتِّحتْ أبواب السماء (3)
فلا يغلق منها
= إن هذا وعيد من الله للذين يذكر اسمك أمامهم ولم يمجدوك، ولم يصلوا عليك. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الخطابة فذكر التأمين على الدعاء:
أولاً: من مر عليه زمن رمضان، ولم يطع ربه فيه، ويصمه بإخلاص ليعفوا الله عنه.
ثانياً: من مر عليه اسم السيد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم ينتهز الفرصة، ويزده صلاة وتسليما.
ثالثاً: من عاش بين أبويه والده ووالدته، ولم يبرهما، أو يبر أحدهما فيدعون له، ويسببان له المغفرة. تلك فرص ثلاثة:
أ - الخائب الخسران الذي حرم من جنى ثمرتها، واستحقاق ثواب الله وعفوه، والعاقل المؤمن المسلم من مر عليه رمضان فأطاع الله فيه فنال الرضوان.
ب - أو أكثر من الصلاة على السيد المختار صلى الله عليه وسلم فاكتسب نعيم الجنان.
جـ - أو وصل والديه وبرهما، ولم يعقهما، فدعوا له بالإحسان والغفران.
(1)
فيه طلب الإكثار من الصلاة على سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزود من سيرته الطيبة.
(2)
أي استعمل الفجور والفسوق، وأفطر فيه، وعصى الله تعالى، وخالف شرع رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم ينتهز فرصة الشهر ليتوب، فيغفر الله له.
(3)
رحمات الله وإحسانه. ببين صلى الله عليه وسلم نعيم الصائم القائم: =
باب حتى يكون آخر ليلةٍ من رمضان، وليس عبد مؤمن يصلِّي في ليلةٍ فيها إلا كتبَ الله لها ألفاً وخمسمائة حسنةٍ بكلِّ سجدةٍ، وبني له بيتاً في الجنَّة من ياقوتةٍ حمراء لها ستون ألف باب لكلِّ منها قصر من ذهبٍ موشَّحٌ بياقوتةٍ حمراء، فإذا صام أوَّل يوم من رمضان غفر له ما تقدَّم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من شهر رمضان، واستغفر له كلَّ يومٍ سبعون ألف ملكٍ من صلاة الغداة إلى أن توارى (1) بالحجاب، وكان له بكلِّ سجدةٍ يسجدها في شهر رمضان بليلٍ أو نهارٍ شجرة يسير الرَّاكب في ظلها خمسمائة عامٍ، رواه البيهقي وقال: قد روينا في الأحاديث المشهورة ما يدل على هذا، أو لبعض معناه كذا قال رحمه الله.
13 -
وعنْ سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يومٍ منْ شعبان قال: يا أيُّها النَّاس قد أظلَّكمْ شهرٌ عظيمٌ مباركٌ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهرٍ (2) شهر جعل الله صيامه فريضةً، وقيام ليله تطوعاً (3)، من تقرَّبَ فيه بخصلةٍ (4) من الخيرِ كان كمنْ أدَّى فريضةً فيما سواه، ومن أدَّى فريضةً فيه كان كمن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصَّبر (5)، والصَّبر ثوابه الجنَّة، وشهرُ المواساةِ (6)، وشهر يزاد في رزق المؤمنِ فيه، من فطَّر فيه صائماً كان مغفرةً لذنوبهِ وعتقَ رقبته من النَّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا
= أولاً: أف وخمسمائة حسنة بكل ركعة.
ثانياً: قصر فخم كأحسن ما أنت راء من البهجة، والرواء كأنه اللؤلؤ والمرجان لا نهاية لا تساعه، ولا مثيل لبداعته وفخامته.
ثالثاً: غفران ما اقترفه من الآثام طول السنة تفضلا من الله جل وعلا.
رابعاً: ينال مسافة وملكا كبيرا في الجنة كثيرة الأوراق يقدر ظلها بمدى بعيد يستظل الراكب بظلها مسرعاً في خطاه نحو 500 سنة.
خامساً: يسخر الله له سبعين ألف ملك من الفجر إلى المغرب يعبدون الله تعالى ويدعون له.
(1)
كذا د وع ص 336، وفي ن ط: توارت: أي غابت وغربت، وتواري مضارع تتوارى بحذف إحدى التاءين: أي تذهب: أي مدة ذلك اليوم من أوله إلى آخره.
(2)
العمل فيها مضاعف الأجر، فالركعة ثوابها بألف في غيرها، وهكذا الصدقة، وكل أعمال الخير والبر يزداد أجرها.
(3)
نافلة تهجداً.
(4)
كذا د وع، وفي ن ط: بخصلة كان.
(5)
حبس النفس، وقصرها على طاعة ربها ورضاه، وطلب ثوابه، وشحذ العزيمة القوية، وتربية ملكة الحزم.
(6)
الإحسان، ومد يد المساعدة.
