الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع
في الركن الثالث
وهو العلة
.
وهو مرتب على أقسام:
القسم الأول:
في الطرق الدالة على كون الوصف علة الحكم
، وفيه مقدمة وفصول: أما المقدمة ففي تفسير العلة:
اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد من العلة الشرعية: ما يكون مؤثرًا في الحكم لذاته.
أما أولًا: فلما تقدم من إبطال القول بالتحسين والتقبيح.
وأما ثانيًا: فلأن الحكم قديم، والوصف حادث فيستحيل تعليله به.
وأما ثالثًا: فلأن ترك الواجب سبب للعقاب فلو كان معللًا به بمعنى أنه مؤثر فيه لزم أن يكون العدم علة الوجود وهو ممتنع، ولا يجعل فعل الضد المؤثر وهو وجودي؛ لأنا نمنع ملازمته للترك؛ إذ يجوز خلو القادر عن فعل الشيء، وضده كما هو رأى أبى هاشم وأبى الحسين.
سلمناه لكن المستلزم للعقاب بالذات إنما هو عدم فعل الواجب لا فعل الضد؛ بدليل أنه لو فرض عدم فعل الواجب بدونه استلزم العقاب، ولو فرض فعل الضد بدون ترك الواجب لما استلزم ذلك والعلة هو المستلزم بالذات لا بالعرض فيكون الترك علة وهو ممتنع، وكذا التقدير فيما إذا كان القيد العدمي جزء علة الوجود كما في قولنا:"القتل العمد العدوان سبب للقصاص" فإن العدوانية قيد عدمي؛ إذ معناها أنه غير مستحق عليه، ولا يجعل شرطًا حتى لا يرد ذلك؛ لأنه كما لا يجوز جعل العدم جزء علة الوجود لا يجوز جعله شرط علته؛ لما أنه يلزم منه أن يكون العدم علة الوجود؛ إذ العلية أمر وجودي وهي حاصلة عند حصوله، ومنتفية عند انتفائه، ولا سبب له سواه فيضاف إليه فيكون علة، وفى هذا نظر لا يخفى.
وأما رابعًا: فلأن العلل الشرعية لو كانت مؤثرات لذواتها لما جاز أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة، كما في العقلية على ما عرف ذلك في محله، لكنه جائز على ما ستعرف ذلك فوجب أن لا تكون مؤثرة لذواتها.
ولا يجوز أن تكون العلة الشرعية بمعنى: الباعث.
أما أولا: فلأن ذلك في حق الله تعالى محال؛ لأن من فعل فعلًا لغرض فإنه لابد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله؛ إذ لو لم يكن أولى لم يكن ذلك غرضًا له، والعلم بذلك ضروري بعد الاستقراء والتجربة، وإذا كان حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفة على فعل ذلك الفعل، كان حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير فتكون ممكنة غير واجبة لذاته ضرورة أن كل ما يتوقف على الغير فإنه يكون ممكن [فيكون كماله تعالى ممكنًا] غير واجب لذاته وهو ممتنع قطعًا.
وما يقال: من أن حصول ذلك الغرض ولا حصوله وان كان بالنسبة إليه على التسوية لكن بالنسبة إلى غيره ليس كذلك بل حصوله لهم أولى فيفعل الله تعالى لا لغرضه؛ بل لغرضهم وحينئذ لا يلزم منه استكمال ذاته تعالى بصفة ممكنة لا يفيد/ (166 /أ)، لأن التقسيم المذكور آت فيه بأن يقال: فعله لذلك الفعل لتحصيل غرضهم إن كان أولى له من لا فعله جاء حديث الاستكمال، وان لم يكن فتحصيل ذلك الغرض إن كان لتحصيل غرض آخر لهم كان الكلام فيه كالكلام في الأول، ولزم التسلسل وهو ممتنع، وإن لم يكن لغرض آخر لهم مع أنه ليس له فيه أولوية استحال أن يكون غرضًا لما تقدم.
