الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع التاسع عشر:
معرفة المضطرب من الحديث
.
المضطربُ من الحديث: هو الذي تَختلِفُ الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وجهٍ، وبعضُهم على وجهٍ آخرَ مخالفٍ له. وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجَّحتْ إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحْفَظَ أو أكثرَ صحبةً للمرويِّ عنه، أو غيرَ ذلك من وجوه الترجيحات المعتمَدة، فالحُكمُ للراجِحةِ، ولا يُطلَقُ عليه حينئذٍ وصفُ المضطرب، ولا له حُكْمُه (1).
(1) طرة على هامش (غ) طرة بخط ابن الفاسي، لم أتحقق من قائلها:
[الأمر في المطضرب منقسم؛ فإن كان أحد الوجوه مرويًّا من وجه ضعيف والآخر من وجه قوي فلا اضطراب، والعمل بالقوي متعين. وإن لم يكن كذلك؛ فإن أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبرًا باللفظين الواردين عن معنى واحد؛ فلا إشكال أيضًا. مثل أن يكون في أحد الوجهين قد قال الراوي: عن رجل، وفي الوجه الآخر سمّى رجلا. فهذا يمكن أن يكون ذلك المسمى هو ذلك المبهم، فلا تعارض.
وإن لم يكن كذلك بأن يسمى الراوي باسم معين في رواية، ويسمى باسم آخر في رواية أخرى؛ فهذا محل نظر؛ إذ يتعارض فيه أمران: أحدهما: أنه يجوز أن يكون الحديث عن الرجلين معًا، والثاني أن يغلب على الظن أن الراوي واحد اختلف فيه. فهاهنا لا يخلو أن يكون الرجلان معًا ثقتين أو لا؛ فإن كانا ثقتين فهاهنا مقتضى مذاهب الفقهاء والأصوليين ألا يضر هذا الاختلاف؛ لأنه إن كان الحديث عن هذا المعين فهو عدل، وإن كان عن الآخر فهو عدل، فكيفما انقلبنا؛ فإلى عدل، فلا يضر هذا الاختلاف. وغيرهم يقول: إن الاضطراب في الحديث دليل على عدم ضبطه في الجملة. وهذا إنما يتوجه إذا كان لا دليل لنا على أن الحديث عنهما جميعًا. أما إن دل دليل فلا اختلاف. مثل أن يروي إنسان حديثًا عن رجل تارة، ويروي ذلك الحديث عن آخر تارة، ثم يرويه عنهما معًا في مرة ثالثة.
وأما إن كان أحد الراويين ضعيفًا؛ فقد تردد الجال بين أن يكون عن القوي، أو عن الضعيف، أو عنهما. وهو على أحد هذه التقديرات غير حجة
…
وهذا بشرط ألا تكون الطريقان مختلفتين، بل يكونان عن رجل واحد. ومع ذلك فيجوز أن يكون قد رواه عنهما جميعًا. فمن يعتمد مجرد الجواز لا يلتفت إلى هذا التعليل. ولا يغفلن في جميع هذا عن طلب الترجيح عند الاختلاف؛ فإن النظر إنما هو عند التساوي أو التفاوت. والله أعلم].
ثم قد يقع الاضطرابُ في مَتْنِ الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلك من رواٍ واحد، وقد يقع بين رُواةٍ له جماعةٍ. والاضطرابُ موجِبٌ ضعفَ الحديث؛ لإِشعارِهِ بأنه لم يُضْبَط. والله أعلم.
ومن أمثلتِه: ما رويناه عن إسماعيلَ بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جَدِّه حريث، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المُصَلِّي:" إذا لم يجد عصًا ينصبها بين يديه؛ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ". فرواه " بِشرُ بنُ المفضل (1)، وروحُ بنُ القاسم " عن إسماعيلَ، هكذا. ورواه " سفيانُ الثوري " عنه، عن أبي عمرو ابن حريث، عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه " حميدُ بنُ الأسود " عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه " وهيبٌ، وعبدُالوارث " عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث، عن جدِّه حريث. وقال " عبدُالرزاق " عن ابنِ جُرَيْج: سمع إسماعيل، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة (2). وفيه من الاضطراب أكثر مما ذكرناه. والله أعلم * (3).