يا رسول الله: ليس كلُّنا يجد ما يُفطِّ الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُعْطي الله هذا الثَّواب من فطَّر صائما على تمرةٍ، أو على شربةِ ماء، أو مذقةِ (1) لبن، وهو شهر أوَّله رحمة، وأوْسطهُ مغفرة، وآخره عتقٌ (2) من النار، منْ خفَّف عنْ مملوكهِ (3) فيه غفر الله له، وأعتقه من النار واستكثروا فيه من أربعِ خصالٍ: خصلتين ترضون بهما ربَّكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأمَّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه (4)، وأمَّا الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون (5) الله الجنَّة، وتعوذون به من النَّار، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة (6)
لا يظمأ حتى يدخل الجنة. رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال صحّ الخبر، ورواه من طريق البيهقي، ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب باختصار عنهما.
14 -
وفي رواية لأبي الشيخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فطَّر صائماً في شهر رمضان منْ كسبٍ حلالٍ صلَّتْ عليه الملائكة (7) ليالي رمضان كلَّها، وصافحه
(1) مزيج خليط.
(2)
فك ونجاة.
(3)
خادمه.
(4)
كثرة ذكره واستغفاره.
(5)
الإكثار من طاعة الله، وأعمال الخير، والتضرع إلى الله بنيل نعيم الجنة، وتطلبون الاستعاذة، والإبعاد من النار.
(6)
المرة من الشرب: أي تفضل الله عليه فشرب مرة من حوضي ليزول ظمؤه، ويزداد ريه، ولا يعطش أبداً، وفي كتابي (النهج السعيد): الحوض جسم مخصوص كبير متسع الجوانب ترده أمته صلى الله عليه وسلم حين خروجهم من قبورهم عطاشاً يكون على الأرض المبدلة البيضاء كالفضة من شرب منه لا يظمأ أبداً، وقد وصفه صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:(حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه أكثر من نجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبداً) أهـ ص 168.
فأنت تجد وعداً منه صلى الله عليه وسلم لمن سقي صائما عند إفطاره لوجه الله تعالى.
يبين صلى الله عليه وسلم فضائل رمضان:
أ - شهر ردع النفس، وحثها على التحل بالمكارم وتكميلها وتهذيبها وحلمها.
ب - شهر الجود والمودة والإخاء والمصافاة.
جـ - شهر العيش الرغد، والرزق الحسن والرخاء والسعادة، وتخفيف العمل والشفقة، وعدم الاجتهاد في الشغل، والرأفة بالعمال.
د - كثرة الذكر والعبادة والاسغفار والتسبيح والتمجيد، والصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم، والدعاء إلى الله بالقبول والمغفرة، والنجاة من أهوال القيامة.
هـ - طلب إكرام الفقهاء والفقراء والمساكين رجاء شربة من حوضه عليه الصلاة والسلام.
(7)
تدعو له ملائكة الرحمة بالمغفرة والنعيم والعز.
جبْرائيل عليه السلام ليلة القدر، ومن صافحه جبرائيل عليه السلام يرق (1) قلبهُ، وتكثر دموعه. قال: فقلت: يا رسول الله أفرأيت من لمْ يكن عنده؟ قال: فقبصة (2) منْ طعامٍ. قلتُ: أفرأيت إن لمْ يكن عنده لقمة خبزٍ؟ قال: فمذقة من لبنٍ. قال: أفرأيت إنْ لمْ تكنْ عنده؟ قال: فشربة من ماء.
(قال الحافظ): وفي أسانيدهم على بن زيد بن جدعان، ورواه ابن خزيمة أيضاً، والبيهقي باختصار عنه من حديث أبي هريرة، وفي إسناده كثير بن زيد.
15 -
وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أظلَّكم (3) شهرُكمْ هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مرَّ بالمسلمين شهرٌ خير لهم منهُ، ولا مرَّ بالمنافقين شهرٌ شهرٌّ لهم منه بمخلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتبُ أجره ونوافله قبل أن يدخله، ويكتب إصره (4)، وشقاءه قبل أنْ يدخله، وذلك أن المؤمن يعدُّ فيه القوت من النَّفقة للعبادة، ويعدُّ فيه المنافق اتِّباع غفلاتِ
(1) يكثر إيمانه بالله، ويزدد خوفا من الله، ويخش الله، ويعمل صالحاً. قال تعالى:(إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) 12 من سورة الملك.
والمعنى أنه يعد من الصالحين الذاكرين الله كثيراً، ويحشر مع المتقين.
(2)
قبصة بضم القاف كغرفة: قبضة لما غرف، والقبص: الأخذ بأطراف الأصابع، ومنه حديث مجاهه في قوله تعالى:(وآتوا حقه يوم حصاده) يعني القبصة التي تعطي للفقراء عند الحصاد. أهـ من النهاية.
دعا صلى الله عليه وسلم إلى تقديم طعام للصائم الفقير على شريطة أن يكون هذا من كسب طيب بعيد عن الشبه والحرام، وبين صلى الله عليه وسلم ثوابه.
أ - دعاء الأبرار له طيلة الشهر كله.
ب - تسليم جبريل عليه تسليما معنوياً يشعر به المقربون عند الله، وبذا يكتسب القبول، ورضا الله ويحيطه الله بهيبته وخشيته (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ثم رغب في الجود بقدر ما تيسر، ولو قطرة ماء.
(3)
أحاط بكم ثوابه، وغمركم فضله، وحل عليكم وقته.