وأيضًا: فإن من يعلل أفعاله تعالى بالمصالح ودفع القبائح (استحال أن لا يجعل له غرضًا فيه إذ عنده يصير بترك المصالح وفعل القبائح) مستحقًا للذم غير مستحق للإلهية ومع هذا كيف يقال ليس له فيه غرض؟.
وأما ثانيًا: فلأن العلم الضروري حاصل بعد الاستقراء أنه لا غرض إلا
حصول اللذة، أو دفع الألم، أو ما يكون وسيلة إليهما، ولما امتنع على الله تعالى اللذة والألم استحال أن يكون له غرض، وبتقدير عدم امتناع ذلك عليه فإنه يستحيل أن تكون فاعليته تعالى لشيء لغرض تحصيل اللذة أو دفع الألم؛ لأن الله تعالى قادر عليهما ابتداء من غير وساطة شيء، وإذا كان كذلك يستحيل أن فاعليته تعالى لشيء لدفع الألم وجلب اللذة.
أما أولًا: فلأن توسيط ما لا يتوقف الفعل عليه في تحصيله مما لا فائدة فيه وهو عبث وهو على الحكيم محال.
وأما ثانيًا: فلأنه يلزم ان لا تكون الواسطة واسطة للشيء [إذ المعنى من كون الشيء واسطة للشيء] وهو أن حصوله بطريق وساطته، فإذا كان الله تعالى قادرا على تحصيل ذلك الغرض ابتداء كما هو قادر على تحصيله بطريق الوسائط لم تكن الواسطة واسطة.
وأما ثالثا: فلأن العلة الغائية علة لعلة الفاعلية ومعلول لها في الخارج، فيجب أن يكون بينهما ارتباط العلية بالمعلولية، ولما لم يكن كذلك حينئذ إذ لا يلزم من حصول ذلك الغرض في الخارج حصول ذلك الفعل حينئذ. ولا يلزم من عدم الفعل عدمه علمنا أنه لا يجوز تعليل ذلك الفعل بحصول ذلك الغرض حينئذ. وإذا بطل تفسير العلة الشرعية بالموجب لذاته، وبالباعث تعين تفسيرها إما "بالمعرف" لا بمعنى أنها تعرفنا حكم الأصل؛ فإن ذلك معرف بالنص بل حكم الفرع، لكن يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا:
من أن حكم الأصل معلل بالعلة المشتركة بينهما وبين الفرع مع أنه غير معرف بها.
وأما "بالموجب لا لذاته بل يجعل الشارع إياه موجبًا للأحكام"
وهو قريب لا باس به، وجواب اعتراض الإمام على هذا قد عرف في أول الكتاب.
الفصل الأول
الفصل الأول:
في الطرق النقلية الدالة على علية الوصف وهي عديدة:
أحدها: الإجماع بأن يذكر ما يدل على حصول الإجماع قطعًا بأن ينقل نقلًا متواترًا بصريح مجموع الأمة في عصر من الأعصار بأن الوصف الفلاني علة للحكم الفلاني، أو يذكر ما يدل عليه ظنًا كما إذا نقل أن بعضهم قال: بأن [الوصف] الفلاني علة الحكم الفلاني مع علم الباقين بذلك، وعدم إنكارهم عليه، ولا يلزم من إجماعهم على عليه وصف أن لا يقع خلاف معها لجواز أن يكون وجودها في الأصل أو في الفرع متنازع فيه، أو يكون في حصول شرطها أو مانعها نزع، وهذا على رأى من يجوز تخصيص العلة، فأما إذا وقع الاتفاق على ذلك كله فلا يتصور مع الخلاف.
وثانيها: النص وهو ينقسم إلى صريح، كقولنا: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لمؤثر كذا أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، أو من أجل كذا
قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} .
وقوله عليه السلام: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة" وما يجرى مجراها في التصريح بالتأثير.
وإلى ظاهر يحتمل غيرها، وهو بدخول الحروف الموضوعة للتعليل وهى "اللام" كقولنا:"ثبت لكذا" قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .
