الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا الحكم في استثباتِ الحافظِ ما شكَّ فيه من كتابِ غيرِه أو من حفظِه، وذلك مروِيٌّ عن غير واحدٍ من أهل الحديث، منهم:" عاصم، وأبو عوانَةَ، وأحمدُ بنُ حنبل ". وكان بعضُهم يبين ما ثبَّتَه فيه غيرُه. فيقول: " حدثنا فلان، وثبتني فلان " كما روي عن " يزيد بن هارون " أنه قال: " أنا عاصم، وثبَّتني شعبةُ، عن عبدالله بن سَرْجِسَ
…
" (1).
وهكذا الأمرُ فيما إذا وجد في أصل ِ كتابه كلمةً من غريبِ العربية أو غيرها غيرَ مقيدةٍ وأشكلتْ عليه؛ فجائزٌ أن يسأل عنها أهلَ العلم بها، ويرويها على ما يخبرونه به. رُويَ مثلُ ذلك عن " إسحاق بن راهَويه، وأحمدَ بنِ حنبل " وغيرِهما، (2) رضي الله عنهم. والله أعلم.
الحادي عشر: إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثرَ، وبين روايتهما تفاوتٌ في اللفظ، والمعنى واحدٌ
، كان له أن يجمعَ بينهما في الإِسناد ثم يسوق الحديثَ على لفظِ أحدِهما خاصةً، ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظُ لفلانٍ، أو: وهذا لفظُ فلان، قال أو قالا: أخبرنا فلان، أو ما أشبه ذلك من العبارات.
ولِ " مسلم: صاحب الصحيح " مع هذا في ذلك عبارةٌ أخرى حسنةٌ، مثلُ قولِه:" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة [65 / و] وأبو سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش " وساق الحديثَ. فإعادتُه ثانيًا ذِكرَ أحدِهما خاصةً، إشعارٌ بأن اللفظَ المذكورَ له.
وأما إذا لم يخص أحدَهما بالذكر، بل أخذ من لفظِ هذا ومن لفظِ ذاك، وقال:" أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظِ، قالا: أخبرنا فلان "؛ فهذا غيرُ ممتنع على مذهبِ تجويز الروايةِ بالمعنى.
وقولُ " أبي داودَ: صاحبِ السنَن ": " حدثنا مُسَدَّد وأبو توبة، (3) المعنى، قالا: حدثنا
(1) الكفاية: (باب ذكر بعض الروايات عمن قال: ثنا فلان وثبتني فلان)218.
(2)
الكفاية: باب القول في المحدِّث يجد في أصل كتابه كلمة من غريب اللغة غير مقيدة؛ هل يجوز أن يسأل عنها أهل العلم بها؟ (255 - 256).
(3)
مسدد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل البصري، أبو الحسن: أول من صنف (المسند) بالبصرة، كان حافظًا حجة من الأئمة الأثبات، توفي سنة 228 هـ (طبقات الحنابلة 1/ 341، وتذكرة الحفاظ 2/ 8). وأبو توبة، الطرطوسي، الربيع بن نافع الحلبي، روى عنه أبو داود. أخرج له الجماعة سوى الترمذي: 241 هـ.
أبو الأحوص " مع أشباهٍ لهذا في كتابِه، يحتمل أن يكونَ من قبيل ِ الأول، فيكون اللفظُ لمسدد ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني، فلا يكون قد أورد لفظَ أحدِهما خاصة، بل رواه بالمعنى عن كليهما *، وهذا الاحتمالُ يقربُ في قوله: " حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، المعنى واحد، قالا: حدثنا أبان ".
