الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: أن يأتيَ الطالبُ الشيخَ بكتابٍ أو جزء فيقول: " هذا روايتُك فناوِلنيه وأَجِزْ لي (1) روايتَه ". فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحققَ روايتَه لجميعِه. فهذا لا يجوز ولا يصح *. فإن كان الطالبُ موثوقًا بخبرِه ومعرفته جاز الاعتمادُ عليه في ذلك، وكان ذلك إجازةً جائزة، كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتمادُ على الطالبِ حتى يكون في القارئ من الأصل، إذا كان موثوقًا به معرفةً ودِينًا **.
قال " الخطيب أبو بكر ": ولو قال: " حدِّث بما في هذا الكتاب عني إن كان من حديثي مع براءتي من الغلَطِ والوهم؛ كان ذلك جائزًا حسنًا "(2). والله أعلم.
الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة
، بأن يناوله الكتابَ كما تقدم ذكرُه أولا، ويقتضر على قولِه:" هذا من حديثي، أو: من سماعاتي " ولا يقول: " اروِه عني، أو: أجزتُ لك روايتَه [47 / و] عني " ونحو ذلك؛ فهذه مناولة مختلة لا تجوز الروايةُ بها. وعابها غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين على المحدِّثين الذين أجازوها وسوَّغوا الروايةَ بها. وحَكَى " الخطيبُ " عن طائفةٍ من أهل ِ العلم أنهم صحَّحوها وأجازوا الروايةَ بها. (3) وسنذكر إن
(1) في ص: [وأجزني].
(2)
في الكفاية: 318 وانظر جامع بيان العلم (2/ 179 - 180) والإلماع (95).
(3)
الخطيب في الكفاية (328) من طريق ابن خلاد الرامهرمزي، وهو في (المحدث الفاصل) بإسناده: حدثنا الساجي، ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال: اجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب بن عبدالعزيز، أني إذا أخذت الكتاب من المحدث، أن أقول فيه: أخبَرني " ص 440 ف 513.
_________
* المحاسن:
" على هامش المحاسن، بخط الشيخ:
[حاشية: قوله: فلا يجوز؛ فيه نظر؛ لأنه يشتمل على ما إذا استمر الحال على عدم المعرفة، أو انكشف. وفي هذا الثاني يكون على تقدير قوله: أجزرك بروايته، إن كان من مروياته
…
وهو أولى مما تقدم في بحث الإجازة " 57 / و.
** " فائدة: لا سيما إذا كان الكتابُ مشهورًا كالبخاري أو مسلم أو نحوِهما؛ فإنه يقرب من تمليكه له أو إعارته. انتهت " 57 / و.
شاء الله سبحانه وتعالى قولَ من أجاز الروايةَ بمجردِ إعلام ِ الشيخ الطالبَ أن هذا الكتابَ سماعُه من فلان *. وهذا يزيدُ على ذلك ويترجَّحُ بما فيه من المناولة؛ فإنها لا تخلو من إشعارٍ بالإذنِ في الرواية. والله أعلم.
القولُ في عبارةِ الراوي بطريقِ المناولةِ والإجازة:
حُكِيَ عن قوم من المتقدمين ومَن بعدهم أنهم جوَّزوا إطلاق " حدثنا وأخبرنا " في الرواية بالمناولة. حُكي ذلك عن " الزُّهري، ومالكٍ " وغيرهما. (1) وهو لائقٌ بمذهبِ جميع ِ من سبقت الحكايةُ عنهم أنهم جعلوا عَرْضَ المناولةِ المقرونةِ بالإجازة سماعًا. ويُحكَى أيضًا عن قوم مثلُ ذلك في الرواية بالإجازة. وكان الحافظُ " أبو نُعَيم الأصبهاني " صاحبُ التصانيف الكثيرة في علم الحديث، يطلق " أخبرنا " فيما يَرويه بالإجازة. روينا عنه أن قال:" أنا إذا قلتُ: حدثنا؛ فهو سَماعي، وإذا قلتُ: أخبرنا، على الإطلاق؛ فهو إجازة من غير أن أذكر: إجازةً أو كتابةً، أو: كَتبَ إليَّ، أو: أَذِنَ لي في الرواية عنه ".