(4)
ذنبه. المعنى أن الصالح ينتهز فرصة وجوده، فيستعد لطاعة الله فيه، ويقدم ما أحل الله له فيه من الطيبات من الرزق ليستعين بها على العبادة، والصوم الصحيح والقيام، ويزداد الكافر والفاسق حسرة، فيتبعان نقائص المقصرين، وعيوب المفتونين، وفيه التحذير من مجالسة العصاة، وطلب التباعد عنهم، وفيه الإخبار أن المفطر منافق ومجرم، وقد علم الله سبحانه الطائعين، فأجزل لهم الأجر والعاصين، فعد خطاياهم وقدر ذنوبهم، وأحاط بعصيانهم وفجورهم ولا تخفي عليه خافية (فإذا جاءت الطامة الكبرى 34 يوم يتذكر الإنسان ما سعي 35 وبرزت الجحيم لمن يرى 36 فأما من طغى 37 وآثر الحياة الدنيا 38 فإن الجحيم هي المأوى 39 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى 40 فإن الجنة هي المأوى) 41 من سورة النازعات. (وآثر) انهمك في الدنيا، ولم يستعد للآخرة بالعبادة، وتهذيب النفس، واغتنام ثواب الصوم، ولكنه ضيع عمره في اتباع الغفلات وجرى في ميدان الحسرات والعورات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
المؤمنين، واتِّباع عوراتهمْ فغنم يغنمه المؤمن، وقال بُندار في حديثه: فهو غنْمٌ للمؤمنين يغتنمه الفاجر. رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره.
16 -
وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء رمضان (1) فتِّحتْ أبواب الجنَّةِ (2)، وغُلًّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين. رواه البخاري ومسلم.
17 -
وفي رواية لمسلم: فُتِّحتْ أبواب الرَّحمة، وغلِّقتْ أبواب جهنم وسُلْسِلَتِ الشَّياطين (3). ورواه الترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي كلهم من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولفظهم:
قال إذا كان أوَّل ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين، ومردة الجنِّ، وقال ابن خزيمة: الشَّياطين مردة الجنِّ بغير واوٍ، وغلِّقت أبوال النار فلمْ يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادى منادٍ يا باغي الخير أقْبل (4)، يا باغي الشَّر أقصرْ، ولله عتقاء من النَّار، وذلك كلِّ ليلةٍ. قال الترمذي: حديث غريب، ورواه النسائي والحاكم بنحو هذا اللفظ، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.
(صفدت) بضم الصاد، وتشديد الفاء: أي شدّت بالأغلال.
(1) مصدر رمض. قال الشرقاوي: سموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه. ورمضان إن صح أنه من أسماء الله تعالى فغير مشتق أو راجع إلى معنى الغافر: أي يمحو الذنوب ويمحقها. أهـ ص 146.
(2)
حقيقة لمن مات فيه أو عمل عملا لا يفسد عليه، أو علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين. قال التوربشي: الفتح كناية عن تنزيل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول. والغلق: كناية عن تنزه أنفس الصوام عن جرس الفواحش، والتخلص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات أهـ، وقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وإنه من الله بمنزلة عظيمة، ويؤيده حديث عمر:(إن الجنة لتزخرف لرمضان).
(3)
أي شدت بالسلاسل حقيقة، والمراد مسترقو السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، أو هو مجاز على العموم، والمراد أنهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصيام الذي فيه قمع الشياطين، وإن وقع شيء من ذلك فهو قليل بالنسبة إلى غيره، وهذا أمر محسوس. أهـ شرقاوي ص 147 جـ 2 يبين صلى الله عليه وسلم أن أوقات رمضان خير كلها:
أ - يغمر الصائم بفضل الله، وإحاطته بدعاء الأبرار.
ب - إزالة الأشرار عنه والإغواء والمردة الفسقة المضلين.
(4)
يا طالب البر والثواب زد واعمل، ويا مريد الشرور حبس نفسك عنها وامنعها لتربح وتغنم.
18 -
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان نظر الله إلى خلقهِ، وإذا نظر الله إلى عبدٍ (1) لم يعذِّبهُ أبدا، ولله في كلِّ يومٍ ألف ألف عتيق (2) من النَّار، فإذا كانتْ ليلة تسعٍ وعشرين أعتق الله فيها مثل جميعِ ما أعتق في الشَّهْر كله، فإذا كانت ليلة الفطر ارْتَجَّت الملائكة، وتجلَّى الجبار تعالى بنوره مع أنه لا يصفه الواصفون، فيقول للملائ: ة وهمْ في عيدهمْ من الغد: يا معشر الملائكة يوحي إليهمْ ما جزاء الأجير إذا وفي عمله؟ تقول الملائكة: يوفَّى أجره، فيقول الله تعالى: أشهدكمْ أني قد غفرتُ لهمْ (3).
رواه الأصبهاني.
19 -
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاكمْ شهر رمضان، شهرٌ مباركٌ فرض الله عليكمْ صيامه تُفْتَحُ فيه أبواب السَّماء، وتغلقُ فيه أبواب الجحيم، وتغلُّ فيه مردة الشَّياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهرٍ من ح رمَ خيرها فقد حرم. رواه النسائي، كلاهما عن أبي قلابة عن أبي هريرة، ولم يسمع منه فيما أعلم.
