المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌76 - (بَابُ الْوِتْرِ)

- ‌77 - (بَابُ الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ)

- ‌78 - (بَابُ تَأْخِيرِ الْوِتْرِ)

- ‌79 - (بَابُ السَّلامِ فِي الْوِتْرِ

- ‌81 - (بَابُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي)

- ‌82 - (بَابُ مَا يُستَحبّ مِنَ التَّطَوُّعِ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ)

- ‌84 - (بَابُ صَلاةِ المُغمى عَلَيْهِ)

- ‌85 - (بَابُ صَلاةِ الْمَرِيضِ)

- ‌92 - (بَابُ الْمَرْأَةِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ يصلِّي وَبَيْنَ القِبلة وَهِيَ نَائِمَةٌ أَوْ قَائِمَةٌ

- ‌94 - (بَابُ وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ فِي الصَّلاةِ

- ‌95 - (باب الصلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌96 - (بَابُ الاسْتِسْقَاءِ

- ‌97 - (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ)

- ‌101 - (بَابُ فَضْلِ الجِهاد

- ‌102 - (بَابُ ما يكون من الموتِ شهادة

- ‌(أَبْوَابُ الْجَنَائِزِ

- ‌2 - (بَابُ مَا يُكَفَّن بِهِ الْمَيِّتُ)

- ‌3 - (بَابُ الْمَشْيِ بِالْجَنَائِزِ وَالْمَشْيِ مَعَهَا)

- ‌4 - (بَابٌ الْمَيِّتُ لا يُتَّبَعُ بنارٍ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ مِجْمَرة فِي جِنَازَتِهِ)

- ‌5 - (بَابُ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ)

- ‌6 - (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءِ)

- ‌7 - (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ

- ‌8 - (بَابٌ يَحْمِلُ الرَّجُلُ الْمَيِّتَ أَوْ يحنِّطه أَوْ يُغَسِّلُهُ هَلْ يَنْقُضُ ذَلِكَ وُضُوءَهُ

- ‌9 - (بَابُ الرَّجُلِ تُدْرِكُهُ الصَّلاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ

- ‌10 - (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَا يُدفن)

- ‌(كِتَابُ الزَّكَاةِ

- ‌1 - (بَابُ زَكَاةِ الْمَالِ)

- ‌3 - (بَابُ الْمَالِ مَتَى تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ)

- ‌4 - (بَابُ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْن هَلْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ)

- ‌6 - (بَابُ العُشُر

- ‌8 - (بَابُ زَكَاةِ الرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ والبَراذين

- ‌9 - (بَابُ الرِّكَازِ

- ‌10 - (بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ)

- ‌11 - (بَابُ الْكَنْزِ

- ‌12 - (بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ)

- ‌13 - (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ

- ‌14 - (باب صَدَقَةِ الزَّيْتُونِ)

- ‌(أَبْوَابُ الصِّيَامِ

- ‌2 - (بَابُ مَتَى يَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ)

- ‌3 - (بَابُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ)

- ‌4 - (بَابُ الرَّجُلِ يَطْلُعُ لَهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ

- ‌5 - (بَابُ القُبلة لِلصَّائِمِ

- ‌6 - (بَابُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ)

- ‌8 - (بَابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ)

- ‌9 - (بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ هَلْ يُفرَّق

- ‌10 - (بَابُ مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَفْطَرَ)

- ‌11 - (بَابُ تَعْجِيلِ الإِفطار)

- ‌15 - (بَابُ الأَيَّامِ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا الصَّوْمُ)

- ‌16 - (بَابُ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ)

- ‌17 - (بَابُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الصِّيَامِ)

- ‌18 - (باب صوم يوم عَاشُورَاءَ

- ‌(كِتَابُ الْحَجِّ

- ‌1 - (بَابُ الْمَوَاقِيتِ

- ‌7 - (بَابُ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا وَهُوَ مُقِيمٌ)

- ‌15 - (بَابُ المُحرم يَغْسِلُ رَأْسَهُ، أَيَغْتَسِلُ

- ‌16 - (بَابُ مَا يُكره لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ)

- ‌17 - (بَابُ مَا رُخِّص للمُحرم أَنْ يَقْتُلَ مِنَ الدَّوَابِّ

- ‌22 - (بَابُ المُحرم يَتَزَوَّجُ)

- ‌23 - (بَابُ الطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ)

- ‌26 - (بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)

- ‌27 - (بَابُ المتمتِّع مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الهَدْي)

- ‌29 - (بَابُ المكِّي وَغَيْرِهِ يَحُجُّ أَوْ يَعْتَمِرُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّمْل)

- ‌31 - (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ)

- ‌37 - (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَا يُستحبّ مِنَ الْغُسْلِ قَبْلَ الدُّخُولِ

- ‌41 - (بَابُ الصَّلاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَدُخُولِهَا)

- ‌42 - (بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ أَوْ عَنِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ)

- ‌51 - (بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ رَاكِبًا)

- ‌53 - (بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ

- ‌60 - (بَابُ المُحْصَر

- ‌61 - (بَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ

- ‌65 - (بَابُ الرَّجُلِ يُجَامِعُ قَبْلَ أَنْ يُفيض

- ‌66 - (بَابُ تَعْجِيلِ الإِهلال

- ‌70 - (بَابُ النُّزُولِ بالمحصَّب

- ‌73 - (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ بِسِلاحٍ)

- ‌(كِتَابُ النِّكَاحِ

- ‌3 - (بَابُ لا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وعمَّتها فِي النِّكَاحِ)

- ‌5 - (باب الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)

- ‌7 - (بَابُ مَا يُوجِبُ الصَّدَاق

- ‌8 - (بَابُ نِكَاحِ الشِّغار

- ‌10 - (بَابُ الرَّجُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ)