(1) قابل على رواية بشر بن المفضل في سنن أبي داود، ك إقامة الصلاو، باب الخط إذا لم يجد عصًا (ح 689) ولأبي داود كلام فيه، يأتي فيما يلي من (المحاسن).
(2)
عبدالرزاق: عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره (المصنف 2/ 12)(ح 2286).
(3)
على هامش (غ) بخط ابن الفاسي: بلغ مقابلة بالأصل المقابل على أصل السماع.
_________
* المحاسن:
" فائدة وزيادة: لا يقال: من جملة رُواة حديثِ الخَطِّ: " سفيانُ الثوري " وليس فيهم من يقاربه في الحفظ والإتقان، فهلا جعل روايتَه راجحةً وليست مضطربة كما تقدم، وما بالعهدِ من قِدَم؟ لأنا نقول: ليس الترجيح مختصًّا بالحفظ بل الكثرة، وغيرُها من والوجوه المعتمدة في الترجيح معتبرةٌ أيضًا والكثرةُ موجودة، بخلاف رواية " سفيانَ " لا سيما إذا كان في الكثرة من هو موصوف بالحفظ أيضًا كابن جُريج وغيره ممن ذكر.
ورواية بشر بن المفضل؛ خرَّجها " أبو داود " في (سُنَنِه)(1) وفيها التصريحُ بالتحديث والسماع، فقال: " ثنا مسدد، ثنا بشرُ بن المفضل، ثنا إسماعيل بن أمية، ثني أبو عمرو =
_________
(1)
سنن أبي داود، ك الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصًا (ح 689).
.............................................................................................................................
= ابنِ محمد بن حريث أنه سمع جده حريثًا يحدث عن أبي هريرة ". وتقرب منها روايةُ سفيان بن عيينة، خرَّجها " ابنُ ماجه " في (سُنَنِه) (1) فقال: " ثنا عمار بن خالد، ثنا سفيان بن عُيينةَ، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جدِّه حريث بن سليم، عن أبي هريرة " وفيها التصريحُ بأن الرواية عن جده حريث، ولكن فيها أن بين محمدٍ وحريثٍ عَمْرًا. ورواه " أبو داودَ " عن سفيان - هو ابن عيينة - خلافَ ذلك، فقال: " ثنا محمدُ بن يحيى بن فارس، ثنا عليُّ - يعني ابن المديني - عن سفيان عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث - رجل من عذرة - عن أبي هريرة عن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم قال " (2) فذكر حديثَ الخطِّ. ورواه " ابن ماجه " قبل رواية سفيان بن عُيينةَ فقال:" حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا حُمَيْدُ بن الأسود، ثنا إسماعيل ". ثم حَوَّل إلى طريقة ابن عيينة التي ذكرناها (3)، وهذا يخالف ما تقدم من رواية " حميد بن الأسود " وأما رواية " سفيان الثوري " فلم أقف عليها. والحديث مضطرب كما تقدم، و " إسماعيل بن أُميةَ " كان إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تَشُدُّونه به؟ ذكره " المنذري ". وفي (سنن أبي داود) عقبَ رواية سفيان السابقة: " قال سفيان: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجىء إلا من هذا الوجه؛ قال: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه. ففكر ساعةً ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو، وقال سفيان: قدم هنا رجل بعدما مات إسماعيل بن أميَّةَ، فطلب هذا الشيخ أبا محمد حتى وجده فسأله عنه، فخلط عليه "(4).
وهذا من " أبي داود " إشارةٌ إلى تضعيفه. وقد أشار " الشافعيُّ " إلى تضعيفه، وقال في البُوَيطي: ولا يَخطُّ بين يديه خَطًّا إلا أن يكون في ذلك حديثٌ ثابت فيتبع " قال =
_________
(1)
سنن ابن ماجة، ك إقامة الصلاة، باب ما يستر المصلي (ح 943).
(2)
سنن أبي داود، باب الخط (ح 690).
(3)
ابن ماجة، باب ما يستر المصلي (ح 943) وسياق إسناده: حدثنا بكر بن خلف - أبو بشر - ثنا حميد بن الأسود، ثنا إسماعيل بن أمية، (ح) وحدثنا عمار بن خالد، ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث بن سليم عن أبي هريرة.