وأما إذا جمع بين جماعةِ رواةٍ قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظَ كلِّ واحدٍ منهم، وسكت عن البيان لذلك؛ فهذا مما عيب به " البخاريُّ " أو غيرُه، ولا بأسَ به على مقتضى مذهبِ تجويزِ الرواية بالمعنى، وإذا سمع كتابًا مصنفًا من جماعةٍ، ثم قابل نسختَه بأصل ِ بعضِهم دون بعض، وأراد أن يذكر جميعَهم في الإِسناد ويقول: واللفظ لفلانٍ؛ كما سبق، فهذا يحتمل أن يجوزَ كالأول ِ؛ لأن ما أوردَه قد سمعه بنصِّه (1) ممن ذكره أنه بلفظِه، ويحتمل ألا يجوزَ لأنه لا علم عنده بكيفيةِ روايةِ الآخرين حتى يخبرَ عنها، بخلاف ما سبق فإنه اطلع على روايةِ غيرِ مَنْ نَسَبَ اللفظَ إليه، وعلى موافقتهما (2) من حيث المعنى، فأخبر بذلك **. والله أعلَم.
(1) من (ص) وهامش (غ) والعراقية. وفي متن (غ): [بنفسه] خ.
(2)
في (ص): [موافقتها].
_________
* المحاسن:
" فائدة: هذا الاحتمال الثاني عجيب؛ إذ يلزم عليه ألا يكون رواه بلفظٍ لواحدٍ من شيخيه، وهو بعيد. وكذلك إذا قال: " أنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ " فليس هو منحصرا في أن روايته عن كل منهما بالمعنى وأن المأتيَّ به لفظ ثالث غير لفظيهما. والأحوال كلها آيلة في الغالب إلى أنه لا بد أن يسوق الحديث على لفظٍ مروي له بروايةٍ واحدة، والباقي بمعناه. انتهت " 75 / و.
** " فائدة وزيادة: إذا كان الحديث قد روى بعضَه عن جماعةٍ، ورواه كلَّه عن غيرهم؛ فكيف يصنع؟ لم أر من تعرض له ممن صنف في علوم الحديث. وهو موجود في رواية " الزهري " في حديثِ الإِفْكِ، وفيه قال " الزهري ": " أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمةُ بن وقاص، وعبيدالله بن عبداللهِ بن عتبة بن مسعود =
الثاني عشر: ليس له أن يزيدَ في نسبِ مَنْ فوق شيخِه من [65 / و] رجال الإِسناد على ما ذكره شيخُه، مُدرَجًا (1) عليه من غير فصْل مُميِّز. فإن أتى بفصل ٍ جاز، مثل أن يقول: هو ابن فلان الفلاني، أو: يعني ابن فلان، ونحو ذلك. وذكر " الحافظ الإِمام أبو بكر البرقاني " رحمه الله في (كتابِ اللُّقَطِ) له، بإِسناده عن " علي ابن المديني " قال:
(1) على هامش (غ) طرة: [جرت عادة المتقدمين إذا كتبوا كتابًا عن شيخ نسبوه في أول صفحة، ثم أدرجوا عليه اسمه بأن يقولوا في بقية الأحاديث: أنا فلان، لا ينسبونه. فهل يجوز لمن روى هذا عن الراوي أن ينسبه في بقية الأحاديث؟ إن منعنا الرواية بالمعنى لم يجز، وإن أجزنا فقد يمكن جوازه. وحكى " الخطيب " عن أكثر أهل العلم أنهم أجازوه، والأولى عندنا أن يقال فيه: هو فلان بن فلان، أو: يعني ابن فلان].
بنصه في الكفاية 215.
_________
= عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهلُ الإِفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا. وكلٌّ حدثني طائفةٌ من الحديث، وبعضُ حديثهم يُصدِّقُ بعضًا، وإن كان بعضُهم أوعى له من بعض. الذي حدثني به عروة عن عائشة .. " وساق الحديث. وهذا في كلام أصحابِ السِّير يوجَد كثيرًا ولا يعلم به الإِنسانُ القدرَ الذي رواه عن كلِّ واحدٍ من الذين حدثوه طائفةً منه. وقد تعرض " ابن الصلاح " لشيء من ذلك في الحادي والعشرين مما نحن فيه، لكنه لم يكمل التمثيل، وسيأتي (1). وأغرب من ذلك ما صنعه " البخاري " في صحيحه في كتاب الرقاق، في باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم من الدنيا: " حدثني أبو نعيم بنحو من نصفِ هذا الحديثِ، ثنا عمر بن ذر، ثنا مجاهد أن أبا هريرة كان يقول .. " فساق حديث أصحاب الصفة وشرب اللبن (2).