- ‌15 - (بَابُ الْمَرْأَةِ تُزَوَّجُ فِي عِدّتها

- ‌16 - (باب العزل

- ‌(كِتَابُ الطَّلاقِ)

- ‌3 - (بَابُ مَا يُكره للمطلَّقة الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا مِنَ الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا)

- ‌6 - (بَابُ الْخُلْعِ كَمْ يَكُونُ مِنَ الطَّلاقِ)

- ‌8 - (بَابُ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَتَتَزَوَّجُ زَوْجًا ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا الأَوَّلُ)

- ‌9 - (بَابُ الرَّجُلِ يَجْعَلُ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا أَوْ غَيْرِهَا)

- ‌11 - (بَابُ الأَمَةِ تَكُونُ تحت العبد فَتُعْتَقُ)

- ‌13 - (بَابُ الْمَرْأَةِ تطلَّق أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ)

- ‌17 - (بَابُ الْمَرْأَةِ تُسَافِرُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا)

- ‌22 - (بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الزِّينَةِ فِي الْعِدَّةِ)

- ‌27 - (بابُ المرأةِ تُسْلِمُ قَبْلَ زوجِهَا)

- ‌28 - (بَابُ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ)

- ‌30 - (بَابُ عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ

- ‌31 - (بَابُ الرَّضاع

- ‌1 - (بَابُ مَا يُكره مِنَ الضَّحَايَا)

- ‌2 - (بَابُ لُحُومِ الأَضَاحِي)

- ‌4 - (بَابُ مَا يُجْزِئ مِنَ الضَّحَايَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ)

- ‌5 - (بَابُ الذَّبَائِحِ)

- ‌7 - (بَابُ أَكْلِ الضَبّ

- ‌9 - (بَابُ السَّمَكِ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ)

- ‌11 - (بَابُ أَكْلِ الجرَاد

- ‌13 - (بَابُ مَا قَتَل الْحَجَرُ

- ‌16 - (بَابُ صَيْدِ الْكَلْبِ المعلَّم)

الفصل: ‌31 - (باب دخول مكة بغير إحرام)

458 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ بَعِيرٌ (1) أَوْ بَقَرَةٌ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِقَوْلِ عليٍّ نَأْخُذُ، مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (2) وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا.

‌31 - (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ)

459 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أنَّ ابنَ عُمَرَ اعْتَمَرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ (3) حَتَّى إِذَا كَانَ بقُديد (4) جَاءَهُ خَبَرٌ (5) مِنَ الْمَدِينَةِ، فرجع فدخل مكّة بغير (6) إحرام.

ووافقهما القاسم وطائفة، وقد أخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي شاة، فقيل له في ذلك؟ أي إنه لا يقع اسم شاة على الهدي، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ماتقوون به؟ ما في الظبي؟ قالوا: شاة. قال: فإن الله يقول: {هدياً بالغ الكعبة} كذا في "ضياء الساري"(وانظر فتح الباري 3/535، وأوجز المسالك 7/248) .

(1)

قوله: بعير أو بقرة، محمول على الاستحباب فإنه قد مرّ عنه أنه قال لو لم أجد إلا أن أذبح شاة لكان أحب إلى من أن أصوم.

(2)

وبه قال الأئمة الثلاثة الباقية.

(3)

أي من مكة يريد المدينة.

(4)

مصغّراً: موضع بين مكّة والمدينة قرب مكة.

(5)

أي خبر مانعٌ من توجّهه إلى المدينة، وهو خبر وقوع الفتنة في المدينة كما صُرِّح به في رواية عبد الرزاق.

(6)

قوله: بغير إحرام، قال الزرقاني: احتج به ابن شهاب والحسن البصري

ص: 350

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، مَنْ كَانَ (1) فِي الْمَوَاقِيتِ أَوْ دُونَهَا إِلَى مَكَّةَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ وَقْتٌ مِنَ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي وُقِّتت فلا بأس أن

وداود وأتباعه على جواز دخول مكة بلا إحرام، وأبى ذلك الجمهور (إن من أراد أن يدخل مكة يجب أن يدخلها محرماً إذا كان آفاقياً يمرّ على الميقات سواء كان أراد الحج أو العمرة أو لا عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وهو أشهر القولين عند الشافعية كما في شرح المهذَب 7/11) . قال ابن وهب عن مالك: لست آخذ بقول ابن شهاب وكرهه، وقال: إنما يكون ذلك على مثل ما عمل ابن عمر من القرب. وقال إسماعيل القاضي: كره الأكثر دخولها بغير إحرام، ورخصوا للحطّابين ومن يكثر دخولهم، ولمن خرج منها يريد بلده ثم بدا له أن يرجع كما صنع ابن عمر، وأما من سافر إليها في تجارة أو غيرها فلا يدخلها إلا محرماً.

(1)

قوله: من كان في المواقيت، المقررة للإحرام أي في أنفسها أو دونها أي أسفل منها وأقرب إلى جهة مكة ليس بينه وبين مكة وقت أي ميقات من المواقيت التي وُقّتت - بصيغة المجهول - أي عُيِّنت، وفيه احتراز عمّن بين ذي الحليفة والجُحفة فإنهم وإن كانوا داخل ميقات ذي الحليفة لكن بينهم وبين مكة ميقات آخر، فلا يجوز لهم مجاوزته بغير إحرام، فلا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام كما صنع ابن عمر، وهذا إذا لم يُرد أحد النسكين، وإلا فالإحرام لازم. وأما من كان خلف المواقيت أي في جهة مخالفةٍ لجهة مكة أيّ وقت من المواقيت التي بينه وبين مكة فلا يدخلنّ مكة - سواء قصد نسكاً أو لم يقصد - إلا بإحرام لأحد النُّسُكين، وأما إن لم يُرد دخول مكة بل أراد حاجة فيما سواها فلا إحرام عليه بلا خلاف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أتَوْا بدراً مارِّين بذي الحليفة ولم يحرموا وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، وبه قال الجمهور. وقال العيني في "عمدة القاري": وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث والثوري ومالك في رواية، وهو قوله

ص: 351

يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَأَمَّا مَنْ كَانَ خَلْفَ الْمَوَاقِيتِ أَيَّ وَقْتٍ مِنَ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَلا يَدْخُلَنَّ مَكَّةَ إِلا بِإِحْرَامٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا.

