الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
في شرائط الاستفتاء
القائلون بوجوب الاستفتاء اتفقوا على أنه لا يجوز له الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذى يستفتى منه من أهل الاجتهاد، ومن أهل الورع، وذلك إنما يكون إذا رآه منتصبًا للفتوى بمشهد الخلق، ويرى اجتماع المسلمين على الاعتقاد فيه، والسؤال منه، واتفقوا على عدم جواز الاستفتاء ممن يغلب على ظنه أنه غير بالغ في العلم إلى درجة الإفتاء وأنه غير متدين؛ وإنما وجب عليه ذلك لأنه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات المغلبة على الظن، ولا طريق للعامي إلى معرفة أهلية المفتي إلا ذلك.
واختلفوا في جواز الاستفتاء من لا يعرفه المستفتي بعلم ولا جهالة، ولا بفسق ولا عدالة.
والمختار عدم جوازه بل ربما يجب القطع بذلك، والخلاف فيه غاية البعد لو صح الخلاف فيه وهذا لأن العلماء لان اختلفوا في قبول قول من جهل حاله من المسلمين في الشهادة والرواية فإنما كان ذلك لوجود ما يقتضى المنع من الفسق ظاهرًا وهو الاسلام الوازع عن الفسق والمعصية ظاهرًا، وليس يوجد في مجهول الحال ما يقتضى حصول العلم ظاهرًا لاسيما العلم الذى يحصل به رتبة الافتاء، فإن ما يجب على المكلف معرفته من فروض الأعيان من أحكام وأركان الدين لا يجب أن يعرف ذلك نظرًا لما ثبت من جواز الاستفتاء فضلاً عن غيره، وكيف لا واحتمال العامية راجح على احتمال العالمية لكون العامية
أصلية، وهي أغلب أيضًا بخلاف العالية فإنها على خلاف الأصل، وهى قليلة لاسيما التي تحصل بها رتبة الاستفتاء، وكون تحصيل رتبة الافتاء فرض على من له استعداد ذلك لا يقضى حصولها ظاهرًا في عامة المكلفين أو في مخالبهم حتى يجوز الاستفتاء من المجهول بناء على الغالب، وعند هذا ظهر أنه لو تردد في عدالته دون علمه فربما يتجه الخلاف في جواز الاستفتاء منه، وظهر أيضا أنه لا يجوز أن يقاص من جهل علمه على من جهلت عدالته لظهور الفرق بين الصورتين.
ثم إن المستفتي إذا استفتى من واحد أو من جماعة واتفق فتواهم عملا بذلك.
وإن اختلفوا في الفتوى:
فقال قوم نحو الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من فقهائنا كابن سريج والقفال وجمع من الأصوليين يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم؛ وأورعهم
لأن أقوال المفتين في حق العامي تنزل منزلة الأدلة المتعارضة في حق المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح بينها يجب على العامي أيضًا الترجيح بين أقوال المفتين، ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو الظن، فالظن في تقليد الأعلم والأورع أكثر فكان المصير إليه واجبًا، وذلك قد يكون بالشهرة والتسامع، وبكثرة المسالة من أهل الخبرة محن أعلمهم وأورعهم، وبإقبال الناس عليه في الاستفتاء والاشتغال عليه، وتعظيمهم إياه لعلمه وورعه من غير جاه ومنصب، وقد يكون بالتجربة نحو أن يحفظ من كل باب من الفقه مسائل ويحفظ أجوبتها [فمن أصاب في أجوبتها] أو كان أكثر إصابة فهو راجح في العلم.