(قال الحليمي): وتصفيد الشياطين في شهر رمضان، يحتمل أن يكون المراد به أيامه خاصة وأراد الشياطين التي مسترقة السمع، ألا تراه قال: مردة الشياطين لأن شهر رمضان كان وقتا لنزول القرآن إلى السماء الدنيا، وكانت الحراسة قد وقعت بالشهب كما قال:(وحِفْظاً من كلِّ شيطانٍ ماردٍ). فزيدوا التصفيد في شهر رمضان مبالغة في الحفظ، والله أعلم، ويحتمل أن يكون المراد أيامه وبعده، والمعنى أن الشياطين لا يخلصون فيه من إفساد الناس إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره لاشتغال المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن، وسائر العبادات.
(1) أقبل عليه ربه برضوانه وإحسانه، كذا ط وع ص 338 وفي د: ينظر
(2)
محكوم عليه بعذاب النار فيفك سبحانه أسره من جهنم.
(3)
يؤخذ من هذا الحديث زيادة فضل الله وعفوه، وتسامحه المتناهي في إبعاد المسلمين عن جهنم إكراما لشهر رمضان المبارك، وفيه طلب الإقبال عليه بالصوم البالغ نهاية شروط الصحة: والتوبة، والندم، وكثرة العبادة فيه، والذكر، والصدقة، وعمل المعروف رجاء العتق من النار.
20 -
وعن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وحضر رمضانُ: أتاكمْ رمضان شهرُ بركةٍ يغشاكم الله فيه (1) فينزل الرَّحمة، ويحطُّ الخطايا (2)، ويستجيب فيه الدُّعاء، ينظر الله تعالى تنافسكمْ فيه، ويباهي بكمْ ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيراً (3)، فإنَّ الشَّقي (4) من حُرم فيه رحمة الله عز وجل. رواه الطبراني، ورواته ثقات إلا أن محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح، ولا تعديل.
21 -
وعنْ أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قال: دخل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ هذا الشهر قد حضركمْ، وفيه ليلة (5) خير من ألف شهرٍ من حرمها فقد حرم الخير كلَّه، ولا يحرم خيرها إلا محروم. رواه ابن ماجه. وإسناده حسن إن شاء الله تعالى.
22 -
وروى الطبراني في الأوسط عنه قال: سمعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا رمضان قد جاء، تُفْتَحُ فيه أبواب الجنَّةِ، وتغلقُ فيه أبواب النار، وتغلُّ فيه الشَّياطين، بعداً (6) لمن أدرك رمضان فلمْ يغفر له إذا لمْ يغفر له فمتى (7).
23 -
وروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ الجنَّة لتُنجِّد (8)، وتزَّيَّنُ من الحول إلي الحولِ لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان هبَّت ريحٌ من تحت العرش يقال لهاا لمثيرة (9) فتصفِّقُ ورق أشجار الجنان (10)، وحلق المصاريع فيسمع لذلك طنين (11) لمْ يسمع السَّامعون أحسن منهُ فتبرز الحور العين (12) حتى يقفن بين شرف (13) الجنَّةِ فينادين
(1) يحطيكم برحمته.
(2)
ويغفر الذنوب.
(3)
العبادة وعمل المحامد والمكارم.
(4)
المعذب.
(5)
ليلة القدر.
(6)
إبعاداً وطرداً وعذاباً لمن هل عليه رمضان، فعصى الله وضيع النافقة فيه. وهي طاعة الله، من تاجر فيه بالعبادة ربح، ومن قصر فيه كسدت بضاعته وخسر، واستحق العذاب المهين، وباء بالخيبة، وتضاعفت سيئاته.
(7)
إذا لم ينتهز وجود رمضان ففي أي زمان ينتظر فيه رضا الله وغفرانه - إنه غافل جاهل لأنه لا زمان يعادل رمضان في العفو والعتق من النار.
(8)
لتنجد، كذا ع ص 339 وفي ن ط لتبخر، والمعنى المطرز بأنواع الزينة، يقال بيت منجد، ونجوده: ستوره التي تعلق على حيطانه يزين بها. ومعنى لتبخر: أي تبعث فيه الروائح العطرية، والشذى الندي الذكي، والطيب المسكي.
(9)
المرسلة: المطلقة.
(10)
يظهر لها صوت.
(11)
تغمة شجية وصوت عذب.
(12)
فتظهر نساء الجنة.
(13)
الأمكنة البارزة الظاهرة مثل الطنف (تراسينات).