32 -

(بَابُ فَضْلِ الحَلْق (1) وَمَا يُجزئ (2) مِنَ التَّقْصِيرِ)

460 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ ضَفَر (3) فليحلِقْ، وَلا تُشبِّهوا بالتلبيد.

الصحيح، والشافعي في المشهور عنه، وأحمد وأبي ثور، وقال الزهري والحسن البصري والشافعي في قول ومالك في رواية، وداود بن علي وأصحابه من الظاهرية: لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام. انتهى. وقد مرّ بعض ما يتعلق بهذا البحث غير مرة وسيجيء ذكُر ما استَدلّ به المخالفون مع جوابه إن شاء الله تعالى.

(1)

أي حَلْق الرأس عند التحلل من الإحرام.

(2)

أي يكفي.

(3)

قوله: من ضفر، بالضاد المعجمة والفاء (مخففة ومثقلة، كذا في الأوجز 7/330) ، أي جعل شعر رأسه ضفائر كل ضفيرة على حدة. فليحلق، ظاهره الوجوب. ولا تُشبِّهوا، بالضم أي تلبّسوا علينا. فتفعلوا ما يشبه التلبيد. وروي بفتح التاء أي لا تتشبهوا بالتلبيد، هو أن يجعل على رأسه قبل الإحرام لزوقاً كالصمغ ونحوه ليتلبّد شعره أي يلتصق بعضه ببعض، فلا ينتشر ولا يقمل، ولا يصيبه الغبار. وظاهر هذا الأثر أنّ الحلق واجب عند عمر لمن ضفَر. ويجوز القصر لمن لبّد لأنه أشد منه، وفي رواية عنه كما في "موطأ يحيى": من عقص رأسه أو ضفر أو لبّد فقد وجب عليه الحلاق. وإنما جعله واجباً لأن هذه الأشياء تقي الشعر من الشعث، فلما أراد حفظ شعره وصَوْنه ألزمه حلقَه مبالغةً في عقوبته، وإلى هذا ذهب مالك والثوري وأحمد والشافعي في

ص: 352

461 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ (1) : اللَّهمّ ارْحَمِ المحلِّقين، قَالُوا (2) : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهم ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: والمقصِّرين يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهم ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: والمُقَصِّرِين يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (3) والمُقَصِّرِين.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نأخذ، من ضفر فليحلِق (4) ، والحلق أفضل

القديم، وقال في الجديد كالحنفية: لا يتعيّن الحلق مطلقاً إلا إنْ نَذَره أو كان شعره خفيفاً لا يمكن تقصيره، كذا في "شرح الزرقاني" والقاري.

(1)

قوله: قال، أي في حجة الوداع كما ورد في رواية أحمد وابن أبي شيبة ومسلم والبخاري، أو في الحديبية كما ورد عند الطبراني وغيره. ورجّح ابن عبد البَرّ الثاني. وقال النووي في الأول: إنه الصحيح المشهور، وجمع القاضي عياض وابن دقيق العيد بوقوعه في الموضعين.

(2)

قوله: قالوا والمقصرين، أي قل: وارحم المقصرين، فإن بعض الأصحاب كانوا عند ذلك مقصِّرين، فأرادوا شمولهم في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ: لم أقف في شيء من طرقه على الذي تولّى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد.

(3)

قوله: قال والمقصرين، أي في المرة الرابعة بعد ما دعا للمحلِّقين فقط ثلاثاً، وفي معظم الروايات عن مالك الدعاء للمحلِّقين مرتين وعطف المقصِّرين في الثالثة، وكذا وقع الاختلاف في رواية غيره في الصحيحين وغيرهما.

(4)

أي استحباباً

ص: 353

من التقصير، والتقصير يُجرئ (1) . وهو قول (2) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.

462 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا حَلَقَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ (3) وَمِنْ شَارِبِهِ (4) .

قَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ (5) هَذَا بِوَاجِبٍ، مَنْ شَاءَ فَعَلَهُ. وَمَنْ شاء لم يفعله.

(وذكر الشيخ في "المسوَّى" على أثر الباب: وعليه أبو حنيفة، وفي "العالمكَيرية" لو تعذّر الحلق لعارض تعيّن التقصير أو التقصير لعارض تعيّن الحلق كأن لبّده بصمغ فلا يعمل فيه المقراض ومتى نقض تناثر بعض شعره وذلك لا يجوز للمحرم قبل الحلق. أوجز المسالك 7/332) .

(1)

قوله: يجزئ، أي يكفي، وإذا لم يكن له شعر فيُمرّ الموسى على رأسه.

(2)

قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال العيني في "عمدة القاري": قد أجمع العلماء على أن التقصير مجزئ في الحج والعمرة معاً إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول: يلزمه الحلق في أول حجّة، وحُكي ذلك عن النخعي عند ابن أبي شيبة.

(3)

أي من طولها وعرضها، إذا زاد على القدر المسنون، وهو قدر القبضة.

(4)

أي أخذ من شاربه قصَّاً ونهكاً، لا حلقاً.