وكونها لغير التعليل في مثل قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس} فإن ذلك ليس غرضًا وفاقًا؛ فإن الناس على قولين:
منهم من لم يعلل أفعال الله تعالى بشيء أصلًا.
ومنهم من يعللها بالمصالح.
فأما تعليلها بالمضار والعقوبات فذلك مما لم يقل به أحد من العقلاء.
وفي قول الشاعر:
لدوا للموت
…
وابنوا للخراب
لا يحتمل العلية بأن الولادة والبناء ليس لغرض الموت والخراب.
وفي قول المصلى: أصلي لله تعالى. فإن ذات الله لا تصلح أن تكون غرضا للصلاة، وفي قولهم: ثبت هذا الحكم لعلة كذا، فإنها لو كانت للعلية لزم التكرار لا ينفي كونها ظاهرة في التعليل كما في سائر الألفاظ المستعملة في مجازاتها فإن ذلك لا ينفي كونها ظواهر في حقائقها.
فإن قلت: لا نزع في أن استعمالها في غير التعليل لا ينفي كونها ظاهرة في التعليل لو ثبت كون الكلام حقيقة في التعليل لكن ما ثبت ذلك بعد، فإن غاية ما استدللتم عليه إنما هو الاستعمال وقد عارضناه باستعمالات أخر، فليس الاستدلال بذلك الاستعمال على كونها حقيقة في التعليل ومجازًا في غيره أولى من الاستدلال لما ذكرنا من الاستعمال على أنه حقيقة في غيره ومجاز فيه.
قلت: الاستدلال بما ذكرنا من الاستعمال أولى لأنه/ (167 /أ) موافق
لتصريح أهل اللغة بأنها للتعليل، ولكونه اسبق إلى الفهم، ولأنه لو جعل حقيقة في التعليل أمكن جعلها مجازا في الصيرورة، والتخصيص بنفي التشريك كما في الشعر وقول المصلى، لأن العلية يلزمها الصيرورة والتخصيص، ولو جعلت حقيقة فيهما لم يمكن جعلها مجازا في التعليل لعدم ملازمته لهما.
وثانيهما: الباء كقوله تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} وقوله: {جزاءً بما كانوا يعملون} .
وقول الإمام يفيد كونها للتعليل مجازا إذ قال: إذ أصل "الباء" للإلصاق، وذات العلة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هناك فحسن استعمالها [فيه مجاز، وهو مخالف لما ذكره غيره ولما اشعر به كلامه] أيضًا إذ صرح أن دلالة "اللام" و "إن" و "الباء" على التعليل ظاهر به من غير تفرقة يهما، ثم إنه صرح أن دلالة اللام على التعليل بطريق الحقيقة وذلك يشعر بالتسوية في الدلالة، ولأن دلالة المجاز لا تكون ظاهرة إلا بطريق غلبة الاستعمال أو القرينة، فكان يجب عليه أن يقيد ظهور دلالته بغلبة الاستعمال لا في أصل الوضع.
وثالثها: إنَّ كقوله: "إنها من الطوافين أو الطوافات" وكقوله: "إنها دم عرق انفجرت".
ورابعها: كي، قال الله تعالى:{كيلا يكون دولةً بين الأغنياء منكم} .
وثالثها: الإيماء والتنبيه، وهو يدل على العلية بطريق الدلالة الالتزامية؛ لأنه تفهم العلية فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ؛ إذ اللفظ لو كان موضوعًا لها لم تكن دلالته من قبيل الإيماء بل كان صريحًا في ذلك وهو أنواع:
النوع الأول: بأن يذكر حكمًا ووصفًا ومدخل إلغاء على أحدهما فهو إذن على وجهين.
أحدهما: اذ يذكر الحكم أولًا ثم الوصف بعده مع إلغاء كقوله- عليه السلام في المحرم الذي وقصت به ناقته: (لا تقربوه طيبًا فإنه يحشر يوم
القيامة ملبيًا).