هلْ منْ خاطبٍ إلى الله فيزوِّجه، ثمَّ يقلنَ الحور العين: يا رضوان الجنَّة، ما هذه الليلة فيجبيهنَّ بالتلبية (1) ثمَّ يقول: هذه أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان فتحت أبواب الجنَّة للصائمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال: ويقول الله عز وجل: يا رضوان افتح أبواب الجنان، ويا مالك: أغلق أبواب الجحيم عن الصَّائمين من أمة أحمد صلى الله عليه وسلم، ويا جبرائيل: اهبط (2) إلى الأرض فاصفد مردة الشياطين، وغلهم بالأغلال (3) ثم أقذفهم (4) في البحار حتى لا يفسدوا على أمة محمدٍ حبيبي صلى الله عليه وسلم صيامهم قال: ويقول الله عز وجل في كل ليلةٍ من شهر رمضان لمنادٍ ينادي ثلاث مراتٍ: هل منْ سائل فأعطيه سؤله (5). هل من تائبٍ فأتوب عليه. هل من مستغفرٍ فأغفر له، منْ يقرض المليء (6)
غير العدوم، والموفيَّ (7) غير المظلوم. قال: ولله عز وجل في كل يومٍ من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهمْ قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أوَّل الشهر إلى آخره، وإذا كانت ليلة القدر يأمر الله عز وجل جبرائيل عليه السلام فيهبط في كبكبةٍ (8) من الملائكة، ومعهمْ لواء (9) أخضر فيركزوا اللواء (10) على ظهر الكعبة، وله مائة جناحٍ منها جناحان لا ينشرهما إلا في تلك الليلة فينشرهما في تلك الليلة فيُسلِّمون على كلِّ قائم وقاعدٍ ومصلٍ وذاكرٍ، ويُصافحونهم، ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر ينادي جبرائيل عليه السلام: معاشر الملائكة الرَّحيل الرَّحيل (11)، فيقولون يا جبرائيل: فما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمة أحمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول:
(1) إجابة بعد إجابة.
(2)
انزل.
(3)
السلاسل.
(4)
ارمهم.
(5)
أجيب طلبه.
(6)
من يعطي الغني، وفي النهاية المليء: الثقة الغني، وقد ملأ فهو مليء: بين الملأ والملاءة، ومنه حديث على لا ملي، والله بإصدار ما ورد عليه أهـ.
وفيه طلب الجود، والتحلي بخصال الكرم في التصدق، والإحسان رجاء ثواب الله (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له).
(7)
المعطي ما وعد كثير الوفاء، والنوال.
(8)
جماعة يقال كبوا رواحلهم: أي ألزموها الطريق، وتكابرا على الميضأة: ازدحموا عليها، من الكبة: الجماعة.
(9)
علم.
(10)
يضعونه واقفا.
(11)
اطلبوا الذهاب.
نظر الله إليهم في هذه الليلة فعفا عنهم وغفر لهمْ إلا أربعة، فقلنا: يا رسول الله من همْ؟ قال رجلٌ: مدمن خمرٍ (1)، عاق لوالديه (2)، وقاطع رحمٍ (3)، ومشاحن (4). قُلنا: يا رسول الله ما المشاحن؟ قال: هو المصارم (5)، فإذا كانت ليلة الفطر سُميِّتْ تلك الليلة ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة الفطر بعث الله عز وجل الملائكة في كلِّ بلادٍ فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السككِ (6) فينادون بصوتٍ يُسمع من خلق الله عز وجل إلا الجنَّ والإنس (7)، فيقولون يا أمة محمدٍ. اخرجوا إلى ربٍ كريمٍ يعطي الجزيل، ويعفو عن العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم (8) يقول الله عز وجل للملائكة: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ قال فنقول الملائكة: إلهنا وسيدنا (9) جزاؤه أن توفيه أجره. قال فيقول: فإني أشهدكمْ يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهمْ رضاي ومغفرتي، ويقول: يا عبادي سلوني (10) فوعزَّتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعهكم لآخرتكمْ إلا أعطيتكم ولا لديناكمْ إلا نظرتُ لكمْ، فوعزَّتي لأسترنَّ عليكم عثراتكم ما راقبتموني (11)، وعزَّتي وجلالي لا أخزيكمْ، ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود (12)،
وانصرفوا مغفورا لكم قدْ أرضيتموني، ورضيت عنكمْ فتفرح الملائكة، وتستبشر بما يعطي عز وجل هذه الأمَّة إذا أفطروا من شهر رمضان. رواه الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب، والبيهقي واللفظ له، وليس في إسناده من أجمع على ضعفه.
24 -
وروي عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
(1) كثير الشرب: مداوم.
(2)
غير طائع لهما وعاصيهما.
(3)
غير واصل أقاربه.
(4)
كثير الشقاق والنفاق، ومبعث البغضاء والتنافر، ومحرك الشرور وموقد نار العداوة.
(5)
المقاطع، كثير التنابذ.
(6)
الطرق.
(7)
رأفة بهما، لأن صوتهم مرتفع جداً، ولأنه تعالى يؤجل النعيم، وإدراك الثواب للآخرة، ويترك ذلك لمن يهتدي بالكتاب والسنة في حياته.
(8)
ذهبوا إلى صلاة العيد.
(9)
اعترافا بأنه تعالى العليم بأحوال عباده (سبحانه لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
(10)
اطلبوا مني.
(11)
أبعد زللكم مدة مراقبتي والخوف مني.
(12)
الحقوق والأوامر ..
الله عليه وسلم: إنَّ شهر رمضان شهر أمتي يمرض مريضهم فيعودونه، فإذا صام مسلم لمْ يكذبْ ولمْ يغتبْ، وفطره سعى إلى العتماتِ (1) محافظاً على فرائضهِ خرج من ذنوبه كما تخرج الحيَّة من سلخها (2). رواه أبو الشيخ أيضاً.