(5)

قوله: ليس هذا بواجب، أي ليس أخذ اللحية والشارب واجباً بل مسنون أو مستحب، أو يقال: ليس هذا من واجبات الحج ومناسكه كحلق الرأس وتقصيره، وإنما فعله ابن عمر اتفاقاً (اختلفوا في ما طال من اللحية على أقوال، الأول: يتركها على حالها ولا يأخذ منها شيئاً وهو مختار الشافعية، ورجحه النووي وهو أحد الوجهين عند الحنابلة. الثاني: كذلك إلا في حجّ وعمرة فيستحب أخذ شيء منها، قال الحافظ: هو المنصوص عن الشافعي. الثالث: يستحب أخذ ما فحش طولها جداً بدون التحديد بالقبضة، وهو مختار الأمام مالك رحمه الله، ورجّحه القاضي عياض. الرابع: يُستحب ما زاد على القبضة وهو مختار الحنفية انظر: أوجز المسالك 15/6) . وفي الأثر إشعار بأن أخذ الشارب هو السنَّة

ص: 354

33 -

(بَابُ الْمَرْأَةِ تَقْدَمُ (1) مَكَّةَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ فَتَحِيضُ قَبْلَ قُدُومِهَا (2) أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ)

463 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ الَّتِي تُهِلُّ (3) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ تُهِلُّ (4) بِحَجَّتِهَا أَوْ بِعُمْرَتِهَا إِذَا أَرَادَتْ، وَلَكِنْ لا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا والمروة حتى تَطَّهّر (5) ،

دون الحلق كما صرح به في "الهداية" بل قيل: إن الحلق بدعة، وجنح الطحاوي في "شرح معاني الآثار" إليه، لكن لم يأتِ بما يفيده والتفصيل في شرحه للعيني.

(1)

من باب علم يعلم.

(2)

أي قبل دخولها مكة.

(3)

أي تحرم.

(4)

قوله: تهل، أي يجوز لها أن تحرم بالحج أو بالعمرة إذا أرادت ذلك لأن الحيض وكذا النفاس لا يمنعان عن جواز إحرامها في أيّ وقت شاءت فتغتسل لإحرامها لكن لا تُصلي سُنّة الإِحرام، ولا تطوف بالبيت إذا دخلت مكّة طواف العمرة أو طواف القدوم، لأن الطهارة شرط في صحة الطواف، ولأن الطواف يكون بالمسجد الحرام وهي ممنوعة عن دخول كل مسجد، وكذا لا تسعى بين الصفا والمروة لأنه وإن كان جائزاً بغير طهارة لكنه متوقف على وجود طواف قبله، وإذا ليس فليس.

(5)

أي بانقطاع الحيض والغسل، وهو بفتح التاء والطاء المشدّدة وشدّ الهاء على حذف إحدى التائين، وبفتح التاء وسكون الطاء وضم الهاء

ص: 355

وَتَشْهَدَ (1) الْمَنَاسِكَ كلَّها مَعَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهَا لا تَطُوفُ (2) بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلا تَقْرَبُ (3) الْمَسْجِدَ وَلا تحِل (4) حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

464 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قدمتُ (5) مكّةَ و (6) أنا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ (7) بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فشكوتُ ذَلِكَ (8) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: افْعَلِي (9) مَا يفعلُ الحاجُّ (10) غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطّهَري.

(1) وقوله: وتشهد المناسك، أي مناسك الحجّ كلها من الوقوف بعرفة وبمزدلفة ورمي الجمار وغيرها لأنها ليست في المسجد ولا شرط لها الطهارة.

(2)

أي طواف الإِفاضة.

(3)

قوله: ولا تقرب المسجد، مبالغة في النهي والغرض نفي الدخول ولو لغير طواف.

(4)

قوله: ولا تحل، أي لا تخرج من الإِحرام حتى تطوف طواف العمرة أو طواف الإِفاضة وتسعى بعده.

(5)

أي في حجة الوداع.

(6)

الواو الحالية.

(7)

لكون الطواف محرَّماً في الحيض وكون السعي موقوفاً عليه.

(8)

أي ما وقع لي.

(9)

قوله: افعلي، أي ارفضي عمرتك وأحرمي بالحج وافعلي جميع أفعاله.

(10)

أي من مناسكه.

ص: 356

465 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا (1) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عامَ (2) حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا (3) بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم: من (5) كان معه

(1) من المدينة.

(2)

قوله: عام حجة الوداع، وهو عام عشرة من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أصحابه وهي آخرحجّته، وسميت تلك السنة بعام حجة الوداع، لأنّه ودّع الناس فيها، وقال: خذوا عني مناسككم لعلي لا أحج بعد عامي هذا.

(3)

قوله: فأهللنا بعمرة، ظاهرة أن عائشة كانت محرمة بالعمرة مفردة، وقد صرح به في رواية عنها عند البخاري وغيره: وكنتُ ممن أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجّ، ومنا من أهلّ بحج وعمرة. وفي رواية عنها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نُرى إلا أنه الحجّ فلما قدمنا مكة تطوّفنا بالبيت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهَدْي أن يحل أي من الحج بعمل العمرة وهو فسخ الحج، وهذا محمول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم دفعاً لاعتقادهم - بفسخ الحج إلى العمرة، وقيل: إنها كانت أحرمت بالحج أولاً فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفسخ فسخت إحرام الحج وأحرمت بالعمرة، والتفصيل في "فتح الباري". والعجب من القاري أنه قال: إنها كانت مُفْرِدة بالحج بالاتفاق، وكان فسخها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. فإن إحرامها قد اختلفت الروايات فيه اختلافاً كثيراً فأين الاتفاق؟!

(4)

أي بسرف قرب مكة، كما في رواية عند البخاري.

(5)

قوله: من كان معه هَدْي، بالفتح اسم لما يُهدى إلى الحرم من الأنعام، وسَوْق الهَدْي سنة لمريد الحج والعمرة. فليُهلّ، أي ليحرم بالحج والعمرة معاً. ثم لا يَحِلّ، بفتح أوله وكسر ثانيه أي لا يخرج من الإحرام. حتى يحلّ منهما، أي الحج والعمرة جميعاً بعد الفراغ من مناسك الحج.