وقال قوم من الأصوليين كالقاضي أبو بكر وجمع من الفقهاء: إنه لا يجب عليه ذلك لتعذره أو لعسره، ولأن الصحابة والعلماء في كل عصر لا ينكرون على العوام ترك النظر في أحوال العلماء، فإن الصحابة كانوا يختلفون في المسائل وكان فيهم الفاضل والمفضول نحو الخلفاء الأربعة، ثم من بعدهم في الرتبة الثانية والثالثة إلى أن ينتهي إلى العوام. ثم أنه لم ينقل محن أحد منهم أنه كلف العامي بأخذ قول من هو في الرتبة الأولى أو في الثانية، وكذا العلماء في كل عصر فيهم الفاضل والمفضول ولم ينقل عن أحد منهم أنه أوجب على المستفتي الأخذ بقول الأفضل، وإذا لم يجب ذلك مع تحقيق ظن الأفضلية فلأن لا يجب الاجتهاد والنظر في أعلمهم وأورعهم بالطريق الأولى، ويتأكد ذلك بقوله عليه السلام:"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
ثم إن لم يوجب عليه الاجتهاد تخير في الاخذ بقول أيهم شاء، وإن أوجب ذلك عليه فإن اجتهد وترجح عنده أحدهم مطلقا وجب الأخذ بكلامه ولا يجوز/ (323/ أ) العدول عنه، كما لا يجوز للمجتهد العدول عن الإمارة الواجبة، وإن استووا ولم يظهر رجحان واحد منهم قال الامام: فها هنا طريقان:
أحدهما:. أن يقال: هذا لا يجوز وقوعه، كما لا يجوز استواء أمارتي الحل والحرمة.
وهذا غير مرضى؛ لأنه لا نزاع في جواز تساوى الأمارتين في الذهن، وإنما النزاع في تساويهما في الخارج، وما نحن فيه من قبيل القسم الأول لا الثاني؛ لأنا فوضنا استواءهم بالنسبة إلى ذهنه واعتقاده، ولا يقتضي ذلك تساويهما في الخارج.
وثانيهما: أن يقال بتقدير الوقوع سقط عنه التكليف، لأنا جعلنا له أن يفعل ما شاء.
وهذا الأخر أيضًا غير مرضي، لأن التخيير بين الشيئين لا يوجب سقوط التكليف كما في الواجب المخير، والواجب الموسع، بل الذي أن يقال: إنه يتخير في الأخذ بأيهما شاء، أو التوقف إلا أن يظهر رجحان أحدهم، أو يظهر مفتي آخر يوافق أحدهم فيأخذ به للكثرة، أو يكون أرجح منهم فيأخذ بقوله وإن لم يوافق واحدًا منهم.
وقيل يتخير في الأخذ بأيهما شاء.
فإن ترجح كل واحد منهم على الآخر من وجهٍ دون وجهٍ فها هنا صور:
إحداها: أن يحصل الاستواء في الدين والزيادة في العلم: فالأصح أنه يجب الأخذ بقول الأعلم، لمرتبته، ولهذا يقدم في الإمامة في الصلاة، ولأن الظن الحاصل بقوله كثو فكان الأخذ بقوله واجبًا.
وثانيها: أن يحصل التساوي في العلم، والتفاضل في الدين، فها هنا وجب الأخذ بقول الأدين وفاتا وهو ظاهر.
وثالثها: أن يكون بعضهم راجحًا في العلم، وبعضهم، في الدين، فالأظهر أنه يجب الأخذ بقول الأعلم؟ لأن الحكم مستفاد من علمه لا من دينه، وقياس مذهب من خير في الأول أن يرجح الأدين ها هنا.
فإن قلت: العامي ربما اغتر بالظواهر، نحو كثرة إقبال الناس عليه في الفتوى والقراءة عليه، وذلك قد لا يكون لفضيلته بل لأسباب أخر لا تخفى وقدم المفضول على الفاضل، فإن جاز له أن يحكم بغير بصيرة في ترجيح بعض العلماء على بعض فليجوز له أن يحكم في نفس المسالة بما يقع له ابتداء وإلا فأي فرق بين الأمرين.
قلت: العامي له أهلية الاجتهاد في ترجيح بعض العلماء على بعض دون حكم المسألة، وذلك لأنه لمكن أن يعلم أن الأفضل بالتسامع والقرائن نحو: إذعان العلماء له مع عدم الجاه والمنصب من غير بحث عق نفس العلم، ولا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي بخلاف حكم المسألة فإنه ليس له أهلية الاجتهاد بالنسبة إليه، وهذا كمن له طفل مريض وليس هو بطبيب، فإن سقاه دواء برأيه كان متعديًا ومقصرًا ولو راجع طبيبًا لم يكن مقصرًا فإن كان في البلد طبيبان وقد اختلفا في الدواء فمخالف الأفضل عد مقصرًا، ثم إنه يعلم ذلك بما تقدم من الطرق.