(4)
سنن أبي داود، صلاة، باب الخط (ص 1/ 184) بعد حديث:690.
.............................................................................................................................
= " البيهقي ": وإنما توقَّف الشافعيُّ في الحديث لاختلافِ الرواةِ على إسماعيلَ بن أمية. وقال البيهقي: ولا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى. وقد ضعفه غيرُ البيهقي، وخالف " ابنُ حبانَ " فأخرجه في (صحيحه) وكأنه لم يقدح عنده الاضطرابُ (1). =
_________
" سئل الدارقطني عن حديث العمري، حفص بن عاصم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عودًا، وإن لم يجد فليخط خطًّا "؛ فقال: يرويه إسماعيل بن أمية واختلف عليه؛ فرواه وهيب بن خالد وسالم بن خالد الزنجي عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن أبيه عن جده عن أبي هريرة. واختلف عن وهيب، ورواه ابن عيينة واختلف عنه؛ فقال سعيد بن منصور عنه، عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن أبيه عن جده عن أبي هريرة، وخالفه جماعة من أصحاب ابن عيينة فقالوا عنه: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده، ولم يقولوا: عن أبيه. وكان ابن عيينة يضطرب في هذا الحديث فربما قال: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، وربما قال: عن أبي عمرو بن محمد. ثم ثبت على: أبي محمد بن عمرو. واختلف عن ابن جريج؛ فرواه حجاج عن ابن جريج عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو عن أبي هريرة، ولم يقل: عن أبيه ولا عن جده، ورفعه. وقال عبدالرزاق: عن ابن جريج عن إسماعيل عن حريث عن عمار عن أبي هريرة، وقال أبو عاصم عن ابن جريج: عن إسماعيل بن أمية عن ابن عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا. وكذلك قال معمر عن إسماعيل. وقال داود بن عُلْبَةَ: عن إسماعيل عن ابن عمرو بن حريث بن سليم عن جده حريث عن أبي هريرة، مرفوعًا. ورواه بشر بن المفضل وعبدالوارث بن سعيد وحميد بن الأسود وأبو إسحاق الفزاري فقالوا: عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده عن أبي هريرة، إلا أن حميدًا قال من بينهم: عن أبيه عن أبي هريرة. واختلف عنه؛ فرواه خارجةُ بن مصعب عن إسماعيل فقال: عن عمرو بن حريث أو حريث بن عمرو عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا. وقال نصر بن حاجب: عن إسماعيل عن محمد بن عمرو عن أبيه عن أبي هريرة، وقال إسماعيل بن مسلمة: عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن عمرو بن حزم عن جده حريث بن سليم عن أبي هريرة - ووهم في قول: حزم؛ وإنما هو حريث. - ورواه همام عن إسماعيل فقال: حدثني ابن عم لي، لم يسمه، عن أبي هريرة.
وكل هؤلاء رفعه .. ورواه إسماعيل بن أمية وقال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة، موقوفًا. ورفعه صحيح عن إسماعيل " (العلل للدارقطني 3/ 164) خط.
وانظر معه تقييد العراقي (125 - 127) وتبصرته (1/ 242 - 244) وفيه رواية إسماعيل بن مسلمة عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن عمرو بن حزم التي وهمه الدارقطني في قوله: حزم؛ وإنما هو حريث.
على أن محقق التبصرة، ترجم لمحمد بن عمرو بن حزم، بن زيد، الأنصاري النجاري (2/ 243 تبصرة، هامش).
.............................................................................................................................
= ومتى كان أحدُ الوجوه ضعيفًا والآخرُ قويًّا عُمِل بالقوي، وإلا فإن أمكن الجمعُ بينهما مثل إن قال الراوي:" عن رجل " وفي طريق آخر سماه؛ فلا تعارض. وأما إذا أسماه باسم معين في رواية، وذكر اسمًا لآخر في أخرى، فيجوز أن يكون الحديث عنهما معًا. فإن كانا ثقتين لم يضر. وإن كان أحدهما ضعيفًا، والطريقتان عن رجل واحد اختلف عليه؛ فهو محل نظر. وحينئذ فيطلب الترجيحُ والأقرب صحةً عند واحدةٍ لا تقدح الأخرى فيها. انتهى " 36 / ظ - 37 و.