ص: 357

هَدْيٌ فليُهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لا يُحِلَّ حَتَّى يحلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، قَالَتْ: فقدِمْتُ مكّةَ وَأَنَا حَائِضٌ (1) وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ (2) ُذلك إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: انقُضِي (3) رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وأهلَّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: ففعلتُ، فَلَمَّا قضيتُ (4) الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ (5) فاعتمرتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَذِهِ مَكَانَ عمرتك،

(1) جملة حالية، وكان ابتداء حيضها بسَرَف كما في رواية.

(2)

قوله: فشكوت ذلك، أي لما دخل عليها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: لا أصلي، وكان شكواها يوم التروية، كما في "صحيح مسلم".

(3)

قوله: انقُضِي، بضم القاف وكسر الضاد. رأسك، أي حلِّي ضفر شعره. وامتشطي، أي سرِّحي شعرك بالمشط. وأهلِّي، أي بالحج لقرب أيامه. ودعي، أي اتركي العمرة، وظاهره أنها كانت مفردة بالعمرة فنقضت إحرامها، وقضت تلك العمرة بعد أيام الحج حين قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع أنا بحج، ليس معها عمرة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة بالتنعيم، وقال: هذه مكان عمرتك أي هذه العمرة عوض عمرتك السابقة برفع المكان أو نصبه أي مجعولة مكان عمرتك، وقد وقع في هذا الباب روايات مخالفة لهذا دالة على أنها كانت قارنة ولم تنقض إحرام العمرة بل أهلّت بالحج، ولما طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حللت من حجك وعمرتك، قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فأعمرها بالتنعيم، وهو في "صحيح مسلم" من حديث جابر، لكن لا يخفى أن خبر صاحب القصة عن نفسه أحرى بالقبول من خبر غيره.

(4)

أي أدّيت.

(5)

موضع قرب مكة.

ص: 358

وَطَافَ الَّذِينَ حَلَّوْا (1) بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا (2) آخَرَ بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا (3) الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا (4) طَوَافًا وَاحِدًا.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، الْحَائِضُ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ (5) كلَّها غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفَ وَلا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمروة حتى تَطّهّر، فإن كانت أهلَّتْ (6)

(1) أي خرجوا من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير وكانوا مُحرمين بالعمرة مفردة.

(2)

هو طواف الزيارة للحج.

(3)

أي قرنوا.

(4)

قوله: فإنما طافوا طوافاً واحداً، هذا نص في أنه يكفي الطواف الواحد والسعي الواحد للحج والعمرة كليهما للقارن، ونحوه ما روي عن ابن عمر مرفوعاً: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد، أخرجه ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن غريب. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس وجابر وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه إلا طوافاً واحداً لحجتهم وعمرتهم، ونحوه عند الترمذي والدارقطني عن جابر وعند الدارقطني عن ابن عباس وأبي قتادة وأبي سعيد، وسند بعضها ضعيف، ويخالف هذا ما أخرجه النسائي عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين وسعى سعيين، ونحوه عند الدارقطني عن ابن عمر وابن مسعود وعمران بن حصين. وفي أسانيدها كلام كما بسطه الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية"، ولأجل هذا الاختلاف اختلف الأئمة. فقال أصحابنا بالتعدُّد وهو الأقيس، وغيرهم ذهبوا إلى إجزاء التوحُّد، وقد ذكرنا سابقاً بعض ما يتعلق بهذا المقام فتذكَّره.

(5)

أي مناسك الحج.

(6)

أي أحرمت.

ص: 359

بِعُمْرَةٍ (1) فَخَافَتْ فَوْتَ الْحَجِّ (2) فلْتُحْرم بِالْحَجِّ، وتقفْ (3) بِعَرَفَةَ، وترفُض (4) الْعُمْرَةَ، فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا (5) قضتْ الْعُمْرَةَ (6) كَمَا قَضَتْهَا (7) عَائِشَةُ، وَذَبَحَتْ (8) مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي.

بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَبَحَ عَنْهَا (9) بَقَرَةً، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إِلا مَنْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّهُ يَطُوفُ (10) طَوَافَيْنِ ويسعى سعيَيْن.

(1) أي منفردة.

(2)

بأن جاء موسم الحج.

(3)

وتؤدي المناسك كلها غير الطواف والسعي.

(4)

أي تتركها وتنقض إحرامها (وبسط في الأوجز 8/73 الكلام على روايات عائشة رضي الله عنها، وفيه قال الشيخ ابن القيم: فالصواب الذي لا معدل عنه أنها كانت معتمدة ابتداءً كما قال به الجمهور مع الاختلاف بينهم أنها فسخت العمرة أو قرنتها مع الحج. قلت: وبالأول قالت الحنفية، وبالقول الثاني قالت الأئمة الثلاثة وهذا الإختلاف مبني على اختلاف آخر وهو أن القارن يأتي بأفعال العمرة مستقلا وبأفعال الحج مستقلا عند الحنفية وأما الأئمة الثالثة فقالوا تدخل أفعال العمرة في أفعال الحج انظر حجة الوداع ص 64) .

(5)

في نسخة: حجتها.

(6)

أي بعد الحج.

(7)

بالأمر النبوي.

(8)

أي للمتمتع.

(9)

وفي رواية: ذبح عن نسائه، أخرجه البخاري وغيره.

(10)

طوافاً وسعياً للعمرة، وطوافاً وسعياً للحج.

ص: 360

34 -

(بَابُ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فَي حجِّها قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ (1) الزِّيَارَةِ)

466 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي أَبُو (2) الرِّجَالِ، أَنَّ عَمْرة أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا حجَّتْ وَمَعَهَا نِسَاءٌ تَخَافُ (3) أنْ تَحِضْنَ قَدَّمَتْهُنَّ (4) يوم النحر فأَفَضْنَ (5) ، فإن حِضْن

(1) قوله: طواف الزيارة، هو طواف الحج وهو أحد أركانه ويسمَّى طواف الإِفاضة وطواف الفرض أيضاً، ووقته أيام النحر، أفضلها أولها.