وكان " أبو عبيدالله المرزباني "(2) الأخباري صاحبُ التصانيف في علم الخبر، يروي
(1) انظرهم في (الإلماع، باب في العبارة عن النقل لوجوه السماع والأخذ، والمتفق في ذلك والمختلف فيه، والمختار منه عند المحققين والمحدثين)128.
(2)
في (هـ): [أبو عبدالله المرزباني] تصحيف. وكذلك وقعت كنيته في طبعة العبر، وفيات سنة 384 (3/ 27).
ترجمة " محمد بن عمران بن موسى، أبي عبيدالله المرزباني " صاحب (معجم الشعراء، والموشح) في: تاريخ بغداد 3/ 135، وابن خلكان 1/ 506 وميزان الذهبي 2/ 429، وإنباه القفطي 3/ 180.
* المحاسن:
على هامش المحاسن بخط الشيخ:
" حاشية: زاد في (المحصور): إذا أشار الشيخ إلى كتاب فقال: هذا سماعي من فلان؛ جازت الرواية عنه، سواء [أراد روايته] أم لا.
قلت: وهذه الإشارة أعلى من الإعلام المجرد " 57 / ظ.
أكثرَ ما في كُتبِه إجازةً من غير سماع، ويقول في الإجازة:" أخبرنا "، ولا بينهما. وكان ذلك - فيما حكاه " الخطيب - مما عيب به (1) ز
والصحيحُ والمختارُ الذي عليه عملُ الجمهور، وإياه اختار أهلُ التحرِّي والورَع، [47 / ظ] المنعُ في ذلك من إطلاق " حدثنا وأخبرنا " ونحوِهما من العبارات، وتخصيصُ ذلك بعبارةٍ تُشعِرُ به، بأن يُقيِّدَ هذه العباراتِ فيقولَ: أخبرنا أو حدثنا فلانٌ مناولةً وإجازةً، أو أخبرنا إجازةً، أو أخبرنا مناولةً، أو أخبرنا إذنا، أو في إذنه، أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق روايتَه عنه. أو يقول: أجاز لي فلان، أو أجازني فلان كذا وكذا، أو ناولني فلان، وما أشبه ذلك من العبارات.
وخصص قومٌ الإجازةَ بعباراتٍ لم يسلموا فيها من التدليس ِ أو طرَفٍ منه، كعبارة من يقول في الإجازة:" أخبرنا مشافهةً " إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظًا، وكعبارةٍ من يقول:" أخبرنا فلانٌ كتابةً، أو فيما كتاب إليَّ، أو في كتابِه " إذا كان قد أجازه بخطِّه. فهذا وإن تعَارَفَه في ذلك طائفةٌ من المحدِّثين المتأخرين، فلا يخلو عن طريفٍ من التدليس؛ لما فيه من الاشتراكِ والاشتباه بما إذا كَتَبَ إليه ذلك الحديثَ بعينِه.
وورد عن " الأوزاعي " أنه خصص الإجازةَ بقوله: " خبَّرنا " بالتشديدِ، والقراءةَ عليه بقوله:" أخبرنا "(2). واصطلح قومٌ من المتأخرين على إطلاق " أنبأنا " في الإجازة، وهو اختيارُ " الوليدِ بن بكر " صاحبِ (الوجازة (3) في الإجازة).
وقد كان " أنبأنا " عند القوم فيما تقدم، بمنزلةِ " أخبرنا ". وإلى هذا نحا الحافظُ المتقن
(1) قال الخطيب: " وكان حسن الترتيب لما يجمعه، غير أن أكثر كتبه لم تكن سماعًا له، وكان يرويها بالإجازة ويقول في الإجازة: أخبران، ولا يبينها ". وقال: " وقد ذكره محمد بن أبي الفوارس فقال: كان يقول بالإجازات. وكان فيه اعتزال وتشيع ". تاريخ بغداد (3/ 135 - 136).