وثانيهما: عكسه وهو تارة في كلام الله تعالى كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} وقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} .
وتارة في كلام الرسول عليه السلام كقوله- عليه السلام: (ملكت نفسك فاختاري) وقوله: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له).
وتارة في كلام الراوي كقوله: (سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد) (وزنى
ماعز فرجم).
ثم الوجه الثاني أقوى دلالة على العلية من الوجه الأول؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة، ثم ما كان من الوجهين من كلام الله تعالى، أو كلام رسوله فإنه أقوى دلالة على العلية من كلام الراوي من
الوجهين؛ لأنه يتطرق إلى كلام الراوي من الخلل ما لا يتطرق إلى كلام الشارع.
وقيل: إن ما كان منه من كلام الله تعالى فهو أقوى دلالة من كلام الرسول- عليه السلام، وفيه نظر: من حيث إن الرسول معصوم عن الخطأ والغلط فيما يتعلق بتبليغ الأحكام والتشريع فلا يتطرق عليه خلل لا بحسب السهو والنسيان، ولا بسبب الظن الخطأ فلا فرق بخلاف الراوي فإنه غير معصوم عن ذلك كله.
وكلام الراوي الفقيه أقوى دلالة من كلام الراوي الغير الفقيه؛ لأن احتمال الخطأ في الثاني أكثر.
ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب على ما تقدم بيان ذلك في اللغات فدخولها على الحكم بعد الوصف يقتضى ثبوت الحكم عقيب الوصف فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه.
وفي هذه الدلالة نظر؛ لأنا نسلم أن كل سبب يعقبه الحكم لكن لا نسلم أن كل ما يعقبه الحكم سبب، فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها فلابد من دلالة منفصلة على ذلك.
ثم الذي يسند به هذا الاحتمال هو أن الحكم يعقب ملازم السبب مع أنه ليس بسبب، ثم دلالة هذا النوع من الإيماء دلالة ظاهرية لتخلف الحكم في بعض محاله وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو.
النوع الثاني: أن يحكم الرسول- عليه السلام بحكم في محل- عند علمه بصفة فيه- فيغلب على الظن أن تلك الصفة علة لذلك الحكم.
مثاله: ما روى أن أعرابيًا جاء إلى الرسول- عليه السلام فقال: هلكت وأهلكت، فقال له الرسول- عليه السلام: ماذا صنعت؛ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عامدًا، فقال- عليه السلام: أعتق رقبة) فيظن أن الإفطار بالوقاع في نهار رمضان [سبب] لوجوب عتق الرقبة.
والدليل عليه: أن ما ذكره الرسول- عليه السلام من الكلام يصلح أن يكون جوابًا عن سؤال السائل، والغالب من الكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال أن يكون جوابًا عنه للاستقراء وإن كان يحتمل أن يكون جوابًا عن سؤال آخر، أو ابتداء كلام منه، أو زجرًا له عن الكلام [على] ما لا يخفي أمثلتها فيغلب على الظن أن ما ذكره الرسول عليه السلام جواب عن السؤال إلحاقًا للفرد بالأعم والأغلب، ولأنه لو لم يكن جوابًا عنه لزم إخلاء السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه غير جائز.
