الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الرابع عشر:
معرفة المنكَر من الحديث
.
[18 / ظ] بلغنا عن " أبي بكر أحمد بن هارون البَردِيجي الحافظ " أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنُه من غير روايته: لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر.
فأطلق " البرديجي " ذلك ولم يفصل. وإطلاقُ الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصوابُ فيه التفصيلُ الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ.
وعند هذا نقول: المنكرُ ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنه بمعناه. مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: روايةُ مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عُمَرَ بن عثمان عن أسامة بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ " فخالف " مالك " غيرَه من الثقات في قوله: " عُمَرَ بن عثمان " بضمِّ العين. وذكر " مسلم " صاحب (الصحيح) في كتاب التمييز، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه:" عَمرو بن عثمان " يعني: بفتح العين، وذكر أن " مالكًا " كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثما، كأنه علم أنهم يخالفونه (1). وعمرو وعُمر جميعًا: ولدا
(1) الإِمام مالك في الموطأ: ك الفرائض (ميراث أهل الملل: ح / 10) والحديث من رواية " ابن شهاب الزهري عن علي بن حسين، زين العابدين، عن عَمرو بن عثمان بن عفان عن أسامة، يرفعه " في: البخاري، ك الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (فتح الباري 12/ 39) - وفيه تخريجه - وفي ك الحج، باب توريث دور مكة، وكتاب المغازي.
ومسلم: ك الفرائض، ح (1/ 4 / 16) وأبو داود في الفرائض: هل يرث المسلم الكافر (ح 2909). وابن ماجة: ك الفرائض، ميراث أهل الإِسلام من أهل الشرك (ح 2729) وتأتي رواية النسائي فيما يلي. والدارمي، فرائض، ميراث أهل الشرك وأهل الإِسلام (2/ 370) والإِمام أحمد في مسند حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه (2/ 200 / 208).
عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن " عَمرو " بفتح العين، وحكم " مسلم " وغيره (1) على " مالك " بالوهم فيه. والله أعلم *.
ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإِتقان ما يحتمل معه تفرده -: ما رويناه من حديث أبي زُكَير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديدَ بالخَلق " تفرد به " أبو زكير " وهو شيخ صالح أخرج عنه " مسلم " في كتابه (2)، غير أنه لم يبلغ
(1) والبخاري في تاريخه، ترجمة عمرو بن عثمان بن عفان (6/ 253 / 2612) وعلي ابن المديني عن يحيى بن معين، وقال يحيى:" فقلت لمالك: عمرو بن عثمان؛ فأبى أن يرجع وقال: قد كان لعثمان ابن يقال له عمر، هذه داره ". الجرح والتعديل: المقدمة 1/ 241.
وانظر: (التمهيد لابن عبدالبر: 7/ 160 - 162، وفتح الباري 12/ 39، وتهذيب التهذيب 7/ 481، ترجمة عمر بن عثمان بن عفان: 799).
وقابل على التمهيد، تعقب العراقي في (التقييد والإِيضاح 106، والتبصرة: 1/ 200).
(2)
هو في صحيح مسلم متابعة: ك الإِيمان، باب خصال المنافق (ح 109/ 59) " آية المنافق ثلاث " وانظر تقييد العراقي:108.
_________
* المحاسن:
" فائدة: لا يقال: قد وجدنا متابعًا على ذلك، وهو ابن جريج، ذكره البخاري في عامة ما رأى المعترض من أصول كتابه؛
لأنا نقول: الموجود في (النسخة المعتمدة بالكاملية) في باب: لا يرث المسلم الكافر، روايةُ ابن جريج وفيها " عَمرو " بإثبات الواو؛ فلا متابعة حينئذ. انتهت " 28 / أ.
- يعني نسخة المدرسة الكاملية بالقاهرة، ولعلها نسخة الحافظ أبي علي الصدفي انظر (فهارس الفهارس للكتاني: 2/ 111).
مبلغ من يُحْتَمَلُ تفردُه. والله أعلم *.
* المحاسن:
" فائدة: لا يعترض بأن أبا زكير لم يخرج له " مسلم " إلا في المتابعات، وهذا الحديث منكر، بل ذكره " ابنُ الجوزي " في (الموضوعات)(1)؛
لأنا نقول: ذلك جاء من تفرده الذي لا يحتمل، وهو الذي تقدم. انتهت " 28 / ظ.
_________
(1)
باب أكل البلح بالتمر من الأطعمة: (3/ 25 - 26).
والحديث في الباب، من سنن ابن ماجة، من طريق بكر بن خلف عن يحيى بن محمد بن قيس المدني - هو أبو زكير - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها (ح 3330) انظر التعليق عليه، مع (تقييد العراقي، والفوائد المجموعة للشوكاني: ح 63) ص 181.
النوع الخامس عشر:
[19 / و] معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد (1).
