الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة لهذا القسم بمسائل في أحكام العلة لم يتقدم ذكرها
فيما قدمنا من الأقسام.
المسألة الأولى
ذهب الجماهير إلى أن العلة الواحدة الشرعية يجوز أن تكون علة لحكمين مختلفين شرعيين معا، خلافا لبعضهم.
والدليل على جوازه هو: أن العلة إن فسرت بالمعرف فجوازه ظاهر؛ لأن الشيء الواحد يجوز أن يكون معرفا لمختلفين.
وإن فسرت بالباعث فلا يمتنع أيضا؛ لأن الوصف الواحد قد يكون باعثا على حكمين مختلفين لمناسبته لهما بأمر مشترك بينهما، وإلا فمناسبة الواحد لمختلفين لخصوصهما ممتنع، وهو كمناسبة الزنا لتحريمه، ووجوب الحد عليه ومناسبة القتل العمد العدوان لوجوب القصاص، وحرمان الميراث ووجوب الكفارة على رأينا.
وإن فسرت بالموجب وكانت العلة مركبة لم يمتنع ذلك أيضا؛ لجواز أن يكون الموجب المركب مصدرا لأثرين مختلفين كما في العلل العقلية المركبة، وإن كانت بسيطة فكذلك؛ لأنه لا يمتنع أن تكون العلة البسيطة موجبة لأثرين مختلفين؛ إذ القول بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد باطل قطعا على أن القول بكون العلة الشرعية موجبة باطل.
وأيضا: الوقوع دليل الجواز وزيادة قد وقع ذلك في الشرع كما تقدم.
وأيضا: فإن مجرد عقد النكاح علة لإباحة الوطء، وعلة لجريان التوارث بينهما] بشرط الموت، وموجب للصداق وموجب لحرمتها على أصول
الزوج [وفروعه ولحرمة أمها عليه، ولا شك في أن هذه الأحكام مختلفة بالنوع وله نظائر كثيرة.
واحتج المخالف: بأنها لو كانت علة لحكمين مختلفين لكانت مناسبة لهما لكن ذلك باطل؛ لأن المعنى من مناسبة الوصف للحكم أن ترتبه عليه كاف في حصول مقصوده، فلو كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين فمن حيث إنه مناسب لأحدهما يجب أن يكفي ترتبه عليه في حصول المقصود، ومن حيث إنه مناسب لهما وجب أن لا يكفي ذلك بل لابد في ذلك من ترتيبهما عليه فوجب أن يكفي أحدهما في ذلك، وأن لا يكفي أحدهما، هذا خلف فما/ (229/أ) أفضى إليه يجب أن يكون كذلك.
وأيضا: لو ناسبهما بجهة واحدة فهو ممتنع؛ لأن الشيء الواحد لا يناسب المختلفين لخصوصهما، أو بجهتين مختلفتين فحينئذ يلزم أن تكون العلة مختلفة، لأن كل واحدة من تينك الجهتين المختلفتين هي العلة بالحقيقة إلا أنها قامتا بذات واحدة.
وجواب الأول: أنا لا نسلم أن المعنى من كون الوصف مناسبا للحكم ما ذكرتم مطلقا، بل ذاك إذا كان ما ترتب عليه كل المناسب، فإما إذا كان بعض المناسب فلا، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور.
وعن الثاني: ما تقدم وهو أنه لا يلزم من عدم مناسبة الجهة الواحدة المختلفتين بحصوصهما عدم مناسبتها لهما مطلقا، لجواز أن تكون مناسبة لهما باعتبار أمر مشترك بينهما، واستلزم الوصف له يقتضي استلزام ذينك المختلفين لكونهما لا ينفكان عنه.