25 -
وعنْ أبي مسعود الغفاريِّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ وأهلَّ رمضان فقال: لوْ يعْلم العباد ما رمضان لتمنَّت أمَّتي أن تكون السَّنة كلها رمضان (3)، فقال رجل من خزاعة يا نبيَّ الله: حدِّثنا؟ فقال: إنَّ الجنَّة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحولِ (4)، فإذا كان أوَّل يوم من رمضان هبَّتْ (5) ريح من تحت العرش، فصفَّقت (6) ورق أشجار الجنَّة، فتنظر الحور العين (7) إلى ذلك فيلقن يا ربَّنا: اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقرُّ (8) أعيننا بهمْ، وتقرُّ أعينهم بنا؟ قال: فما من عبدٍ يصوم يوماً من رمضان إلا زُوِّج زوجةً من الحور العين في خيمةٍ من درَّةٍ كما نعت الله عز وجل: حور مقصورات في الخيام على كل امرأةٍ منهنَّ سبعون حلَّةً ليس منها حلَّة على لون الأخرى، وتعطى سبعين لوناً من الطِّيب ليس منه لون على ريح الآخر، لكلِّ امرأةٍ منهنَّ سبعون ألف وصيفةٍ (9) لحاجتها، وسبعون ألف وصيفٍ مع كلِّ وصيف صحفةٌ من ذهبٍ فيها لون طعامٍ تجد لآخر لقمةٍ منها لذَّة لم يجده لأوَّله، ولكل امرأةٍ منهنَّ سبعون سريراً من ياقوتةٍ حمراء، على كل سريرٍ سبعون فراشاً بطائنها من إستبرقٍ، فوق كلِّ فراش سبعون أريكةً ويُعطي زوجها مثل ذلك، على سرير من ياقوتٍ أحمر موشَّحاً بالدرِّ عليه سواران منْ ذهبٍ، هذا بكلِّ يومٍ صامه من رمضان سوى ما عمل من الحسنا. رواه ابن خزيمة
(1) طيب حلال، صلاة العشاء والفجر. أي مشى لهما وقت الظلمة حبا في ثواب الله.
(2)
المعنى نظف من الخطايا، وطهر من الدنس كما تخرج الأفعى من جلدها.
(3)
كذا ط وع ص 341، وفي ن د كلها فقال.
(4)
العام إلى العام.
(5)
مرت.
(6)
طربت وأظهرت صوتا شجياً، ونغمات موسيقية.
(7)
نساء الجنة الجميلات.
(8)
تفرح وتنشرح.
(9)
خادمة بمعنى أن الله تعالى يتفضل بإكرام الصائ بحسان بيض يتمتع بهن لهن خدم وحشم ورائحة ذكية.
في صحيحه، والبيهقي من طريقه، وأبو الشيخ في الثواب، وقال ابن خزيمة، وفي القلب من جرير بن أيوب شيء.
(قال الحافظ): جرير أيوب البجلي واهٍ، والله أعلم.
(الأريكة): اسم لسرير عليه فراش وبشخانة، وقال أبو إسحاق: الأرائك الفرش في الحجال، يعني البشخانات، وفي الحديث: ما يفهم أن الأريكة: اسم البشخانة فوق الفراش والسرير، والله أعلم.
26 -
وعنْ أبي أُمامة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: لله عز وجل عند كلِّ فطرٍ عتقاء (1). رواه أحمد بإسناد لا بأس به، والطبراني والبيهقي، وقال: هذا حديث غريب في رواية الأكا من الأصاغر، وهو رواية الأعمش عن الحسين بن واقد.
27 -
وروي عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله تبارك وتعالى عُتقاء في كلِّ يومٍ وليلةٍ، يعنى في رمضان، وإنَّ لكلِّ مسلمٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ دعوة مستجابة (2). رواه البزار.
28 -
وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا تردُّ دعوتهمْ: الصائم حتى يفطر، والإمال العادل، ودعوة المظلوم (3) يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرَّبُّ: وعزَّتي لأنصرنتك ولوْ بعد حينٍ. رواه أحمد في حديث، والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبزار، ولفظه:
(1) أسري يبعدهم من جهنم إكراما لهذا الشهر المبارك تفضلا منه سبحانه.
(2)
فيه الحث على العبادة فيه، وانتظار رحمة الله وكثرة التضرع إلى الله تعالى في أوقات ترمضان وطلب قضاء لحاجات منه، وفيه البشري بالإجابة.
أولا: يجيب الله دعاء الصائم مدة صومه.
ثانياً: الذي يتولى عملاً ويخشى الله فيه ويراقبه من وال، أو حاكم، أو رب أسره.
(3)
المكروب: المظلوم المعتدى عليه، ويقسم سبحانه بعزته وجلاله أن ينصره (قد جعل الله لكل شيء قدراً) سبحانه ولي ناصر: ونعم المولى ونعم النصير، وفيه التضرع إلى الله أثناء الصوم لتلبسه بطاعة ربه والحث على العدل، واتباع الحق، ونصر المستغيث، وعدم الظلم.
ثلاثة حقُّ على الله أن لا يردَّ لهمْ دعوةً: الصائمُ حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر (1) حتى يرجع.