(2)

قوله: أخبرني أبو الرجال، هو محمد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حارثة بن النعمان الأنصاري، سمع أنس بن مالك وأمَّه، وعنه الثوري ومالك، من أجلَّة الثقات، وأمُّه عَمْرة - بالفتح - بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة كانت في حجر عائشة، وربَّتها، وروت عنها كثيراً، وهي من التابعيات المشهورات، وابنها محمد كُنِّي بأبي الرِّجال بالكسر جمع رجل لأنه كان له عشرة أولاد ذكور، كذا ذكره ابن الأثير وغيره.

(3)

أي تخاف عائشة أن يأتيهن الحيض لقرب أوقاتهن المضادة للحيض.

(4)

قوله: قدَّمتهن، من التقديم أي أرسلتهن قبل جميع الرفقاء وقبل نفسها إلى مكة ليفرغن من طواف الزيارة الذي هو أحد أركان الحج لئلا يلزم التوقف في المراجعة إن جاءهن الحيض قبل الطواف فيلزم انتظار تطهُّرِهنَّ وطوافهن.

(5)

من الإفاضة أي طفن طواف الإفاضة.

ص: 361

بَعْدَ ذَلِكَ (1) لَمْ تَنْتَظِرْ (2) ، تَنْفِرُ بِهِنَّ وَهُنَّ حُيَّضٌ إِذَا كُنَّ قَدْ أَفَضْن.

467 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (3) بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَمْرة ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عن عائشة قالت: قلت

(1) أي بعد طواف الزيارة.

(2)

قوله: لم تنتظر، أي طهارتهن عن الحيض، بل تنفِرُ بكسر الفاء من النفر أي ترجع وتسافر إلى المدينة بهن، وهن: أي الحال أنهن حُيَّض بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة جمع حائض، إذا كن قد أفضن أي فرغن من طواف الإفاضة، فلا تنتظر لطوافهنَّ الوداع، فإن طواف الوداع ويسمى أيضاً طواف الصَّدَر وإن كان واجباً للآفاقي لكنه ساقط وجوبه عن الحُيَّضِ وأمثالهن لما سيأتي من الخبر المرفوع.

(3)

قوله: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. أنَّ أباه هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وقد مرَّت ترجمتهما. وهذا الذي ذكرنا مصرَّح به في روايات البخاري ومسلم وغيرهما وفي موطأ يحيى، ونص عليه شرّاح صحيح البخاري: العيني والكرماني وابن حجر والقسطلاني وغيرهم، وشراح صحيح مسلم، وشرّاح موطأ يحيى وغيرهم. والعجب كل العجب من علي القاري - ولا عجب فإن البشر يخطئ - حيث يقول: حدثنا عبد الله بن أبي بكر شهد الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرُمي بسهم رماه أبو محجن الثقفي، فمات منه في خلافة أبيه في شوال سنة إحدى عشرة، وكان أسلم قديماً، أن أباه أي أبا بكر الصديق أخبره عن عَمْرة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة، فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر. انتهى كلامه. فأخطأ في هذه السطور العديدة في مواضع: أحَدها: في زعمه أن عبد الله بن أبي بكر المذكور هو ابن أبي بكر الصديق، ولو لم ينظر موطأ يحيى وصحيح البخاري وغيرهما من الكتب المخرَّجة لهذا الحديث، بل تأمل فيما ذكره

ص: 362

يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ صَفِيَّة (1) بنتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ لَعَلَّهَا (2) تَحْبِسُنا، قَالَ: أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ (3) مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ؟ قلن: بلى إلَاّ أنها لم تطف

بنفسه ههنا من حال عبد الله لوضح له خطؤه، فإنه ذكر أن عبد الله بن أبي بكر الصدّيق مات سنة إحدى عشرة فهل يقول فاضل ممارس بكتب الحديث والرجال إن مالكاً صاحب الموطأ الذي وُلد سنة إحدى أو ثلاث أو أربع أو سبع وتسعين يروى عنه ويقول فيه حدثنا الدالّ على المشافهة، أَوَلم يعلم أن مالكاً لو أدرك عبد الله الذي ذكره لأدرك عمر وعثمان وأبا بكر وعلياً وكثيراً من الصحابة لكون أجلَّة الصحابة موجودين في ذلك الوقت، فكان مالك من أكابر التابعين، ولم يقل به أحد.

وثانيها: في زعمه أن المراد بأبيه هو أبو بكر الصديق هو مبنيٌّ على الأول.

وثالثها: في زعمه أن عمرة المذكورة في هذه الرواية هي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، لا والله بل هي عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة أم أبي الرجال. ورابعها: في زعمه أن هذا من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر، وهو مبنيٌّ على زعمه الثاني.

(1)

قوله: إن صفيَّة، هي أم المؤمنين صفية بفتح أوله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه بنت حُيَيّ - بضم الحاء المهملة وفتح الياء التحتانية الأولى وتشديد الأخرى بن أَخطب - بالفتح - ابن سَعية - بالفتح - من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران أخي موسى، قُتل زوجها كنانة في غزوة خيبر حين افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة سبع، فوقعت في السَّبْي فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وأسلمت فأعتقها وتزوجها، وكانت وفاته سنة 52، وقيل غير ذلك، كذا ذكره ابن الأثير.

(2)

قوله: لعلها تحبسنا، أي تمنعنا من الخروج إلى المدينة لانتظار طهارتها وطوافها، وظاهر هذه الرواية أن هذا قول عائشة، وعند البخاري وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلها تحبسنا، ألم تكن طافت معكنَّ؟

(3)

أي طواف الزيارة.