وما يقال عليه: لعله- عليه السلام عرف أنه لا حاجة/ (167/أ) للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلم يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو وإن كان محتملًا لكن احتمال مرجوح لكونه نادرًا؛ إذ الغالب من السؤال أن يكون في وقت الحاجة، والظاهر عدم معرفة الرسول حال السائل وإذا كان ما ذكره الرسول جوابًا عن السؤال كان السؤال معادًا في الجواب تقديرًا فيصير تقدير الكلام: واقعت في نهار رمضان فكفر، فيرجع
هذا النوع إلى النوع الأول في أصل الدلالة، لكنه أضعف منه في الدلالة؛ لما أن الفاء وإعادة السؤال مقدر فيه، والمقدر وإن ساوى المحقق في أصل الثبوت لكنه لا يساويه في القوة، وما وقع من هذا النوع في كلام الراوي فهو حجة أيضًا؛ لأن معرفة كون الكلام المذكور بعد السؤال جوابًا عنه، أو ليس بجواب عنه أمر سهل لا يحتاج فيه الى تدقيق النظر، والظاهر من حال الراوي العدل لاسيما الخبير بهذا الشأن بأن لا يجزم بكونه جوابًا إلا ويكون قد عرف ذلك معرفة لا يرتاب فيها.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم [وصفًا] لو لم يكن الحكم معللًا به لما كان في ذكره فائدة وهو يفيد ظن العلية؛ لأنه لو لم يكن علة الحكم لكان ذكره عبثًا لا فائدة فيه، وذلك مما لا يوجد في كلام العقلاء إلا على سبيل الندور إن وجد، ويعد ذلك سقطًا من الكلام فكيف يوجد ذلك في كلام الله تعالى وكلام رسوله؟ فيغلب على الظن عليته وهو على أقسام:
أحدها: أن يذكر الحكم لدفع إشكال يرد على حكمه في محل آخر ويردفه بوصف فيغلب على الظن أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم كما روى أنه- عليه السلام امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل له: إنك تدخل على بني فلأن وعندهم هرة، فقال- عليه السلام:(إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات) فلو لم يكن لكونها من الطوافين أثر في الطهارة لم يكن في ذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.
وثانيها: أن يذكر وصفًا ظاهرًا في محل الحكم ابتداء من غير سؤال لا حاجة إلى ذكره لو لم يكن مؤثرًا في الحكم كقوله- عليه السلام في حديث ابن مسعود ليلة الجن حين توضأ بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتذاب ملوحة الماء: (ثمرة طيبة وماء طهور).
وثالثها: أن يسأل الرسول- عليه السلام عن حكم شيء فيسال- عليه السلام عن وصف له فإذا أخبر عنه حكم فيه بحكم فيفيد ان ذلك الوصف علة الحكم.
مثاله: ما روى أنه- عليه السلام سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر فقال- عليه السلام: (أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فقال- عليه السلام: فلا، إذن) فلو لم يكن نقصان الرطب بالجفاف علة منع بيعه رطبًا لم يكن للسؤال عنه وذكر الحكم بعده فائدة، وهو يدل على العلية بوجهين آخرين:
أحدهما: أنه رتب الحكم على الوصف بالفاء.
وثانيهما: أنه قرنه بإذن وهى من صيغ التعليل.
ورابعها: أن يسأل- عليه السلام عن حكم واقعة فيقرر- عليه السلام على حكم نظير لها، وينبه على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما فيفيد أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم.
ومثاله قوله- عليه السلام لعمر حين سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه؟ "
وما قيل إن هذا ليس من قبيل ما نحن فيه؛ إذ ليس فيه ما يتخيل أن يكون مانعًا من الإفطار بل غايته أن لا يفطر بل هو نقض لما توهمه عمر من إفساد مقدمة الإفساد ضعيف؛ لأن قوله- عليه السلام: (أرأيت لو
تمضمضت بماء ثم مججته كنت شاربه) تنبيهًا على الوصف المشترك بين المضمضة والقبلة وهو عدم حصول المقصود منهما وهو يصلح أن يكون علة؛ إذ لا يشترط المناسبة في الوصف المومئ إليه على ما سيأتي ذلك على ما شاهد عليه هذا القائل فإنه اختار أنه لا يشترط المناسبة في إيماء غير ذكر الجامع الوصف المناسب، وبتقدير اشتراطها فإنه لا يشترط ظهور الحكمة بل يكفى في ذلك أن يكون الوصف مظنة لذلك، وما ذكر من الجامع كذلك فيصلح أن يكون علة فيكون من قبيل ما نحن فيه.