ووجهُ الغرابة فيه أنه قال: " حدثني أبو نعيم بنحوٍ من نصفِ هذا الحديث " ولم يبين مَنْ رَوى عنه النصفَ الآخرَ، وهذا مما لم أره في رواية أحد. والظاهرُ أن المرادَ بما ساقه بالسندِ أوائلَ الكلام دون أواخرِه، وبذلك يرتد قولُ من يقول: لا ندري حدثه بالنصفِ الأول ِ أم بالآخر؟ انتهى " 75 / ظ.
_________
(1)
يأتي حديث الإفك، بإِسناد الزهري في التفريع الحادي والعشرين، مما يلي.
(2)
مثَّل به العراقي في (التقييد والإِيضاح: 242).
وانظر حديث البخاري في الرقاق بهذا الإِسناد، ومعه (فتح الباري 11/ 222).
إذا حدثك الرجل فقال: حدثنا فلان، ولم ينسبه، فأحببتَ أن تنسبه فقلْ: حدثنا فلان أن فلان بن فلان حدَّثه. والله أعلم.
وأما إذا كان شيخُه قد ذكر نَسبَ شيخِه أو صفتَه في أول كتابٍ أو جزءٍ عند أول حديثٍ منه، واقتصر فيما بعده من الأحاديث على ذكر اسم الشيخ أو بعض ِ نسبِه - مثالُه أن أروي جزءًا عن " الفراوي " وأقولَ في أوله:" أخبرنا أبو بكر منصور بن عبدالمنعم بن عبدالله الفَراوي، قال: أخبرنا فلان " وأقول فيه باقي أحاديثه: " أخبرنا منصور،
…
أخبرنا منصور " فهل يجوز لمن سمع ذلك الجزءَ مني أن يرويَ عني الأحاديثَ التي بعد الحديثِ الأول ِ متفرقةً، ويقولَ في كلِّ واحد منها: " أخبرنا فلان، قال أخبرنا أبو بكر منصور بن عبدالمنعم بن عبدالله الفراوي قال: أخبرنا فلان " - اعتمادًا على ذكري له أولا؟ فهذا قد حكى " الخطيبُ الحافظ " عن أكثر أهل ِ العلم أنهم أجازوه. وعن بعضِهم أن الأوْلى أن يقول: يعني ابن فلان. وروى بإسناده عن " أحمدَ بن حنبل " رضي الله عنه أنه كان إذا جاء اسمُ الرجل غيرَ منسوب قال: يعني ابنَ فلان (1).
ورَوَى عن " البرقاني " بإسناده عن " علي ابن المديني " ما قدمنا ذكره عنه. ثم ذكر أنه هكذا رأى " أبا بكر أحمدَ بن علي الأصبهاني، نزيل نيسابور " يفعل، وكان أحدَ الحفاظِ المجوِّدين ومن أهل الورع ِ والدينِ، وأنه سأله [66 /و] عن أحاديثَ كثيرةٍ رواها له قال فيها:" أخبرنا أبو عمرو بن حمدان أن أبا يَعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي أخبرهم، وأخبرنا أبو بكر بن المقرئ أن إسحاق بن أحمد بن نافع حدَّثهم، وأنا أبو أحمد الحافظ أن أبا يوسف محمدَ بن سفيان الصفَّار أخبرهم ". فذكر له أنها أحاديثُ سمعها قراءةً على شيوخه في جملة نسخ نسبوا الذين حدثوهم بها في أولها، واقتصروا في بقيتها على ذِكْرِ أسمائهم (2).
(1 - 2) الكفاية: (باب في المحدث يروي حديثا عن شيخ ينسبه فيه ثم يروي بعده عن ذلك الشيخ). وعبارة الخطيب: " وهذا الذي أستحسنه " وختمها بقوله: " فاستعمال ما ذكرتُ أنفى للظنَّة، وإن كان المعنى في العبارتين واحدًا ".