هذه أمورٌ يتداولونها في نظرهم في حال الحديث؛ هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا؟ ذكر " أبو حاتم محمد بن حبَّانَ التميمي الحافظ " - رحمه الله تعالى (2)، أن طريق الاعتبار في الأخبار مثالُه: أن يرويَ: " حمادُ بن سلمة " حديثًا لم يتابَع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فينظَر: هل روى ذلك ثقةٌ غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وُجِد؛ عُلِمَ أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك؛ فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأي ذلك وَجِدَ؛ يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.
قال الشيخ - أبقاه الله -: فمثال المتابعة: أن يَروِيَ ذلك الحديثَ بعينِه عن أيوب غيرُ حماد (3)، فهذه المتابعة التامة. فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب، ولكن رواه بعضهم عن ابن سيرين، أو عن أبي هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قد يُطلقُ عليه اسمُ المتابعة أيضًا، ولكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بُعْدِها منها، ويجوز أن يُسَمى ذلك بالشاهد أيضًا (4)، فإن لم يُرْوَ ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه
(1) قال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر، شرح نخبة الفكر: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد، وليس كذلك؛ بل الاعتبار الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد، وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد. وما أحسن قول شيخنا في منظومته:
الاعتبار سبرك الحديثَ هل .................................................... تابع راوٍ غيره فيما حملْ
- يعني شيخه العراقي في ألفية الحديث، وانظر (توضيح التنقيح 2/ 11).
(2)
[تعالى] من نسخة (ز).
(3)
هو حماد بن سلمة، بن دينار الربعي أبو سلمة البصري. وأيوب: السختياني. وابن سيرين: محمد.
(4)
على هامش (غ، ز): [سمى " الحاكم " في (المدخل إلى الصحيح) المتابعاتِ شواهدَ].
المذكورة، لكن رُوِيَ حديثٌ آخرُ بمعناه، فذلك الشاهدُ من غير متابعةٍ. فإن لم يُروَ أيضًا بمعناه حديثٌ آخر؛ فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ. وينقسم عند ذلك إلى مردودٍ منكَر وغير مردود كما سبق. وإذا قالوا في مثل هذا:" تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عن أبي هريرة ابنُ سيرين، وتفرد به عن ابن سيرين أيوبُ، وتفرد به عن أيوبَ حمادُ بن سلمة " كان في ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه.
ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد *، روايةُ من لا يُحتَجُّ بحديثِه وحدَه بل يكون معدودًا في الضعفاء. وفي (كتابي البخاري ومسلم) جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد. [19 / ظ] وليس كل ضعيف يصلح لذلك؛ ولهذا يقول " الدارقطني " وغيره في الضعفاء: فلان يعتبر به، وفلان لا يُعتبَرُ به. وقد تقدم التنبيه على نحوِ ذلك. والله أعلم.
مثالٌ للمتابع والشاهد: روينا من حديث سفيان بن عُيَيْنةَ عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به "(1) ورواه ابنُ جُرَيج عن عمرو (2) عن عطاء؛ ولم يذكر فيه الدباغ. فذكر " الحافظ أحمد البيهقي " لحديث ابن عيينة متابِعًا وشاهدًا:
(1) مسلم، ك الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (102/ 363).
(2)
من (ص، ز) والعراقية وسقط من (غ) وهو في أسانيد الحديث من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: مسلم (ح 103/ 363).
_________
* المحاسن:
" فائدة: لا يقال: عطفُ الاستشهاد على المتابعة يقتضي تغايرهما، و " الحاكم " في (المدخل) سمى المتابَعاتِ شواهدَ؛
لأنا نقول: المغايرة صادقة، بألا يسمى الشواهد متابعات. وأما تسمية المتابعة شاهدًا فهو موجود في قوله:" ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضًا ". انتهت " 29 / ظ.
أما المتابع؛ فإن أسامة بن زيد تابعه عن عطاء، وروى بإسناده عن أسامة عن عطاء عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فاستمعتم به؟ "
وأما الشاهد؛ فحديثُ عبدِالرحمن بن وعلةَ عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما إهابٍ دُبغَ فقد طهر "(1). والله أعلم.
(1) على هامش (غ): [قال المؤلف رحمه الله: طهر: بالفتح والضم في الهاء، والفتح أفصح. وإهاب بكسر الهمزة وفتحها، والكسر أفصح] ومثله على هامش (ز).
والحديث في السنن الكبرى للبيهقي، ك الطهارة، باب طهارة جلد الميتة بالدبغ (1/ 1796) من رواية إبراهيم بن نافع الصايغ عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، ولم يذكر الدباغ. ثم من رواية ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل شاة ماتت:" ألا نزعتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به "، قال البيهقي: وهكذا رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاءٍ، وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء.
والروايتان في سنن الدارقطني، من تسعة وعشرين حديثًا جمعها في باب الدباغ من كتاب الطهارة (السنن 1/ 41 - 49) وانظر الباب في السنن الأربعة، و (تقييد العراقي 109 والتبصرة 1/ 206).