وقوله للخثعمية حين سألته عن حجها لأبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه؟ فقالت: نعم فقال عليه السلام: فدين الله أحق بالقضاء" فأجاب عن الواقعتين المسئولتين بتقرير الحكم في نظيرتهما على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما وهو عدم حصول ما هو المطلوب من المقدمتين وكون كل واحد منهما دينا، ولو لم يفد هذا الكلام علية المشترك لما حصل الجواب عن المسؤول بهذا الكلام فيلزم أن يقال: إنه- عليه السلام ما أجاب عن السؤال وأخر البيان عن وقت الحاجة واشتغل بالعبث؛ إذ الاشتغال بالكلام الخالي عن الفائدة عبث وكل ذلك غير لائق بآحاد العقلاء فكيف بالنبي- عليه السلام.
النوع الرابع: أن يفرق الشارع بين الشيئين في الحكم بذكر صفة، وذلك يفيد أن تلك الصفة علة التفرقة؛ إذ التفرقة لا بد لها من علة إذ لو لم تكن تلك الصفة علة التفرقة لم يكن لذكرها إذ ذاك فائدة بل فيه مفسدة وهو إيهام ما ليس بعلة علة/ (169 / أ).
وهذا النوع ينقسم إلى ما يكون حكم أحدهما مذكورًا في خطاب [وحكم الآخر في خطاب آخر كقوله عليه السلام: (القاتل لا يرث) فإنه قد تقدم بيان الوارث وإرثهم في خطاب آخر،] وإنما في هذا الخطاب بيان أن القاتل منهم لا يرث، وإلى ما يكون حكمهما مذكورًا في خطاب واحد هو يقع على أوجه:
أحدها: أن تقع التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء كقوله- عليه السلام: (لا تبيعوا البر بالبر) إلى قوله (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد).
وثانيها: أن تقع التفرقة بلفظ الغاية كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} .
وثالثها: أن تقع التفرقة بلفظ الاستثناء كقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} .
ورابعها: أن تقع التفرقة بلفظ الاستدراك كقوله تعالى: {لا يؤاخذكم
الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}.
وخامسها: أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله- عليه السلام:(للراجل سهم وللفارس سهمان).
النوع الخامس: أمر الشارع في أثناء خطابه بترك شيء أجنبي عما لأجله أصدر ذلك الخطاب يفيد أنه إنما أمر بتركه لكونه مانعًا من تحصيل ذلك الغرض فعلة نهيه إنما هو كونه مانعًا منه.
والدليل عليه: أنا لو لم نقدر ذلك لكان النهي عنه والحالة هذه غير جائز لكونه يخل بجزالة الكلام وفصاحته، بل يخل: بجنسه لكونه معدودًا من ركاكة الكلام واضطرابه، وذلك مما يجب تنزيه الشارع عنه.
مثاله: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} فالآية أصدرت لبيان وجوب الجمعة وأحكامها والحث على فعلها، فالأمر بترك البيع في خلال هذا الخطاب مع أنه لا يناسب أوله وآخره لو لم يكن لكون الاشتغال به مانعًا من السعي إليها لما حسن.
النوع السادس: ترتيب الحكم على الاسم المشتق فإنه يدل على علية ما منه الاشتقاق.
فهذه جملة أقسام الإيماءات التي تستفاد من اللفظ.
فروع
الأول: لا تشترط المناسبة في علية الوصف المومئ إليه في كل ما تقدم من أقسام الإيماء عند المحققين.
وقال قوم: تشترط في كلها.
وقيل: تشترط في النوع السادس
لنا وجوه:
أحدها: أن الوصف المومئ إليه الخالي من المناسبة إن لم يكن علة الحكم فإما أن لا يكون للحكم علة، أو يكون له علة أخرى غير ذلك الوصف المومئ إليه [والقسمان باطلان فبطل أن لا يكون الوصف المومئ إليه علة]، وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن لا يكون للحكم علة أصلًا لوجهين:
أحدهما: أن الحكم مع علته أكثر فائدة مما إذا لم يكن كذلك، وحمل تصرفات الشارع على ما هو أكثر فائدة أولى.