29 -
وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل في كلِّ ليلةٍ من رمضان ستمَّائة من رمضان ستمائة ألف عتيقٍ من النَّار، فإذا كان آخر ليلةٍ أعتق الله بعدد من مضى. رواه البيهقي، وقال: هكذا جاء مرسلا.
30 -
وعنْ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان فُتِّحت أبواب الجنان فلمْ يغلق منها باب واحد الشَّهر كلَّه، وغُلقَّت أبواب النار فلم يفتحْ منها باب الشَّهر كله، وغُلَّت عتاة الجنِّ (2)
ونادى منادٍ من السَّماء كلَّ ليلةٍ إلى انفجار الصُّبح: يا باغي الخير يمِّمْ وأبشرْ (3)، ويا باغي الشَّرِّ أقصر وأبصر (4) هلْ من مستغفر يغفر له. هل من تائبٍ يتوبُ الله عليه. هلْ من داعٍ يُستجاب له، هلْ من سائلٍ يُعطي سؤاله، ولله عز وجل عند كلِّ فطرٍ من شهر رماضن كل ليلةٍ عتقاً من النار سُّتون ألفاً، فإذا كان يوم الفطر اتق الله مثل ما أعتق في جميع (5) الشَّهر ثلاثين مرَّةً ستين ألفاً ستين ألفاً. رواه البيهقي، وهو حديث حسن لا بأس به في المتابعات، في إسناده نائب بن عمرو الشيباني وثِّق، وتكلْم فيه الدارقطني.
31 -
وروي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاكر الله (6) في رمضان مغفور له، وسائل الله فيه لا يخيب (7). رواه الطبراني
(1) المسافر سفر طاعة في رعاية الله وعونه لأنه ذاهب إلى التجارة، أو عمل يقدمه معتمداً على ربه، فدعاؤه مستجاب.
(2)
وضعت في السلاسل المردة الفسقة المغوون. عتاة جمع عات: المتجبرون، وفيه كما في النهاية وبئس العبد عبد عتا وطغى). العتو: التجبر والتكبر، وقد عتا يعتو فهوعات، أهـ، وفيه بيان فضل رمضان.
أ - تفتح أبواب الرحمات والنعيم مدة الشهر.
ب - تقفل أبواب الشرور، وتسد ثغرات النار.
جـ - يأمن الإنسان من أذى الشياطين الذين يوسوسون ويغوون ويضلون.
(3)
اقصد وزد.
(4)
كذا وأبصر ص 343، وفي ن د وط: وبصر بلا همزة، والمعنى انظر إلى الأعمال الصالحة وعاقبتها وتجنبها، واعقل الخير ونتيجته، وافعله لله، وافهم بركة رمضان وفضله.
(5)
كذا ط وع، وفي ن د: كل، وفي ن ط ود: أعتق الله، وستين ألفا واحدة في ن د: فقط.
(6)
الذي يكثر من تسبيحه وتمجيده والاستغفار والصلاة على المختار صلى الله عليه وسلم بمحو الله ذنوبه.
(7)
ومن طلب منه شيئاً أجاب دعاءه، ونجح مراده، وقضى حاجته.
32 -
وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يسْتقبلكم، وتستقْبلُكمْ، وتستقبلون ثلاث مرَّاتٍ (1)؟، فقال عمر بن الخطَّاب: يا رسول الله وحي نزل (2)؟ قال: لا. قال: عدوُّ حضر (3)؟ قال: لا قال: فماذا؟ قال: إن الله يغفر في أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان لكلِّ أهل هذه القبلةِ وأشار بيده إليها، فجعل رجل بين يديه يهزُّ رأسه، ويقول: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان ضاق (4) به صدرك؟ قال: لا، ولكن ذكرت المنافق (5)، فقال: إن المنافقين همُ الكافرون، وليْس للكافرين في ذلك شيء. رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي، وقال ابن خزيمة: إن صح الخبر، فإني لا أعرف خلفا أبا الربيع بعدالة ولا جرح، ولا عمرو ابن حمزة القيسي الذي دونه.
(قال الحافظ): قدذكرهما ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيهما جرحا، والله أعلم.
33 -
وعنْ عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان يُفضله على الشهور فقال: من قام رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبهِ كيوم ولدته أمُّه. رواه النسائي، وقال: هذا خطأ، والصواب أنه عن أبي هريرة.
34 -
وفي رواية له قال: إنَّ الله فرض صيام رمضان، وسننْتُ لكم قيامهُ، فمنْ صامه، وقامه (6) إيماناً، واحتساباً خرج من ذنوبهِ كيوم ولدته أمُّهُ (7).
35 وعن عمرو بن مرَّة الجهنيِّ رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أرأيت إنْ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله، وصلَّيْت الصَّلوات الخمْسَ. وأدَّيت الزكاة وصمْتُ رمضان، وقمته فمِمَّنْ أنا؟
(1) كذا د وع، وفي ن ط: وتستقبلونه.
(2)
قرآن جاء من الله تعالى.
(3)
خصم داهم.
(4)
كذا دو ع، وفي ن ط: صدق.
(5)
كذا ط وع، وفي ن د: المنافقين.
(6)
أدى صومه على الوجه الأكمل، وتهجد في لياليه، وأطاع الله، وأكثر من ذكره وحمده.
