الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متن ابن الصلاح في هذه الطبعة
.
ذكرت وأنا أطيل النظر في نسخنا الخطية المعتمدة لكتاب ابن الصلاح، وصية شيخي " الأستاذ أمين الخولي " رضي الله عنه بمقاومة جاذبية القدَم في موازين التوثيق، لأبصر ما قد تحجبه هذه الجاذبية من علل ٍ في مخطوط قديم، تؤخره عن نسخ أحدث زمنا وأتمَّ أصالة.
النسخة العراقية أحدث زمنا من الموصلية والمغربية، يفصلها عنهما نحو قرن، لكنها مع تأخر زمنها، كانت جديرة بأن نعتمدها أصلا للمتن في طبعتنا هذه، في مخطوطها الأصل العتيق المقروء على المصنف، الحافظ العراقي وعليه خطه - لا شك فيه - بتصحيح كل مجلس للسماع تقريبا، ثم على مقابلة النسخة بأصله، وتوقيعه بعدها بإجازة رواية الكتاب عنه، وسائر (ما يجوز له وعنه من مسموع ومُجَاز وتأليفٍ، من نثر ونظم).
لكني احتجت مع هذه النسخة، إلى مقاومة إغراء أصالتها النادرة، فهي أصلاً كتاب التقييد والإِيضاح للعراقي، وقد جاء متن ابن الصلاح فيها مُدرجًا في متن العراقي المشحون بالنقول والأعلام والمراجعات والتعقبات والمقابلات
…
وقد خلت النسخة أجمع من الفواصل وعلامات الفصل والوصل دون تمييز لعناوين الأنواع والفصول والتفريعات بمدادٍ غير مداد النسخة، أو كتابتها أوائل سطر .. وكان يمكن بمشقة بالغة، استخلاص متن ابن الصلاح منها؛ إذ ليس الحافظ العراقي بحيث يفوته تمييز منقوله منها اتقاءَ الإِدراج والإِلباس، لكني تنبهت إلى علامات من مصطلح الرسم فيها غير مألوفة لي، لم أُسِغْ الاعتماد عليها باجتهاد. منها مثلا ما ظهر لي بادي النظر من احتمال تمييز فواصل الجمل بعلامة سكون صغيرة مقفلة (ْ) كأنها علامة وقف. وتمييز أوائل أقوال ابن الصلاح عن سائر النقول، بمدِّ حرف اللام من (قوله) ونحو ذلك مما أحتاج معه إلى إمعان النظر فيما لم آلفه من رسم هذا المخطوط الفريد وتحقيقه على تفرغ ٍ وخلوِّ بال، إذا يسَّر الله تعالى وأعان.
بل إنني حَذِرتُ كذلك، الإحالة عليه في مواضع النقل منه أو المقابلة عليه. فقابلت به
الطبعة الثانية من (التقييد والإِيضاح) للمكتبة السلفية بالمدينة المنورة، تيسيرًا للإِحالة عليها.
النسخة الموصلية، تتصدر سائر النسخ بِقِدَمِها - مع معرفة أصلها - وبقراءة قدر منها، على الحافظ أبي الفضل العراقي.
لولا أنها آلت إلى صاحبها " ناصر الدين ابن العديم " بالتملك في القرن الثامن، منقطة الاتصال بأصلها في القرن السابع، ويمكن التجاوز عن هذا الانقطاع من طريق الحافظ العراقي، لو أنها قرئت عليه كاملة، لكن القدر المقروء عليه منها، ثلثها تقريبا، ثم تنقطع بلاغاته للناصر ابن العديم بتصحيح القراءة والسماع. من ثنايا القسم الأول من النوع الرابع والعشرين إلى نهاية النوع الخامس والستين - آخر الكتاب - مع انتفاء احتمال وفاته قبل إكمال قراءة النسخة عليه. فالناصر ابن العديم توفي في سنة 752 هـ، والعراقي في نحو السابعة والعشرين من عمره، أي بعد وفاة الناصر بأكثر من نصف قرن. ولئن أمكن التجاوز عن هذا أيضا، تقديرًا لاطلاع العراقي عليها جملة وسماحه بقراءتها عليه، لقد أضرَّ بها ما أشرنا إليه في وصفها من خلل ٍ هذا مجملُ بيانه:
سقط من أوائل النسخة قدر عشر صفحات منها، تبدأ من (النوع الخامس والستين) من فهرسة ابن الصلاح لأنواع الحديث في كتابه إلى آخر الأنواع. ثم متن النوع الأول كله " معرفة الصحيح من الحديث، [2 / أ] وهو من أوسع الأنواع - عدا السطر الأخير منه، قوله: " بالتبديل والتحريف، الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول، والله أعلم " بدئن به الصفحة التالية [2 / ب] بإدراج ما قبل السقط الكبير فيما بعده، دون تنبه إليه، وتوالي ترقيم الصفحات على هذا الإدراج.
ولا يدخل هذا السقط كله في المقروء من النسخة على الحافظ العراقي، إذ يبدأ أول بلاغ له بتصحيح القراءة والسماع، في ثنايا تفريعات النوع الثاني (الحديث الحسن) بعد الساقط من النسخة وهذه صورة توقيعه بخطه:
(بلغ ناصرالدين محمد، ولدُ قاضي القضاة كمال الدين ابن العديم، قرأه عليَّ من أول الثالث من هذه التفريعات إلى الخامس، قراءة بحث ونظر،
وعمُّه زين الدين عبدُالرحمن، وشمسُ الدين محمد بن خليل الحلبي. كتبه عبدالرحيم بن الحسين).