وثانيهما: أن الحكم بدون العلة والغرض عبث، وهو على الله تعالى محال؛ وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون غير هذا الوصف علة؛ لأن غير هذا الوصف كان معدومًا، والأصل بقاء ما كان على ما كان فيغلب على الظن بقاؤه على العدم استصحابًا للحال.
وثانيها: الرجل إذا قال: "أكرم الجهال، وأهن العلماء" فإنه يستقبح قوله في العرف، فهذا الاستقباح لا يخلو إما أن يكون لأجل أنه فهم منه:
أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام، والعالم مستحقًا للإهانة في الجملة، أو لأنه فهم منه أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام لجهله، وجعل العالم مستحقًا للإهانة لعلمه، والأول باطل؛ لأن ذلك لا يقتضى الاستقباح؛ إذ الجاهل قد يستحق الإكرام لنسبه وكرمه وشجاعته، والعالم قد يستحق الإهانة لفسقه وبخله وخيانته فيتعين الأول، وذلك يدل على أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وإن لم يكن الوصف مناسبًا للحكم، إذ الجهل لا يناسب الإكرام مع أنه فهم من هذا الكلام العلية، ولذلك استقبح وإلا لم يكن للاستقباح معنى، وإذا فهمت العلية منه في هذه الصورة [وجب أن يكون حقيقة فيها لما سبق غير مرة وإذا كان حقيقة فيها] وجب أن لا يكون حقيقة في غيرها وإلا لزم الاشتراك في هذا النوع من التركيب وأنه خلاف الأصل، وفي التزام التجوز في غيرها تسليم للمقصود، ولأنه لا قائل بالفصل بين صورة وصورة.
لا يقال: الاستقباح إنما هو لأجل أنه أثبت الحكم مع المانع له؛ فإن الجهل مانع من الإكرام، فإثبات الإكرام معه إثبات للحكم مع المانع له وأنه قبيح؛ لأنا لا نسلم أن الجهل مانع منه إذ المانع من الشيء هو الذي لا يحسن التصريح بالجمع بينه وبين ما هو مانع له، وليس الجهل مع الإكرام للجاهل بهذه المناسبة؛ لأنه لو قال: أكرم الجاهل لشجاعته، أو لكرمه فإنه لا يقبح ذلك ولو كان مانعًا له مطلقًا لما حسن ذلك.
وثالثها: أنه يفهم السببية من مثل قوله- عليه السلام: (من مس ذكره فليتوضأ) وإن لم يناسب الوصف الحكم ووجود المشروط بدون الشرط محال.
الفرع الثاني
ثم دلالة هذه الأقسام/ (170 /أ) من الإيماءات على علية الوصف المذكور إنما هي دلالة ظاهرية، إلا ما كان منها بصيغة الشرط والجزاء ورتب الحكم فيه بالفاء نحو قوله عليه السلام:(من بدل دينه فاقتلوه). فإنه يدل قطعًا على أن المرتب عليه معتبر في الحكم أما أن ذلك الاعتبار على أي وجه هو بطريق العلية، أو جزؤ العلية، أو شرط العلية، أو كون ذلك الوصف متضمنًا للعلة بطريق الملازمة فذلك مما يدل عليه قطعًا بل قد يدل على بعضها بطريق الظهور دون الاحتمالات الأخر على سبيل الاختلاف بحسب المحال، ثم تلك الدلالة الظاهرية قد تترك لقيام الدليل الدال على أن ذلك الوصف بخصوصيته غير معتبر بل المعتبر ما يتضمنه من المعنى المشترك بينه وبين غيره، فالعلة بالحقيقة إنما هو ذلك المعنى المشترك والوصف المذكور علة بمعنى أنه مشتمل عليه.
مثاله: قوله عليه السلام: (لا يقضى القاضي وهو غضبان).