(7)
فقت صحيفته وابيض وجهه وتطهر من الأدناس، وعفا الله عنه. كأن صحيفته في البياض والنقاء صحيفة طفل خالية من السيئات ملأى بالحسنات، وفيه بيان فضل رمضان.
قال: من الصِّدِّيقين والشُّهداء (1). رواه البزار، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، واللفظ لابن حبان.
36 -
وعنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبه. الحديث أخرجاه في الصحيحين.
وتقدم في رواية لمسلم قال: منْ يقمْ ليلة القدر فيوافقها، وأراه قال: إيماناً. واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبه.
37 -
وروي أحمد من طريق عبد الله بن محمد بن ع قيل عن عمرو بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت قال: أخبرنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدرِ. قال: هي في شهر رمضان في العشرِ الأواخرِ ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاثٍ وعشرين، أوْ خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أوْ آخر ليلةٍ من رمضان. من قامها احتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبهِ، وما تأخَّر، وما تقدمت هذه الزيادة في حديث أبي هريرة في أول الباب.
38 -
وعنْ مالكٍ رحمه الله أنَّه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى (2)
النَّاس قبله، أو ما شاء الله من ذلك
(1) يبين صلى الله عليه وسلم ما يوصلك إلى درجة الفضلاء العظماء الأبرار:
أ - توحيد الله وطاعته، وحب رسوله، والعمل بتشريعته، ونصر دينه، والدعوة إليه.
ب - أداء الصلوات الكاملة.
جـ - والزكاة.
د - القيام بالصوم، وإحياء لياليه في الطاعة، والصديق: من كثر منه الصدق، والصديقون: هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة (في مقعد صدق عند مليك مقتدر). (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صديقاً نبيناً) والشهيد من قتل مجاهداً في سبيل الله، ويجمع على شهداء: أي الله تعالى وملائكته شهود له بالجنة، وقيل لأنه حي لم يمت، وفي النهاية اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي صلى الله عليه وسلم من المبطون والغرق والحرق، وصاحب الهدم، وذات الجنب وغيرهم، وملائكة الرحمة تشهده. وقيل لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل. أه بتصرف.
(2)
أي أراه الله أعمار الأمم السابقة، ثم بين صلى الله عليه وسلم تحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لينتظرها المسلمون، ويكثروا من ذكر الله وحمده وتمجيده، والصلاة على حبيبه صلى الله عليه وسلم، وفيه خصوصية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يتضاعف ثواب عملها، وأن ليلة القدر هبة وهدية من الله جل جلاله لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، الركعة فيها بثواب ألف ركعة في غيرها، وهكذا من أفعال العبادة والخير. =
فكأنَّهُ تقاصرَ أعمارَ أمَّتِهِ أن يبْلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهمْ، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهرٍ، ذكره في الموطإ هكذا.
= (فقه الباب ومغزاه)
أولا: غفران ذنوب الصائم القائم صغيرها وكبيرها.
ثانياً: عتق ملايين من المسلمين من النار إكراماً لرمضان.
ثالثاً: جعل رائحة الصائم عند الله والملائكة كالمسك الأذفر في الآخرة، وفيه دليل على قبول أعماله.
رابعاً: تمتع الصائم بنعيم ليس له مثيل يوم القيامة باتساع قصره وملكه في الجنة، وزخرفته بأنواع الحلي والزينات غالي الأثاث والرياش.
خامساً: الصائم مؤمن، والمفطر منافق. سادساً: إجابة الدعوات في رمضان، وكسب الحسنات. ثامناً: زفاف عرائس للصائم بالأبهة، وأنواع الكمالات، وبدائع الجمال.
تاسعاً: تنقية الصحائف من الذنوب. عاشراً: مضاعفة الثواب في أعمال رمضان.
دليل الصوم في كتاب الله تعالى
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم تتقون. أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون. وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون. أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) من آية 183 إلى 186 من سورة البقرة.
شرح الآيات: الله تعالى كتب الصوم على الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام إلى وقتنا هذا. قال البيضاوي وفيه توكيد للحكم، وترغيب في الفعل، وتطييب على النفس، والصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس. وفي الشرع الإمساك عن المفطرات بياض النهار فإنها معظم ما تشتهيه الأنفس. (تتقون) المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال عليه الصلاة والسلام:(فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء) وأمر الإخلال بأدائه لأصالته وقدمه. (معهدودات) مؤقتات بعدد معلوم. (هدى للناس) أي أنزل القرآ وهو هداية للناس باعجازه وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطلبما فيه من الحكم والأحكام.
تبيين أسرار الصوم
أولا: تقليل الأكل والشرب، والاسترسال في الملذات لتضعف القوة البهيمية، وتسمو روح الإخلاص والقوة الملكية المتحلية بالفضائل.
ثانياً: تخلق المؤمن في بعض آنائه بخلق من أخلاق المهيمن جل وعلا وهو الصمدية، وتشبه على قدر الإمكان بالملائكة المقربين من الله تعالى في الصفات المنزهين عن جميع الشهوات في الكف عنها والخلو منها.
ثالثاً: تعويد الصبر والثبات على المكاره فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن مشتهياتها من الأكل =