ص: 363

طَوَافَ الْوَدَاعِ، قَالَ: فاخْرُجْن (1) .

468 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سُلَيْم (2) ابْنَةِ مِلْحان قَالَتْ: استفتيتُ (3) رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيمن حاضت أو ولدت (4) بعدما

(1) أي لا تنتظرن طواف الوداع وفي رواية للبخاري: فاخْرُجي، خطاباً لصَفِيَّة.

(2)

قوله: عن أم سُلَيم، بضم السين وفتح اللام بنت مِلْحان بكسر الميم وسكون اللام، اسمها سهلة أو رُمَيْلة - مصغَّراً - أو رُمَيْثة - كذلك - أو مُلَيْكة - كذلك - أو أنيفة، وهي والدة أنس، وقد مرَّ ذكرها. وذكر ابن عبد البر أن في هذه الرواية انقطاعاً لأن أبا سلمة لم يسمع أم سُلَيْم. وروي أيضاً من حديث هشام عن قتادة، عن عكرمة عنها وهو أيضاً منقطع، وذكر الحافظ في "فتح الباري" أن لهذه الرواية شواهد فعند الطيالسي في مسنده عن هشام الدستوائي عن قتادة، عن عكرمة، قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس: تنفر إن شاءت، فقال الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً، فقال: سَلُوا صاحبتكم أم سُلَيْم، فقالت: حضتُ بعد ما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنفر. وعند مسلم والنسائي والإسماعيلي عن طاوس. قال: كنت مع ابن عباس فقال له زيد: تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالطواف؟ فقال: سل فلانة الأنصارية، هل أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؟ فقال بع دما رجع إليه: ما أراك إلَاّ صدقت. وعند الإسماعيلي، فقال ابن عباس: سل أم سُلَيْم وصواحبها: هل أمرهنَّ بذلك؟

(3)

أي طلبت الفتوى والحكم.

(4)

أي نفست بعد ما ولدت.

ص: 364

أفاضَتْ (1) يَوْمَ النَّحْر فَأَذِنَ (2) لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فخَرَجَتْ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، أَيُّمَا امرأةٍ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ يَوْمَ النَّحْرِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا تنفِرَنَّ (3) حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ (4) ، وَإِنْ كَانَتْ طَافَتْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ وَلَدَتْ فَلا بَأْسَ (5) بِأَنْ تنفِر (6) قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الصَّدَر (7) . وَهُوَ (8) قَوْلُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى والعامة من فقهائنا.

(1) أي طافت طواف النحر.

(2)

قوله: فأذن لها، أي لمن حاضت أو ولدت أو لأم سُلَيم، فإنها كانت استفتت عن حال نفسها، ويدل عليه عبارة موطأ يحيى أنَّ أم سليم استفتتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وحاضتْ أو ولدت بعد ما أفاضت يوم النحر، فأذن لها أن تخرج فخرجت، وبناءً عليه قال الزرقاني: أو ولدت شكٌّ من الراوي.

(3)

أي لا تخرجن ولا ترجعن.

(4)

لأن طواف الزيارة أحد أركان الحج فلا يمكن النفر بدونه.

(5)

أي جاز لها ذلك فإنْ أقامت حتى طافت فهو أفضل.

(6)

أي تسافر.

(7)

بفتح الأول والثاني بمعنى الرجوع وهو طواف الوداع.

(8)

قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الجمهور (قال النووي: هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلَاّ ما حكى ابن المنذر عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم أمروا بالمقام لطواف الوداع. ودليل الجمهور هذا الحديث وحديث صفية. شرح النووي على صحيح مسلم 3/462) من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ورُوي خلافه عن ابن عمر وزيد وعمر فإنهم أمروا الحائض بالمقام

ص: 365

35 -

(بَابُ الْمَرْأَةِ تُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ فَتَلِدُ أَوْ تَحِيضُ قَبْلَ (1) أَنْ تُحرم)

469 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ (2) أَسْمَاءَ (3) بِنْتِ عُمَيْس (4) وَلَدَتْ (5) محمدَ بْنَ أبي بكر (6)

إلى أن تطوف طواف الصدر. قال ابن المنذر: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد وبقي عمر، فخالفناه لثبوت حديث عائشة (انظر فتح الباري 3/587)

(1)

قوله: قبل أن تحرم، قال القاري: فيه إشارة إلى أنه لا يلزم من الإرادة تحقيق النية، كذا لا يكفي عن النية بمجرد قوله: اللَّهم إني أريد الحج والعمرة، فإن الدعاء إخبار ولا بدَّ في النية من الإنشاء.

(2)

قوله: أن، هكذا قال القعنبي وابن بكير وابن مهدي وغيرهم من رواة الموطأ، وقال يحيى ومعن وابن القاسم وقتيبة عن أبيه، عن أسماء، وعلى كل حال فهو مرسل لأن القاسم لم يلقَ أسماء، قاله ابن عبد البر. وقد وصله مسلم وأبو داود وابن ماجه عن القاسم، عن عائشة، ورواه النسائي وابن ماجه عن القاسم، عن أبي بكر الصديق، كذا ذكره السيوطي.

(3)

زوجة أبي بكر الصديق.

(4)

بصيغة التصغير.

(5)

أي حين سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قبل وفاته بثلاثة أشهر.

(6)

قوله: محمد بن أبي بكر، يُكنى بأبي القاسم، نشأ بعد ما مات أبوه في حجر علي، وشهد معه الجمل والصِّفِّين، وكان من نُسّاك قريش إلَاّ أنه أعان على قتل عثمان، وولاّه عثمان بمصر، فأقام بها إلى أن بعث معاوية الجيوش فيهم عمرو بن العاص ومعاوية بن خديج، ووقع القتال فانهزم محمد بن أبي بكر وقتله

ص: 366

بالبَيْداء (1) ، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مُرْها فَلْتَغْتَسِلْ (2) ثُمَّ لِتُهِلَّ (3) .