ظاهره يدل على أن العلة هي الغضب، لكن لما علم أن اليسير منه لا يمنع القضاء؛ لأنه لا يمنع من استيفاء الفكر، وأن الجوع المفرط، والألم المفرط يمنعان من القضاء؛ لأنهما يمنعان من استيفاء الفكر علم أن الغضب ليس هو العلة بل العلة ما يشوش الفكر.
وما يقال: من أن الغضب علة لكونه مشوشًا فغير سديد؛ لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجودًا وعدمًا، وانقطع عن الغضب وجودًا وعدمًا وليس بين ما يشوش الفكر وبين الغضب ملازمة لوجود كل واحد منهما منفكًا عن الآخر لم يكن للحكم بكون الغضب علة معنى لو أطلق على الغضب اسم العلة على وجه التجوز لما أنه مشتمل على العلة كان ذلك جائزًا.
الفرع الثالث
اعلم أن ما تقدم من أقسام الإيماءات إنما هو فيما [إذا كان الحكم والوصف مذكورين بالصراحة، وأما إذا لم يكن كذلك، فإما أن يكون الحكم] مذكورًا بالصراحة والوصف مستنبط منه أو عكسه.
فإن كان الأول فلا إيماء له وفاقًا.
وصرح بعضهم بنقل الخلاف فيه أيضًا وهو بعيد من جهة النقل والمعنى؛ لأنه يقتضى أن تكون العلة والإيماء متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وإن كان الثاني وهو: أن يكون الوصف مذكورًا بالصراحة والحكم مستنبط منه كالصحة المستنبطة من حل البيع والنكاح وأمثالها، فإن حل البيع والنكاح مصرح به في النص، والصحة غير مصرح بها لكنها مستنبطة منه.
ووجه الاستنباط:
أن نقول: يلزم من حله صحته؛ إذ لو لم يكن صحيحًا لما ترتب عليه آثاره إذ هو معنى نفي الصحة، وحينئذ يكون تعاطيه عبثًا إذ العبث هو الفعل الخالي عن الفائدة، [والعبث لا بوصف بالحل فيلزم من عدم الصحة عدم الحل لكن عدم الحل غير ثابت ضرورة ثبوت الحل] فيلزم انتفاء عدم الصحة، ويلزم منه ثبوت الصحة [فثبوت الحل يستلزم ثبوت الصحة فهل للنص الدال على ثبوت الحل إيماء إلى ثبوت الصحة؟].
اختلفوا فيه:
فذهب قوم إلى إثباته وهو الأولى؛ لأن الصحة لازمة للحل على ما تقرر ذلك فالحل مدلول اللفظ بطريق الوضع؛ فاللفظ الدال عليه بطريق الوضع يدل على إرادة ثبوت الصحة بطريق الالتزام ضرورة كونها لازمة للمسمى فيكون للنص إيماء إليه كما إذا كان الحكم والوصف مذكورين بالمطابقة فإنه لا اختلاف بينهما إلا في طريق الثبوت وذلك لا يقتضى الاختلاف في أصل الثبوت وفيما يلزمه من الأحكام.
وذهب الآخرون إلى نفيه محتجين: بأن الحكم إذا كان مذكورًا بالصراحة والوصف مستنبط منه كما هو في أكثر الأقيسة لم يكن للنص الدال على الحكم إيماء إلى ذلك الوصف وفاقًا فكذا ما نحن فيه.
وجوابه: أنه قياس خال عن الجامع.
سلمنا الجامع لكن الفرق حاصل وهو أن وجود الوصف غير لازم من الحكم المصرح به ولا مناسبته له لثبوته قبل الشرع فلم يكن للنص الدال على الحكم دلالة على الوصف لا بطريق الوضع، ولا بطريق الالتزام فلم يكن له إليه إيماء بخلاف النص الدال على الوصف فإن له دلالة على الحكم المستنبط اللازم له بطريق الالتزام فلم يلزم من كون هذا من قبيل الإيماء أن يكون عكسه كذلك.
الفصل الثاني
في إثبات العلية بالمناسبة والإخالة