وأشد من هذا الخلل، ما وقع في ثنايا النوع السادس والعشرين (صفة رواية الحديث وشرط أدائه): سقط منه أواخر التفريع السادس عشر، وأضيف بهامشه لحقا، ثم التفريعان العشرون والحادي والعشرون، وبه يُختم النوع. وسقط أول تاليه: النوع السابع والعشرون، إلى قوله:" أو لإِفادة شيء من علومه " وأدرج ما قبل السقط من تفريعات النوع السادس والعشرين، فيما بعده من النوع السابع والعشرين. فجاء النص خليطا مضطربا مختلا.
وليس هذا الخلل مظنة احتمال ِ ضياع ورقات من المخطوطة، إذ يقع في ثنايا صفحة [52 / ب] لا في أولها، ولا في آخرها. وهذا الخلل أيضا، لا يدخل في المقروء من النسخة على الحافظ العراقي؛ إذ تنقطع بلاغاته بتصحيح القراءة والسماع، من ثنايا القسم الأول من (النوع الرابع والعشرين)[26 / أ]- إلى آخر الكتاب (النوع الخامس والستين).
ثم إنها مع تجويد خطها وتحرير ضبط الشكل لألفاظها، معيبة بإدراج عام للفقرات والجمل والنقول، فتمضي التفريعات والمسائل سردًا دون علامة فصل أو تمييز فقرة أو حصرٍ لنقل، مما لا يؤمن معه إقامة نصها إلا أن نثقل على المتن، لو أننا نقلناه منها، بالتنبيه على مظان العثار من مواضع الإِدراج والإِيهام والتصحيف.
فكان أن قدمنا هذا المتن من النسخة المغربية (غ) وهي أصح ضبطا وأتم سياقا وأحرص على التزام قواعد المنهج في الرواية والنقل والمقابلة، وفي الطرر والحواشي التي ضاقت بها هوامش النسخة فجيء بها في ورقات متصلة.
هذا مع اتصال سندها إلى أصل التقي ابن رزين على ابن الصلاح، وبلاغ ابن رزين بتصحيح قراءة الشمس ابن جميل للنسخة مرتين - في سنتي 873، 678 هـ ثم قراءتها على النجم أبي بكر الواسطي، وعلى عز القضاة ناصر الدين ابن المنير، وتقييد طبقات السماع على النسخة الأصل، وعلى فرع ابن جميل، ومجالس السماع على عز القضاة ابن المنير.
فلا يضير هذه النسخة، مع مزاياها الفريدة أنْ تأخر تاريخها - 713 هـ - عن تاريخ الموصلية - 661 هـ - وقد تبين من تخريجنا لمعجم أصحاب أبي عمرو ابن الصلاح أن
العهد بهم امتد حتى الربع الأول من القرن الثامن. وهذا المجال الزمني تدخل فيه النسختان (ص، غ) كلتاهما.
ومما آنسني إلى نسخة (غ) ما عمرت به حواشيها من أمال ٍ لأبي عمرو ابن الصلاح على متن كتابه عند الإِملاء وفي مجالس القراءة والسماع، وجد قدر غير قليل منها، بنصه، على هوامش (ص) وبعضها في مصنفات للأئمة على كتابه، كتقييد العراقي وتبصرته ومحاسن السراج البلقيني، مع ما تنفرد به (غ) من طرر أخرى خصبة وأمال ٍ لشيوخ ممن قرئت عليهم النسخة، أو أصولها، تراجمَ لأعلام وضبطا لمشتبه وملتبس وإيضاحا لمبهم، نقلا من أصول كبرى ككفاية الخطيب وجامعه وعلوم الحاكم وتمييزه، وتمهيد ابن عبدالبر واستيعابه وجامعه، وتقييد المهمل لأبي علي الغَسَّاني الجياني، وإكمال الأمير أبي نصر ابن ماكولا وإلماع القاضي عياض ومشارق أنواره، وإكماله شرح صحيح مسلم، وتهذيب النووي وإرشاده وتقريبه، واقتراح ابن دقيق العيد أبي الفتح القشيري
…
روجعت هذه الطرر على الميسور لنا من مصادرها فصح بها النقل، وشهدت لمن تداولوا هذه النسخة بسعة الرواية.
وربما آنسني إليها كذلك، أنه حينما ذكر فيها المصنف أو المملي، تلته الجملة الدعائية:" حفظه الله وأبقاه " على حين يُذكر في (ص) متلوا بالدعاء: " رحمه الله " وهو يشبه أن يكون دعاء الراوي للشيخ بعد وفاته، لا في حياته حين أملى الكتاب، في الأصل المنقول منه.
وقد بقي للنسخة الموصلية على أي حال موضعها في النسخ الموثقة، أصْلا لما سلم منها واستقام، مع ترجيح روايتها في مواضع الخللاف، وليست كثيرة، فيما اتفقت فيه مع العراقية. ومع الاستئناس بالنسخة الزريقية في الترجيح، وفي ترميم خروم ٍ وإظهار مطموس، وقراءة ملتبس، والله المستعان.