الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة التاسعة
ذهب بعضهم إلى أن الأخذ بأخف القولين واجب على المكلف
.
وذهب بعضهم إلى أن الأخذ بأثقل القولين واجب.
ومنهم من لم يوجب الأخذ بشيء من ذلك.
واحتج الأولون بالمنقول والمعقول.
أما المنقول فكقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} وقوله {ما جعل عليكم في الدين من حرج} .
وقوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
وقوله "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" وكل ذلك ينافي شرع الشاق الثقيل.
ولقائلٍ أن يقول: هذه النصوص تدل على أن الدين وما شرع فيه من الأحكام ليس فيه حرج ولا عسر ولا ضرر؛ لأن كل ذلك تعليل للواقع وتحريض على الأخذ به وهذا لا يقتضي أن ما لا حرج فيه ولا عسر ولا ضرر مشروع؛ لأن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها.
وأما المعقول فهو: أنه تعالى غني كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين هذين الجانبين كان التحامل على جانب الكريم أولى منه على جانب الفقير المحتاج.
واعلم أن هذا المذهب يرجع حاصله إلى أن الأصل في الملاذ: الإذن، وفي الآلام: الحرمة.
ولقائل أن يقول: أما هذا الأصل فقد تقدم الكلام فيه، وأما ما يخص ما ذكره في هذا المقام فهو: أن التحامل على جانب الغني الكريم إنما يكون أولى أن لو لم يكن في التحامل على المحتاج الفقير مصلحة له في معاده أو في ميزانه فأما بتقدير ذلك فلا نسلم ما ذكرتم؛ وهذا لأنه لا بدع في التزام الأثقل لمصلحة تربو على مشقة الالتزام بل ذلك أولى في نظر العقلاء فكان المصير إليه أولى.
واحتج عليه أيضًا: بأن الأخذ بالأخف أخذ بالأقل وقد ثبت وجوبه فكان الأخذ بالأخف واجبًا.
وجوابه: منع المقدمة الأولى؛ وهذا لأنه ليس من شرط الأخف أن يكون جزءًا من الأثقل حتى يكون الأخذ به أخذًا بالأقل بل قد لا يكون جزءًا منه وحينئذ لا يكون الأخذ به أخذًا بالأقل [لأن الأخذ بالأقل] إنما يجب إذا كان جزءًا من الأثقل كما تقدم في المثال المذكور، فأما إذا لم يكن كذلك فلا وحينئذ لا يكون الأخذ بالأخف أخذًا بالأقل على الإطلاق.
واحتج من قال: إن الأخذ بأثقل القولين واجب بقوله عليه السلام "الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي" ولأن الأثقل أكثر ثوابًا فكان المصير إليه واجبًا لقوله تعالى {فاستبقوا الخيرات} لأنه حينئذ يكون من جملة الخيرات.
وهو أيضًا ضعيف؛ لأن النص على تقدير صحته يدل على أن الحق ثقيل وذلك لا يقتضي أن كل حق ثقيل.
سلمناه لكن لا يقتضي ذلك أن كل ثقيل حق وكذا الكلام في القضية الأخرى وهي قوله الباطل/ (351/ أ) خفيف.
أما قوله ثانيًا: ولأن الأثقل أكثر ثوابًا بالنسبة إلى الأخف مطلقًا ممنوع؛ وهذا لأن الأخف الواجب عندنا أكثر ثوابًا من الأثقل الغير واجب فلم قلتم أنه ليس كذلك؟
وحينئذ لا يتم لكم هذه المقدمة [إلا إذا بينتم أن الأثقل واجب فيتأتى وجوبه لكونه أثقل.
سلمنا صحة هذه المقدمة مطلقًا] لكن النص إنما يدل على وجوب الاستباق إلى الخيرات لا إلى الأخير والأثقل والأخف كلاهما يشتركان في الخيرية، فلو دلت الآية على الوجوب لدلت على وجوبهما لا على وجوب الأثقل فلم يحصل منه المطلوب. واعلم أن من جملة الطرق: طريقة الاحتياط.
قال قوم: يجب الأخذ به؛ لقوله عليه السلام "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" واعلم أنها ليست طريقة بحالها بل هي إما طريقة الأخذ بأقل ما قيل، أو طريقة الأخذ بأكثر ما قيل، وتقدم الكلام فيهما فلا حاجة إلى الإعادة.