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ فِي النُّفساء وَالْحَائِضِ جَمِيعًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا.

36 -

(بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ (4) فِي الحجِّ)

470 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْر الْمَكِّيُّ، أَنَّ أَبَا مَاعِزٍ (5) عَبْدَ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْتَفْتِيهِ (6) فَقَالَتْ: إِنِّي أقبلتُ (7) أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ الْبَيْتَ حَتَّى إِذَا كنتُ عِنْدَ باب المسجد (8) أهرقت (9) ،

ابن خَديج في صَفَر سنة ثمان وثلاثين، كذا في "تحفة المحبِّين بمناقب الخلفاء الراشدين".

(1)

قال القاري: هو مقدمة الصحراء بذي الحليفة.

(2)

قوله: فلتغتسل، أي غُسْل الإِحرام للنظافة لا للطهارة.

(3)

أي لتحرم.

(4)

أي ماذا حكمها؟.

(5)

هو من أعيان التابعين.

(6)

أي تطلب الحكم في شأنها.

(7)

قوله: أقبلتُ، أي توجهت وأردت الطواف بالبيت.

(8)

أي المسجد الحرام.

(9)

قوله: أهرقت، أي سال الدم مني، وهو معروف أو مجهول، يُقال أراق

ص: 367

فرجعتُ (1) حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ (2) عَنِّي، ثُمَّ أقبلتُ (3) حَتَّى إِذَا كنتُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَهْرَقْتُ، فَرَجَعْتُ حَتَّى ذَهَبَ ذلِك عَنِّي، ثُمَّ رَجَعْتُ (4) إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، فَقَالَ لَهَا ابْنُ عمر: إنما (5) ذلِك رَكْضَة من الشيطان

الماءَ يُريقه، وهَراقَه يُهَريقُه بفتح الهاء هراقة، وأهرقته إهراقة وإهراقاً بالجمع بين البدل والمبدل منه فإن الهاء في هراق بدل من الهمزة، كذا في "مجمع البحار".

(1)

أي إلى البيت.

(2)

أي سيلان الدم.

(3)

أي توجهت إلى المسجد.

(4)

أي مرة ثالثة.

(5)

قوله: إنما ذلك، بكسر الكاف يعني ليس ذلك الدم إلَاّ ركضة من الشيطان، وليس بدم حيض حتى يمنع من الصلاة والطواف ودخول المسجد. وقد ورد كون الاستحاضة من ركضات الشيطان مرفوعاً من حديث حَمْنة بنت جحش عند الترمذي وأبي داود وأحمد، ولا ينافي ذلك ما في صحيح البخاري من حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حُبيش من قوله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عِرْقٌ انفجر، وذلك لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ركض ذلك العرق سال منه الدم. وللشيطان في هذا العِرْق الخاص تصرُّف، وله به اختصاص بالنسبة إلى جميع عروق البدن، كذا ذكره القاضي بدر الدين الشِّبْلي في "آكام المرجان في أخبار الجّان"، وقال ابن الأثير في "النهاية": أصل الركض الضرب بالرجل، ومنه قوله تعالى:{اركُضْ برِجلْك} (سورة ص: الآية 42) ، والمعنى أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً للتلبيس عليها في أمر دينها من طهرها وصلاتها.

ص: 368

فَاغْتَسِلِي (1) ثُمَّ اسْتَثْفِرِي (2) بثوبٍ ثُمَّ طُوفِي (3) .

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، هَذِهِ (4) الْمُسْتَحَاضَةُ فَلْتَتَوَضَّأْ وَلْتَسْتَثْفِرْ

(1) قوله: فاغتسلي، قال القاري: لعل أمرها بالغسل لتقدُّم حيضها أو لتكميل طهارتها ونظافتها وإلَاّ فالمستحاضة تتوضأ إذا استمر دمها لكل وقت، وأما إذا نسيت عادتَها فيجب عليها لكل صلاة غسل.

(2)

قوله: ثم استثفري، الاستثفار أن تشدَّ فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحشي قطناً، وتوثق طرفيها بشيء تشدُّه على وسطها، من ثفر الدابة الذي (في الأصل:"التي"، وهو تحريف) يُجعل تحت ذنبها، كذا في "مجمع البحار" وغيره.

(3)

قوله: ثم طوفي، قال الزرقاني: قال سحنون في كتاب "تفسير الغريب": سألت ابن نافع: أذلك من المرأة بعد ما تلوَّمت أيام الحيض ثم شكت طول ذلك بها ومعاودته إياها؟ قال: لا، ولكن ذلك فيما نرى في يوم واحد ذهبت ثم رجعت وذهبت ثم رجعت ثم سألت، فرآه ابن عمر من الشيطان. وقال غيره: يحتمل أنها ممن قعدت عن الحيض فلا يكون دم حيض وأمرها بالغسل احتياطاً، ويحتمل أنه رآها كالمستحاضة والحيض له غاية ينتهي إليها، وقال أبو عمر: وأفتاها ابن عمر فتوى من علم أنه ليس بحيض. وقد رواه جماعة من رواة الموطأ بلفظ إن عجوزاً استفتت

إلى آخره. ودل جوابه أنهما ممَّن لا تحيض لقوله إنها ركضة من ركضات الشيطان، ولذلك قال لها: طوفي، وإنما يحل الطواف لمن تحل له الصلاة، وأما قوله اغتسلي فعلى مذهبه من ندب الاغتسال للطواف لها أنه اغتسال للحيض ولا أنه لازم. انتهى (شرح الزرقاني 2/312) .

(4)

هذه المرأة مستحاضة لا حائضة.

ص: 369