(2)
اسند الرامهرمزي عن الوليد بن مَزْيَدَ البيروني - قال: " قلتُ للأوزاعي: ما قرأته عليك، وما أجزته لي؛ ما أقول فيهما؟ فقال: ما أجزته لك وحدك فقل فيه: خبرني، وما أجزته لجماعةٍ أنت فيهم فقل فيه: خبرنا، وما قرأت عليَّ وحدك فقل: أخبرني، وما قرئ عليَّ في جماعة أنتَ فيهم فقل فيه: أخبرنا، وما قرأتُه عليك وحدك فقل فيه: حدثني، وما قرأتُه على جماعة أنت فيهم فقل: حدثنا " المحدث الفاصل 436 - 501 وانظر كفاية الخطيب: 302 والإلماع 127.
(3)
في (ص): [الإجازة في الإجازة].
" أبو بكر البيهقي " إذ كان يقول: " أنبأني فلانٌ إجازةً ". وفيه أيضًا رعايةٌ لاصطلاح المتأخرين. والله أعلم.
وروينا عن " الحاكم أبي عبدالله الحافظ " رحمه الله أنه قال: " الذي أختارُه وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمة عصري، أن يقول فيما عَرَض على المحدِّث فأجاز له (1) روايتَه شفاهًا: أنبأني فلان، وفيما كتب إليه المحدِّثُ من مدينةٍ ولم يُشافهه بالإجازةِ: كتب إليَّ فلانٌ "(2) وروينا عن " أبي عمرو بن أبي جعفر بن حمدان النيسابوري "[48 / و] قال: " سمعتُ أبي يقول: كلُّ ما قال (3) البخاري: قال لي فلان؛ فهو عَرْضٌ ومناولة ".
قال المملي - أبقاه الله -: وورد عن قوم ٍ من الرواة التعبيرُ عن الإجازةِ بقول: " أخبرنا فلانٌ أن فلانًا حدَّثه، أو أخبره ". وبلغنا ذلك عن الإمام " أبي سليمانَ الخَطَّابي " أنه اختاره أو حَكَاه، وهذا اصطلاحٌ بعيدٌ بعيدٌ (4) عن الإِشعار بالإِجازةِ (5)، وهو فيما إذا سمع منه الإِسنادَ فحسبُ وأجاز له ما وراءه، قريبٌ؛ فإن كلمة أنَّ في قوله:" أخبرني فلان أن فلانًا أخبره " فيها إشعارٌ بوجودِ أصل ِ الإِخبار، وإنْ أجمل المُخبَرَ به ولم يذكره تفصيلا.
قال المملي - أبقاه الله -: وكثيرًا ما يُعبر الرواةُ المتأخرونَ عن الإجازةِ الواقعة في رواية مَنْ فوق الشيخ ِ المُسَمِّع ِ، بكلمة " عن " فيقول أحدُهم إذا سمع على شيخ ٍ بإجازته عن شيخِه:" قرأتُ على فلانٍ عن فلانٍ " وذلك قريبٌ فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن شيخِه، إن لم يكن سماعًا فإنه شاكٌّ. وحرفُ " عن " مشترَكٌ بين السماع ِ والإجازةِ صادقٌ عليهما. والله أعلم.
ثم اعلم أن المنعَ من إطلاق: " حدثنا وأخبرنا " في الإجازةِ، لا يزولُ بإباحةِ المجيز
(1) في (ص): [فأجاز روايته] وفي علوم الحاكم: فأجاز له؛ كما في (غ، ع).
(2)
قوبل على علوم الحاكم (260).
(3)
رسمه في (غ): [كلما قال].
(4)
غير مكرر في (ع) مكرر في (غ، ص) وفوق [بعيد] الثانية منهما: صح في (غ).
(5)
قال عياض: " وأنكر هذا بعضُهم، وحقه أن ينكر؛ فلا معنى له يُتفهم به المراد، ولا اعتيد هذا الوضع في المسألة لغة ولا عرفًا ولا اصطلاحًا ". الإلماع 129.